بيوت ورجال
ي 7
2007
قصة قصيرة …. بقلم هيا علي الفهد
” بيوت ورجال “
البيت الأول:-
مازال ينام على الأريكة في الصالة الموجودة في الدور الأول ..يتقلب ومنذ سنوات وهو يتقلب في ذات المكان بعد أن هجر فراشه معها…
كان يجد في هذه الأريكة راحته التي تبخرت في فراشها..هنا يشتم رائحته التي يعتني بها بينما هناك يشم رائحتها التي ترفض الاعتناء بها..في هذه الزاوية الصغيرة يعطى للخيال حيزا كبيرا ليعيش مع روحه وحيدا عبر ذكرياته..
سبحان الله حين يضيق بي البيت الكبير ليقف فقط عند حيز هذه الأريكة في النوم والأكل والحركة..
يسأل نفسه بعد أن جلس متربعا على أريكته..هل له حقوق في هذا البيت؟! يشده السؤال بقسوة ويجره لعالم يهذي..رافضا مره الفكرة ومتقبلا إياها مرات ..لو له حق لما بات على أريكة في صالة منزوية بعيدا في بيت بارد..
يسحب نفسه من قعدته وينتعل نعاله البنية ..يجرها جرا أو يخال إليه أنها هي التي تجره..ليقصد المطبخ الكبير في وسط البيت..يفتح الثلاجة يلقي برأسه داخلها..يريد أن يتنفس لكن النفس يضيق به يقلب ناظريه داخلها هذه هي كمية الفواكه التي اشتراها بالأمس..أخذ حبة منها..ودارت نظراته في زوايا المكان..ياه..منذ أكثر من عشر سنوات حين اشترى هذا المطبخ كان فرحا..يتذكر حديثه معها..مارأيك اللون الرمادي أفضل أم البني..؟
وردها حينه..بلا أدري..سلبية جوفاء عبرته سنينا طوال غلفته بأحرفها وأحاطت حياته بها وأصبح هو ذاته عنوانا للسلبية ..
يصب له كأسا من الماء..يرتشف منه بضعا..ويأكل حبة الفاكهة ليعود إلى حضن أريكته يقلب في قنوات التلفاز ليختار فلما أجنبيا لريتشارد جير..يتابع لقطاته..
يرن هاتفه النقال..وإذا بصديقه أحمد..يتساءل عن عدم حضوره للديوانية ..
يتنهد بعمق..يحدث نفسه..جاهلا هذا الصديق مأساتي..
الشعور بالوحدة..في عالم ممتلئ أبناء وزوجة ..شيء يحرق الصدر من الداخل كاحتراق سيجارته بين أصابعه..
يتمدد على الأريكة..يطالع الفلم بعين غير مبالية..يتنفس بعمق..لا أحد يدخل عليه صومعته لا هي ولا الابن أو الابنة ..
ماذا يحدث لو أصابه مكروه في يوم ما..هل سيشعر به أحد..
هل سينقذه أحد..؟! أرتعش جسده كله نتيجة هذه الفكرة..مثلا ماذا لو ذهب في غيبوبة سكر.ينتصب واقفا..يعتلي درجات المنزل يفتح الباب ليرى ابنه جالسا مع كمبيوتره يخرج سريعا من الموقع الذي كان عليه..لا يعيره انتباه..يسأله الابن..تبي شي يبه؟ لا يرد يقفل الباب ليفتح الآخر على البنتين تغطان في النوم..يقف حائرا أمام باب غرفتها..يتردد في الدخول..يقدم رجلا ويؤخر الأخرى..يفتح الباب يراها من بعيد على وسادتها نائمة كما هي دائما بإهمال ملحوظ ..يتنهد بعمق ويشعر بضيق يحتويه داخل الصدر..يغلق الباب خلفه ويهبط للدور السفلي..يغير ثوبه ويرتدي دشداشته ويتصل بصديقه أحمد..هل مازلتم في الديوانية؟ إني قادم إليكم..
البيت الثاني:-
يقف أمام المرآة يعتني بشاربه مره وبشعره مره وبعطره مرات يفتح درج خزانته ينتقي به ساعته وقلمه بعناية فائقة يضعهما معا..يعاود وضع العطر مرة أخرى..يلقي نظرة أخيرة على هندامه يقترب منها..ليقبل جبينها..أنا رايح تبين شي..يخنقها عطره..لا تهتم تعودت تفكيرها السلبي به حال خروجه..
يقترب من سيارته..يرن هاتفه..يتحدث سريعا وبصوت هامس أنا قادم..
يركب السيارة ويبتعد عن بيته..ينظر عبر المرآة الجانبية عليه ..يطمئن أن لا أحد يلاحقه..يعيد الاتصال بالرقم الأخير..يردد هلا والله بهالصوت..
يسألها..خرجت من المنزل أم مازالت المرأة عندك تعتني بشكلها؟ يمازحها كلكن لا تخرجن حسب الموعد..
ترد عليه بصوت فيه دلع مصطنع..نصف ساعة وأكون عندك..بس لا تنسى ماوعدتني به..
يتساءل بين نفسه..بم وعدتها..
يجرها في الحديث ليعرف أنها طلبت خاتم ألماس..
يعض شفتيه لقد نسى شراءه..ويسأل هي طلبت الخاتم الألماس أم تلك اللبنانية..يرد بصوت شبه عال..لست أدري..
يقترب بسيارته من الصالحية..يسرع لمحل المجوهرات في الدور الثاني يسلم عليه العامل في المحل..يعرفونه جيدا..يشتري خاتما من الألماس ليقترب ثمنه من خمسمائة دينار..
ويذهب حيث موعده..الحمدلله سبقها..ينادي ليطلب ماء وفنجان قهوة..حتى يقنعها بأنه في حال انتظار لها..
يرتشف قهوته ويراها تدخل المقهى..يقارن بينها وبين زوجته..
زوجته الأجمل والأحلى..لكنه رجل والرجل أبدا لايقنع بامرأة واحدة تقترب منه تمد يدها مصافحة..يجلسها بأدب مصطنع ودور محبوك..ويحدثها عن وله أهبل لا أساس له..
تنتظر منه الهدية..هي الأخرى لا تحبه..ولكنها مصالح متبادله كما مصالح الدول الكل يعتني بنفسه خارجيا لاصطياد الآخر..وبعدها..لايهم..احتلال أو تفاوض او انتهاء مصالح..ماذا تطلبين ياحلوه..
تتدلع وكمية الميك آب تزيدها غباء..أريد كوبا من العصير الطازج يحدثها عن عشقه لها وكيف أنها غيرت مسار حياته..
تنظر إليه فرحة بعشق ممزوج بكذب عبيط..
وتقول له..كيف تحبني كل هذا الحب وتنسى أن تعطيني ما طلبت يسرح بفكره قليلا لشجار الأمس مع الزوجة..
أريد مالا لأشتري أغراض البيت..
يرد عليها ببرود مغلف بصمت مخجل..ما عندي..
كيف لا تملك مالا ودخلك يفوق الألفين ولا يوجد أي نوع من الالتزامات عليك..
عندك مالك اشتري منه..
لكن من حقي عليك أن تنفق علينا..تبكي بحرقه وتخرج لتتركه يصارع ضميره..
تخرجه بصوتها المصطنع من فكره..
ها ..ماذا قلت ياحبيبي..
يشعر بنوع من الألم داخل صدره..يحب زوجته بل يعشق كل ما فيها..
لكنها نزوات رجل تعود الخيانة..
يمد يده داخل جيبه ويخرج الخاتم..يفتح العلبة نفس المصيده التي اعتاد الصياد أن يحيكها..
تنظر للخاتم وكمية الألماس..تبرق العين وتزداد لمعانا..
أوه حبيبي انه جميل..لكن ينقصه ” الحلق”
يرد بصوت غبي..في المرة القادمة..حبيبتي..
يرفع رأسه لذلك الجسد الذي وقف خلفه..يصعق من هول المفاجأة..أم يوسف..تنظر زوجته إليه مره وللأخرى مره دون أن تتفوه بكلمة..ولكنها نظرات تدل على الألم والندم والاحتقار وتبتعد ليلحق بها..انتظريني حبيبتي..أريد أن أشرح لك تقف برهه مقابلة له..انتهى وقت الشرح..أريد الطلاق..
البيت الثالث:-
يقف أمامها حزينا متألما وهي تجهز حقائب السفر..خمس سنوات ومازالت تفعلها كل عام بالرغم من اعتراضه كونه عاجزا ماديا عن اللحاق بها وهي تتركه وحيدا دون خادمة لتلحق بوالديها في لندن وعلى حساب الوالد أشهر الصيف كلها..دون أن يجد معينا له في الأكل والتنظيف والونس وطالما اعترض وسمع كلاما شديد اللهجة من والدته..كل عام ..كل عام تتركك أربعة أشهر..
دار حول الحقائب تأخذ الولدين معها وتنساه..شعور من اللامبالاة يسيطر عليها وشعور من الألم يسيطر عليه..إهمالها له أخذ حجما فظيعا وجعله غير قادر على التنفس..والكل يلومه ولا يملك هو القدرة على لومها بل هي شحنة سلبية تتجه للذات..للوم الذات..ولوم الزمن..
يجلس على مقعده ينظر إليها..سعيدة هي حين تحزم حقائبها ومشاعر متناقضه يشعر بها هو..والطفلان يعبثان بغطاء الحقائب يجهلان الوقت ويجهلان الأحاسيس..
يقترب الأكبر منه..كما لو شعر بوقت الفراق..يعانقه بحنان بالغ حتى كاد يختنق وشعر برغبته في التخلص من يديه ليتركه يلحق بأخيه الأصغر..
يقف هو ويقترب منها..ليسألها..وبعدين؟؟؟
تهز كتفها ..ماذا بعدين؟
كل عام نفس الحال..الغياب لمدة طويلة ..وإمكانياتي لا تسمح..
ومن قال إنك ستدفع شيئا..
ولكني أرفض بعدك وإهمالك..
أنا بحاجة للسفر..
إن كان ولابد..فلشهر أو شهر ونصف لا أربعة أشهر طوال مملة..وحدتي تؤلمني وفراقك والأولاد يزعجني..
أريد أن أمكث الصيف كله..
وكلام الناس؟
يشعر بعصبيتها..وردها بحده؟؟مالي ومال الناس؟!
لافائدة من النقاش معها..هذا ما أحسه..لن يثنيها شيء..يخرج من البيت ثائرا..يركب سيارته..يراها تنتظره في الشارع ..تقترب منه..عادة يهرب بعيدا عنها..لكن هذه المرة اقترب منها أكثر..
تنزل زجاج نافذتها وينزل هو زجاج نافذته..تصمت هي فترة..كانا على علاقة سابقة مع بعضهما..فرقتهما الأيام لسبب ما زال يجهله..
ينظر إليها..حنونه..رقيقة وإن لم تكن بجمال زوجته..
يسألها..هل مازال العرض جاريا؟
ترد بثقة وصوت يشع به الحزن..ولن يغيره الدهر كله..وهل ستقبلين زواج المسيار..؟
أمنية حياتي أن أكون معك وبقربك..
إذا موعدنا غدا لعقد القران..
البيت الرابع:-
يقف عند النافذة الكبيرة في استقبال البيت الفخم يلقى نظرات فاحصه على الشارع ..ينتظر بصبر مله أو الملل متبادل..كل سيارة تقترب من باب المنزل تتسارع معها دقات قلبه وزوجته تنظر إليه بشفقة مره وباستغراب أكثر المرات..
يبتعد عن النافذة قليلا ليلتف نصف التفافه ويعود لزاوية أخرى من النافذة الكبيرة..يتأفف..أف..تبتسم الزوجة الجالسة بهدوء منسجم مع قعدتها يعبث بلحيته البيضاء كعادة السلفيين حين يطلقونها..
تدخل الخادمة حاملة أكواب الشاي استعدادا للضيوف القادمين..
يحدثها بصوت عال..كل شيء جاهز..؟ ترد الفلبينية عبر نظرات حمقاء من عينين صغيرتين بلغة انجليزية حادة ..بالإيجاب..
يأخذ يقلب في قنوات التلفاز دون النظر للشاشة..دون أن يرى شيئا أو يستمع لشيء..
تضحك الزوجة بصوت مسموع..مابك يارجل..؟ هل أنت أول واحد يتقدم لابنته خاطب؟!
ينظر إليها باستنكار..وكأنه يحدث ذاته..يالبرودك..
يدنو من غرفة الابنة..يتردد في الدخول..يتردد حتى في طرق الباب..يفتح الباب فجأة تستغرب الابنة من وقوف الأب خارجا..
تتساءل عبر عينيها..يرتعش جسده كله..يرد بعبط واضح..كنت أريد الاطمئنان عليك..
لا ينتظر ردها..يعود لقاعة الاستقبال..والزوجة تراقبه بنظرات حائرة عاطفية..يحاول الجلوس قرب الزوجة يرن جرس الباب يقف منتصبا يصرخ بالخادمة..تسرع المسكينه لترد عليه سيارة الكوكا كولا يصرخ ناظرا للزوجة..ياه..عاد هذا وقته..
تصب الزوجة له كأسا من الماء..تشعر بنشفان ريقه..يلقي به في جوفه ويحاول الاسترخاء..يتنفس مره..مرتين هكذا درب في دورة فن الاسترخاء..لكن عبثا..لا فائدة..دقات القلب لديه متسارعه تصطدم كل واحدة بالأخرى..
يرن الجرس مرة أخرى..يقترب من النافذة لإلقاء نظرة على القادم يسرع حيث الزوجة..ياالله..يالله لقد أتوا.. يالله..
تكاد الزوجة تسقط حين جرها من يدها لتقف..يذهب حيث الباب يفتحه مصافحا الأب والابن والعم..هلا والله..حياكم الله.
يجلس الجميع في القاعة..كل يرحب بالآخر من زاويته والابن يعلو وجهه خجل ندر في هذا الزمان..يمسح قطرات العرق عن جبين محمر..يتحدث والده..اعتقد يا أخ نواف..زيارة النساء عرفت بما هو مطلوب..واعتقد أنكم سألتم عن الابن بما فيه الكفاية..وهذا أخي الأكبر يعمل في السلك الدبلوماسي قدم معي لخطبة ابنتكم الكبرى وهو أخي الأوحد..فما هو رأيكم؟
يرد نواف وقد هدأت روحه قليلا..هذه والله الساعة المباركة.
يبارك فيك ويخليك..هل لك أو اللإبنة أو والدتها أي شروط؟
نحن نشتري رجلا يا أخي
إذا على بركة الله..نترك الاتفاق للزوجتين فهما خير منا في مثل تلك الأمور..
يضحك الجميع..
تدخل الابنة لتسلم على العم الجديد وأخيه وابنه.
يهلل والده ويردد ماشاء الله ..ما شاء الله.
وينظر هو لأبنته متساءلا..كيف مرت السنوات سريعا..كانت منذ أعوام طفلة تلهو في حجري..
يتنفس بصوت مسموع يكاد أن يتمزق الصدر منه..
يلتفت إليه أبو المعرس قائلا..متى نحدد الملجه؟
يرد عليه دون أن يبعد نظراته عن ابنته سنتفق ونرد عليكم هاتفيا..
على بركة الله.
تقترب صواني الحلو وفناجين القهوة..
البيت الخامس:-
سقطت الأشعة من يده وهو يمد يده الأخرى ليأخذ أوراق تحاليله من الطبيب المختص..سرطان…هذا ما أخبره به والحالة صعبة ومتأخرة..
لايدري كيف خرج من العيادة ولا يدري ما هو باقي الحوار الذي دار مع طبيبه ولايعرف بوضوح قراره ..ينظر لسيارته المركونة في موقف المستشفى من بعيد ويرى نفسه عاجزا عن الخطو نحوها..وشعور بالعطش سيطر على الفم واللسان حتى خطواته باتت متعثرة يترنح ذات اليمين وذات الشمال وشعور باليأس والقنوط يسيطر على المشاعر كلها وشلل في التفكير افقده صوابه وشمس البلاد ما عادت شمس البلاد المعروفة فالضوء تحول لظلام والنور لعتمه والطريق للسيارة سراب خانق يلقي بالجسد في حفر من الألم..ألقى ما بيده من أوراق وأشعة وسلسلة المفاتيح على غطاء السيارة الأمامي كما ألقى جسده كله بشبه غيبوبة مستندا هو الآخر عليه..تلسعه الحرارة المنبعثة من كوم الحديد وتلسعه نيران مخفية داخله وصراع عقلي مجهول أفقده القدرة على كل شيء ..كل شيء..
يفتح باب السيارة ويلقى بالجسد المحتضر قبل أوانه داخلها..
يمسك المقود بكلتي يديه ويسند رأسه المنهك عليه ويشعر برغبة في البكاء..بكاء من الداخل على قدر محتوم وأجل جاء قبل أوانه فهو في منتصف الأربعينات لم يعد الموت يأخذ الشيوخ فقط بل بات يجر معه جميع الفئات العمرية..
مذهول هو من هول الصدمة فلم يكن يشتكي شيئا..كان دائما في صحة جيدة..يحدث نفسه..آه فعلا حين أطلق عليه المرض الشين..
تمكن منه هاجس واحد فقط..كيف يخبر أهله..أمه وزوجته وأبناءه أن الشعور بالفراغ مخيف يسحبه لعالم مجهول الملامح والهويات..كيف يصدم الأم الحنون بهكذا خبر..إن المياه تجري من المنبع إلى المصب والمتعارف عليه أن الوالدين يموتان أولا لا الأبناء..فكيف ينقل هذا الخبر لحلوة اللبن..والزوجة ما زالت صغيرة والعبء سيكون كبيرا عليها..
آه تشق الصدر شقا وتعلي حرارة الجسد متعاونة مع حرارة الجو لتمتزج الحرارتان فيتعب القلب والفكر والجسد..
يقف في الشارع المقابل لبيت أبيه ..ينظر للبيت من بعيد تنسحب ذكرياته فيه منذ أكثر من عشرين عاما حين سكنوا هذه المنطقة يتذكر فرحتهم به وبحظيرته في الساحة الخلفية من المنزل..يتذكر الحمام ومكانه فوق السطح يتذكر توزيع الغرف على أفراد الأسرة..كيف مرت السنون بهذه السرعة وكيف فرغ البيت من أصحابه الكل تزوج وظل الأب والأم نظر للباب الخارجي حين فتح ونظر لساعته أدرك أنها ساعة خروج الأب اليومي للالتقاء مع ربعه..فكرة أن الأم لوحدها في البيت أرعبته وتساءل هل يملك الشجاعة كي يخبرها..ليبكيان معا دون شريك أو مقاطع..
آثر الابتعاد حين لمحه الأب ووقف يتمعن في السيارة شاكا إن كانت لابنه أم لا..
وجد نفسه أمام منزله..يقف في موقفه المعتاد..فتح باب السيارة بثقل عجيب صدره يضيق بنفسه ونظراته تائهة وجسده منهك يقترب من الزوجة التي رحبت بحضوره..يتصنع المرح لكن المرح يخونه ينطوي على ذاته يطالع مجلة قديمة تستغرب الزوجة جموده وحزنه لأول مره تشعر به كتوما يطوي صفحات من الحزن الملعون الذي يحطم الروح ويقضي على الفكر..
تقترب منه بحنان أم العيال تضع يدها على يده..يرفع بصره إليها تلمح قطرات من الدمع عالقة بين الهدب..تنظر مستغربه لم تعهده ضعيفا ولم تره باكيا..يبصر فيها ترددها في السؤال كما يشعر هو بارتباك الخوف داخله من السؤال..ويتردد..هل يتكلم..يرى أن الكلام حبس داخله أثقل اللسان وأثقل القلب معه والدمعة آثرت النزول على الخد لتعلق في شعيرات الشارب مذهولة هي حطمها الصمت هو الآخر وتجد نفسها عاجزة عن النطق كل ما في الموقف مخيف وكل ما فيه يدعو لليأس والتشاؤم..
تطول الفترة مابين صمته وصمتها ويتوقف نبض الحياة بينهما..
يحمل التقرير بيده يعطيه إياها باسلوب مرتجف..تعلق نظراتها فيه يضيق المكان بهما ويطوق الصمت الوجود كله.
يلتفت إليه أبو المعرس قائلا..متى نحدد الملجه؟
0