Trackback
•
Posted in مجرد كلمات
لحظة من الماضي
ي 1
2007
قصة قصيرة …. بقلم هيا علي الفهد
” لحظة من الماضي “
يقلب ألبوم الصور القديم بيديه .. مرة بإمعان وشوق ومرات بإهمال غير مقصود .. يعيد الصفحة السابقة بشغف أهبل .. صورتها بالضحكة الطفولية الأزلية والشعر الغجري المجنون ..يراوده شعور قديم كقدم البيت الذي هدم للعائلة .. عتيق كعبق التاريخ الماضي شعور يزلزله من الداخل ليعتري الجسد رعشة محمومة باردة تهد جبل كمية اللحوم التي تكدست عليه عبر السنوات السابقة.. يخرج الصورة من مكانها الأم.. يرفعها عاليا كعلو الشمس في بلادنا.. ينظر إليها مليا .. يتذكر متى صورت وأين ومتى أهديت إليه ومتى وضعت في هذه الزاوية .. وكأن أعوام الأمس الطويلة والمتعددة ما هي إلا لحظات من يوم آني..
كيف يصبح العمر .. مجرد لحظات .. لحظة تجرفي أذيالها الأخرى .. لتمر كل تلك السنوات على عجاله . ويفقدها في زحمة أيام العمر..
ترى أين هي الآن؟
سؤال دار في باله.. بالرغم من صغر مساحة الكويت وأماكنها المحدودة
لماذا لم أصادفها مره؟؟
يتنهد بعمق ويقف ويدور حول ذاته..يتساءل.. هل أتصل بها..رغبة قوية تسيطر على فكره..لأول مره يشعر برغبة الإتصال بها..لماذا؟ هل سعيه وراء تجارته حتى أصبح مليونيرا هو الذي أنساه إياها أم رفض عائلتها له لاختلاف النسب مابين العائلتين كان محبطا له..أم رؤيته لصورتها صدفة هي التي حركت مشاعر الشباب داخله؟
أم الوحدة التي عبرته زمنا طويلا وحددت علاقاته وأطر تفكيره؟هي السبب في تناسي حبه لتظل الذكرى نار خامدة مدة لم تنطفئ داخله أشعلتها الصورة..
يرفع هاتفه النقال يخاطب صديقه قائلا:-
..أحمد أريد رقم منال عبد الله …لو سمحت
..كيف أحصل لك على الرقم ؟
..كيف؟ أنت تعمل في شركة الاتصالات ونحن لا نملك إلا اثنتين..يعني الموضوع أسهل منه مافيه
قالها بعصبية وأغلق هاتفه
شعر بأن حوائط الغرفة تطبق عليه بإحكام مدمر ليضيق النفس لديه..فيرتدي على عجاله ملابسه ويقود سيارته الفارهة متجها لمنطقة سكنها القديمة ..يا الله .. نفس الشارع الذي كان يلاحقها قديما فيه..نفس الأرصفة..نفس المدرسة المقابلة لمنزلهم..لم يتغير في المكان أي نوع من الملامح..لكن النفس داخل الجسد كلاهما شاخ بالفراغ العاطفي.. ومنزلهم تتعلق أنظاره على مبنى المنزل..نوافذه أبوابه كل شيء كما هو وكأن الزمن علق في بوابة الزمن ورفض الخروج من الماضي..
يدور دورتين في الشارع أغنيته فيروز القديمة تثير بعض الشجون داخله” بكتب اسمك يا حبيبي” يغير مسار انطلاق سيارته يلمح في آخر الطريق مقهى حديث ..ينزل من السيارة ويتخذ زاوية بعيدة ويطلب كوبا من الشاي الأخضر..يرتشف بضع رشفات منه ليفتح الباب وتدخل طفلة جميلة ذات العشر سنوات ضجيجها أثار انتباهه ..ماما أريد قطعة كرواسان .. إني جائعة..
تدخل الأم خلفها..يهتز البدن ويلمح قطرات من العرق البارد يعلو الجبهة ونوع من الحرارة لا يدري مصدرها..يا الهي انها هي..هل هو القدر الذي جمع في سويعات الذكرى أم هي الصدفة!!
امرأة تشع أنوثة..وحجابها الأزرق يغطي الرأس وينحدر أعلى الظهر يتابعها وهي تسير بخطوات محسوبة باتجاه طاولة الطلبات..
تعزف الروح عن كوب الشاي وتتعلق النظرات فيها لكن…يصيبه نوع من الشلل المؤقت..يحاول القيام باتجاهها.. فتعلق الأقدام في مكانها ولا تستطيع الحراك..
مرت فترة من الزمن كأنها الدهر كله..ويراها تنطلق ممسكة بيد الطفلة حيث باب المقهى..
يصرخ شيء داخله..يحثه على الحركة ..شيء يشده بقوة لاستغلال الفرصة يرن هاتفه..ينظر لشاشة موبايله..أحمد يتصل ..لا يملك الرد..تخرج من الباب..يلمح السيارة في زاوية الشارع..يسرع حيث هي..يناديها..منال..تلتفت حيث الصوت القادم..تقف برهة من الزمن حائرة..متسائلة..من أين قدم هذا الحبيب القديم..تنظر لابنتها..متخوفة من الرد..يقترب هو أكثر ودقات قلبه تسبقه..ويعلو الصدر حتى يضيق النفس والشعور بدوخة المفاجأة والذكرى واللقاء الغير متوقع..تنظر إليه باستغراب أكثر..يمد يده مصافحا..رغبة بالشعور بجزء من الجسد الحبيب..تمد يدها..تعاود النظر لابنتها..يسألها..كيف الحال..ترد باختصار مرتجف..بخير..يحيطها نوع من الصمت الغبي..يكرر السؤال.. هل من لقاء أو اتصال..؟
يرن هاتفه مرة أخرى..أحمد يتصل..تنطق الشاشة لكنه لا يملك القدرة على الرد على صاحبه..
تنظر إليه بدهشة..كيف يتجرأ ليطلب لقاء أو اتصالا بعد كل تلك السنوات الماضية..
تطلب من ابنتها ركوب السيارة..وتنظر إليها..والصغيرة لا تملك الكلام ولكن نظرات التساؤل تعلق في عينيها..
لترد..معقول..بعد كل هذه الأعوام..
يرد..احتاج إليك..
ترد..أنا متزوجة ولي أبناء
..أنا مازلت على الذكرى
تصدر منها نظرة حيرة..وتقول ..لم نعد نملك أرواحنا..إني آسفة..
تستدير وتركب سيارتها ..دون أن تلتفت إليه أو تعيره أدنى اهتمام..وتمسح على رأس الصغيرة..
يحس بأن اللحظة هي اللحظة وإن الماضي هو الماضي..
يرن هاتفه..أحمد يتصل..
يرد على صديقه..خلاص أحمد..مافي داعي لمعرفة الرقم..

0