قصة قصيرة …. بقلم هيا علي الفهد

 

” بيوت ورجال “

 

البيت الأول:-

 

مازال ينام على الأريكة في الصالة الموجودة في الدور الأول ..يتقلب ومنذ سنوات وهو يتقلب في ذات المكان بعد أن هجر فراشه معها…

كان يجد في هذه الأريكة راحته التي تبخرت في فراشها..هنا يشتم رائحته التي يعتني بها بينما هناك يشم رائحتها التي ترفض الاعتناء بها..في هذه الزاوية الصغيرة يعطى للخيال حيزا كبيرا ليعيش مع روحه وحيدا عبر ذكرياته..

سبحان الله حين يضيق بي البيت الكبير ليقف فقط عند حيز هذه الأريكة في النوم والأكل والحركة..

يسأل نفسه بعد أن جلس متربعا على أريكته..هل له حقوق في هذا البيت؟! يشده السؤال بقسوة ويجره لعالم يهذي..رافضا مره الفكرة ومتقبلا إياها مرات ..لو له حق لما بات على أريكة في صالة منزوية بعيدا في بيت بارد..

يسحب نفسه من قعدته وينتعل نعاله البنية ..يجرها جرا أو يخال إليه أنها هي التي تجره..ليقصد المطبخ الكبير في وسط البيت..يفتح الثلاجة يلقي برأسه داخلها..يريد أن يتنفس لكن النفس يضيق به يقلب ناظريه  داخلها هذه هي كمية الفواكه التي اشتراها بالأمس..أخذ حبة منها..ودارت نظراته في زوايا المكان..ياه..منذ أكثر من عشر سنوات حين اشترى هذا المطبخ كان فرحا..يتذكر حديثه معها..مارأيك اللون الرمادي أفضل أم البني..؟

وردها حينه..بلا أدري..سلبية جوفاء عبرته سنينا طوال غلفته بأحرفها وأحاطت حياته بها وأصبح هو ذاته عنوانا للسلبية ..

يصب له كأسا من الماء..يرتشف منه بضعا..ويأكل حبة الفاكهة ليعود إلى حضن أريكته يقلب في قنوات التلفاز ليختار فلما أجنبيا لريتشارد جير..يتابع لقطاته..

يرن هاتفه النقال..وإذا بصديقه أحمد..يتساءل عن عدم حضوره للديوانية ..

يتنهد بعمق..يحدث نفسه..جاهلا هذا الصديق مأساتي..

 

الشعور بالوحدة..في عالم ممتلئ أبناء وزوجة ..شيء يحرق الصدر من الداخل كاحتراق سيجارته بين أصابعه..

يتمدد على الأريكة..يطالع الفلم بعين غير مبالية..يتنفس بعمق..لا أحد يدخل عليه صومعته لا هي ولا الابن أو الابنة ..

ماذا يحدث لو أصابه مكروه في يوم ما..هل سيشعر به أحد..

هل سينقذه أحد..؟! أرتعش جسده كله نتيجة هذه الفكرة..مثلا ماذا لو ذهب في غيبوبة سكر.ينتصب واقفا..يعتلي درجات المنزل يفتح الباب ليرى ابنه جالسا مع كمبيوتره يخرج سريعا من الموقع الذي كان عليه..لا يعيره انتباه..يسأله الابن..تبي شي يبه؟ لا يرد يقفل الباب ليفتح الآخر على البنتين تغطان في النوم..يقف حائرا أمام باب غرفتها..يتردد في الدخول..يقدم رجلا ويؤخر الأخرى..يفتح الباب يراها من بعيد على وسادتها نائمة كما هي دائما بإهمال ملحوظ ..يتنهد بعمق ويشعر بضيق يحتويه داخل الصدر..يغلق الباب خلفه ويهبط للدور السفلي..يغير ثوبه ويرتدي دشداشته  ويتصل بصديقه أحمد..هل مازلتم في الديوانية؟ إني قادم إليكم..

 

البيت الثاني:-

 

يقف أمام المرآة يعتني بشاربه مره وبشعره مره وبعطره مرات يفتح درج خزانته  ينتقي به ساعته وقلمه بعناية فائقة يضعهما معا..يعاود وضع العطر مرة أخرى..يلقي نظرة أخيرة على هندامه يقترب منها..ليقبل جبينها..أنا رايح تبين شي..يخنقها عطره..لا تهتم تعودت تفكيرها السلبي به حال خروجه..

يقترب من سيارته..يرن هاتفه..يتحدث سريعا وبصوت هامس أنا قادم..

يركب السيارة ويبتعد عن بيته..ينظر عبر المرآة الجانبية عليه ..يطمئن أن لا أحد يلاحقه..يعيد الاتصال بالرقم الأخير..يردد هلا والله بهالصوت..

يسألها..خرجت من المنزل أم مازالت المرأة عندك تعتني بشكلها؟ يمازحها كلكن لا تخرجن حسب الموعد..

ترد عليه بصوت فيه دلع مصطنع..نصف ساعة وأكون عندك..بس لا تنسى ماوعدتني به..

يتساءل بين نفسه..بم وعدتها..

يجرها في الحديث ليعرف أنها طلبت خاتم ألماس..

 

يعض شفتيه لقد نسى شراءه..ويسأل هي طلبت الخاتم الألماس أم تلك اللبنانية..يرد بصوت شبه عال..لست أدري..

يقترب بسيارته من الصالحية..يسرع لمحل المجوهرات في الدور الثاني يسلم عليه العامل في المحل..يعرفونه جيدا..يشتري خاتما من الألماس ليقترب ثمنه من خمسمائة دينار..

ويذهب حيث موعده..الحمدلله سبقها..ينادي ليطلب ماء وفنجان قهوة..حتى يقنعها بأنه في حال انتظار لها..

يرتشف قهوته ويراها تدخل المقهى..يقارن بينها وبين زوجته..

زوجته الأجمل والأحلى..لكنه رجل والرجل أبدا لايقنع بامرأة واحدة تقترب منه تمد يدها مصافحة..يجلسها بأدب مصطنع ودور محبوك..ويحدثها عن وله أهبل لا أساس له..

تنتظر منه الهدية..هي الأخرى لا تحبه..ولكنها مصالح متبادله كما مصالح الدول الكل يعتني بنفسه خارجيا لاصطياد الآخر..وبعدها..لايهم..احتلال أو تفاوض او انتهاء مصالح..ماذا تطلبين ياحلوه..

تتدلع وكمية الميك آب تزيدها غباء..أريد كوبا من العصير الطازج يحدثها عن عشقه لها وكيف أنها غيرت مسار حياته..

تنظر إليه فرحة بعشق ممزوج بكذب عبيط..

وتقول له..كيف تحبني كل هذا الحب وتنسى أن تعطيني ما طلبت يسرح بفكره قليلا لشجار الأمس مع الزوجة..

أريد مالا لأشتري أغراض البيت..

يرد عليها ببرود مغلف بصمت مخجل..ما عندي..

كيف لا تملك مالا ودخلك يفوق الألفين ولا يوجد أي نوع من الالتزامات عليك..

عندك مالك اشتري منه..

لكن من حقي عليك أن تنفق علينا..تبكي بحرقه وتخرج لتتركه يصارع ضميره..

تخرجه بصوتها المصطنع من فكره..

ها ..ماذا قلت ياحبيبي..

يشعر بنوع من الألم داخل صدره..يحب زوجته بل يعشق كل ما فيها..

لكنها نزوات رجل تعود الخيانة..

يمد يده داخل جيبه ويخرج الخاتم..يفتح العلبة نفس المصيده التي اعتاد الصياد أن يحيكها..

تنظر للخاتم وكمية الألماس..تبرق العين وتزداد لمعانا..

أوه حبيبي انه جميل..لكن ينقصه ” الحلق”

يرد بصوت غبي..في المرة القادمة..حبيبتي..

يرفع رأسه لذلك الجسد الذي وقف خلفه..يصعق من هول المفاجأة..أم يوسف..تنظر زوجته إليه مره وللأخرى مره دون أن تتفوه بكلمة..ولكنها نظرات تدل على الألم والندم والاحتقار وتبتعد ليلحق بها..انتظريني حبيبتي..أريد أن أشرح لك تقف برهه مقابلة له..انتهى وقت الشرح..أريد الطلاق..

 

البيت الثالث:-

 

يقف أمامها حزينا متألما وهي تجهز حقائب السفر..خمس سنوات ومازالت تفعلها كل عام بالرغم من اعتراضه كونه عاجزا ماديا عن اللحاق بها وهي تتركه وحيدا دون خادمة لتلحق بوالديها في لندن وعلى حساب الوالد أشهر الصيف كلها..دون أن يجد معينا له في الأكل والتنظيف والونس وطالما اعترض وسمع كلاما شديد اللهجة من والدته..كل عام ..كل عام تتركك أربعة أشهر..

دار حول الحقائب تأخذ الولدين معها وتنساه..شعور من اللامبالاة يسيطر عليها وشعور من الألم يسيطر عليه..إهمالها له أخذ حجما فظيعا وجعله غير قادر على التنفس..والكل يلومه ولا يملك هو القدرة على لومها بل هي شحنة سلبية تتجه للذات..للوم الذات..ولوم الزمن..

يجلس على مقعده ينظر إليها..سعيدة هي حين تحزم حقائبها ومشاعر متناقضه يشعر بها هو..والطفلان يعبثان بغطاء الحقائب يجهلان الوقت ويجهلان الأحاسيس..

يقترب الأكبر منه..كما لو شعر بوقت الفراق..يعانقه بحنان بالغ حتى كاد يختنق وشعر برغبته في التخلص من يديه ليتركه يلحق بأخيه الأصغر..

يقف هو ويقترب منها..ليسألها..وبعدين؟؟؟

 

تهز كتفها ..ماذا بعدين؟

كل عام نفس الحال..الغياب لمدة طويلة ..وإمكانياتي لا تسمح..

ومن قال إنك ستدفع شيئا..

ولكني أرفض بعدك وإهمالك..

أنا بحاجة للسفر..

إن كان ولابد..فلشهر أو شهر ونصف لا أربعة أشهر طوال مملة..وحدتي تؤلمني وفراقك والأولاد يزعجني..

أريد أن أمكث الصيف كله..

وكلام الناس؟

يشعر بعصبيتها..وردها بحده؟؟مالي ومال الناس؟!

لافائدة من النقاش معها..هذا ما أحسه..لن يثنيها شيء..يخرج من البيت ثائرا..يركب سيارته..يراها تنتظره في الشارع ..تقترب منه..عادة يهرب بعيدا عنها..لكن هذه المرة اقترب منها أكثر..

تنزل زجاج  نافذتها وينزل هو زجاج نافذته..تصمت هي فترة..كانا على علاقة سابقة مع بعضهما..فرقتهما الأيام لسبب ما زال يجهله..

ينظر إليها..حنونه..رقيقة وإن لم تكن بجمال زوجته..

يسألها..هل مازال العرض جاريا؟

ترد بثقة وصوت يشع به الحزن..ولن يغيره الدهر كله..وهل ستقبلين زواج المسيار..؟

أمنية حياتي أن أكون معك وبقربك..

إذا موعدنا غدا لعقد القران..

 

البيت الرابع:-

 

يقف عند النافذة الكبيرة في استقبال البيت الفخم يلقى نظرات فاحصه على الشارع ..ينتظر بصبر مله أو الملل متبادل..كل سيارة تقترب من باب المنزل تتسارع معها دقات قلبه وزوجته تنظر إليه بشفقة مره وباستغراب أكثر المرات..

يبتعد عن النافذة قليلا ليلتف نصف التفافه ويعود لزاوية أخرى من النافذة الكبيرة..يتأفف..أف..تبتسم الزوجة الجالسة بهدوء منسجم مع قعدتها يعبث بلحيته البيضاء كعادة السلفيين حين يطلقونها..

تدخل الخادمة حاملة أكواب الشاي استعدادا للضيوف القادمين..

يحدثها بصوت عال..كل شيء جاهز..؟ ترد الفلبينية عبر نظرات حمقاء من عينين صغيرتين بلغة انجليزية حادة ..بالإيجاب..

يأخذ يقلب في قنوات التلفاز دون النظر للشاشة..دون أن يرى شيئا أو يستمع لشيء..

تضحك الزوجة بصوت مسموع..مابك يارجل..؟ هل أنت أول واحد يتقدم لابنته خاطب؟!

ينظر إليها باستنكار..وكأنه يحدث ذاته..يالبرودك..

يدنو من غرفة الابنة..يتردد في الدخول..يتردد حتى في طرق الباب..يفتح الباب فجأة تستغرب الابنة من وقوف الأب خارجا..

تتساءل عبر عينيها..يرتعش جسده كله..يرد بعبط واضح..كنت أريد الاطمئنان عليك..

لا ينتظر ردها..يعود لقاعة الاستقبال..والزوجة تراقبه بنظرات حائرة عاطفية..يحاول الجلوس قرب الزوجة يرن جرس الباب يقف منتصبا يصرخ بالخادمة..تسرع المسكينه لترد عليه سيارة الكوكا كولا يصرخ ناظرا للزوجة..ياه..عاد هذا وقته..

تصب الزوجة له كأسا من الماء..تشعر بنشفان ريقه..يلقي به في جوفه ويحاول الاسترخاء..يتنفس مره..مرتين هكذا درب في دورة فن الاسترخاء..لكن عبثا..لا فائدة..دقات القلب لديه متسارعه تصطدم كل واحدة بالأخرى..

يرن الجرس مرة أخرى..يقترب من النافذة لإلقاء نظرة على القادم يسرع حيث الزوجة..ياالله..يالله لقد أتوا.. يالله..

تكاد الزوجة تسقط حين جرها من يدها لتقف..يذهب حيث الباب يفتحه مصافحا الأب والابن والعم..هلا والله..حياكم الله.

يجلس الجميع في القاعة..كل يرحب بالآخر من زاويته والابن يعلو وجهه خجل ندر في هذا الزمان..يمسح قطرات العرق عن جبين محمر..يتحدث والده..اعتقد يا أخ نواف..زيارة النساء عرفت بما هو مطلوب..واعتقد أنكم سألتم عن الابن بما فيه الكفاية..وهذا أخي الأكبر يعمل في السلك الدبلوماسي قدم معي لخطبة ابنتكم الكبرى وهو أخي الأوحد..فما هو رأيكم؟

يرد نواف وقد هدأت روحه قليلا..هذه والله الساعة المباركة.

يبارك فيك ويخليك..هل لك أو اللإبنة أو والدتها أي شروط؟

نحن نشتري رجلا يا أخي

إذا على بركة الله..نترك الاتفاق للزوجتين فهما خير منا في مثل تلك الأمور..

يضحك الجميع..

تدخل الابنة لتسلم على العم الجديد وأخيه وابنه.

يهلل والده ويردد ماشاء الله ..ما شاء الله.

وينظر هو لأبنته متساءلا..كيف مرت السنوات سريعا..كانت منذ أعوام طفلة تلهو في حجري..

يتنفس بصوت مسموع يكاد أن يتمزق الصدر منه..
يلتفت إليه أبو المعرس قائلا..متى نحدد الملجه؟

يرد عليه دون أن يبعد نظراته عن ابنته سنتفق ونرد عليكم هاتفيا..

على بركة الله.

تقترب صواني الحلو وفناجين القهوة..

 

البيت الخامس:-

 

سقطت الأشعة من يده وهو يمد يده الأخرى ليأخذ أوراق تحاليله من الطبيب المختص..سرطان…هذا ما أخبره به والحالة صعبة ومتأخرة..

لايدري كيف خرج من العيادة ولا يدري ما هو باقي الحوار الذي دار مع طبيبه ولايعرف بوضوح قراره ..ينظر لسيارته المركونة في موقف المستشفى من بعيد ويرى نفسه عاجزا عن الخطو نحوها..وشعور بالعطش سيطر على الفم واللسان حتى خطواته باتت متعثرة يترنح ذات اليمين وذات الشمال وشعور باليأس والقنوط يسيطر على المشاعر كلها وشلل في التفكير افقده صوابه وشمس البلاد ما عادت شمس البلاد المعروفة فالضوء تحول لظلام والنور لعتمه والطريق للسيارة سراب خانق يلقي بالجسد في حفر من الألم..ألقى ما بيده من أوراق وأشعة وسلسلة المفاتيح على غطاء السيارة الأمامي كما ألقى جسده كله بشبه غيبوبة مستندا هو الآخر عليه..تلسعه الحرارة المنبعثة من كوم الحديد وتلسعه نيران مخفية داخله وصراع عقلي مجهول أفقده القدرة على كل شيء ..كل شيء..

يفتح باب السيارة ويلقى بالجسد المحتضر قبل أوانه داخلها..

يمسك المقود بكلتي يديه ويسند رأسه المنهك عليه ويشعر برغبة في البكاء..بكاء من الداخل على قدر محتوم وأجل جاء قبل أوانه فهو في منتصف الأربعينات لم يعد الموت يأخذ الشيوخ فقط بل بات يجر معه جميع الفئات العمرية..

مذهول هو من هول الصدمة فلم يكن يشتكي شيئا..كان دائما في صحة جيدة..يحدث نفسه..آه فعلا حين أطلق عليه المرض الشين..

تمكن منه هاجس واحد فقط..كيف يخبر أهله..أمه وزوجته وأبناءه أن الشعور بالفراغ مخيف يسحبه لعالم مجهول الملامح والهويات..كيف يصدم الأم الحنون بهكذا خبر..إن المياه تجري من المنبع إلى المصب والمتعارف عليه أن الوالدين يموتان أولا لا الأبناء..فكيف ينقل هذا الخبر لحلوة اللبن..والزوجة ما زالت صغيرة والعبء سيكون كبيرا عليها..

آه تشق الصدر شقا وتعلي حرارة الجسد متعاونة مع حرارة الجو لتمتزج الحرارتان فيتعب القلب والفكر والجسد..

 

 

يقف في الشارع المقابل لبيت أبيه ..ينظر للبيت من بعيد تنسحب ذكرياته فيه منذ أكثر من عشرين عاما حين سكنوا هذه المنطقة يتذكر فرحتهم به وبحظيرته في الساحة الخلفية من المنزل..يتذكر الحمام ومكانه فوق السطح يتذكر توزيع الغرف على أفراد الأسرة..كيف مرت السنون بهذه السرعة وكيف فرغ البيت من أصحابه الكل تزوج وظل الأب والأم نظر للباب الخارجي حين فتح ونظر لساعته أدرك أنها ساعة خروج الأب اليومي للالتقاء مع ربعه..فكرة أن الأم لوحدها في البيت أرعبته وتساءل هل يملك الشجاعة كي يخبرها..ليبكيان معا دون شريك أو مقاطع..

آثر الابتعاد حين لمحه الأب ووقف يتمعن في السيارة شاكا إن كانت لابنه أم لا..

وجد نفسه أمام منزله..يقف في موقفه المعتاد..فتح باب السيارة بثقل عجيب صدره يضيق بنفسه ونظراته تائهة وجسده منهك يقترب من الزوجة التي رحبت بحضوره..يتصنع المرح لكن المرح يخونه ينطوي  على ذاته يطالع مجلة قديمة تستغرب الزوجة جموده وحزنه لأول  مره تشعر به كتوما يطوي صفحات من الحزن الملعون الذي يحطم الروح ويقضي على الفكر..

تقترب منه بحنان أم العيال تضع يدها على يده..يرفع بصره إليها تلمح قطرات من الدمع عالقة بين الهدب..تنظر مستغربه لم تعهده ضعيفا ولم تره باكيا..يبصر فيها ترددها في السؤال كما يشعر هو بارتباك الخوف داخله من السؤال..ويتردد..هل يتكلم..يرى أن الكلام حبس داخله أثقل اللسان وأثقل القلب معه والدمعة آثرت النزول على الخد لتعلق في شعيرات الشارب مذهولة هي حطمها الصمت هو الآخر وتجد نفسها عاجزة عن النطق كل ما في الموقف مخيف وكل ما فيه يدعو لليأس والتشاؤم..

تطول الفترة مابين صمته وصمتها ويتوقف نبض الحياة بينهما..

يحمل التقرير بيده يعطيه إياها باسلوب مرتجف..تعلق نظراتها فيه يضيق المكان بهما ويطوق الصمت الوجود كله.



0

 

             .

قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد                              

نساء وبيوت


البيت الأول:-

 

يخرج من حمام الغرفة الرئيسية لنومهما أشعت الشعر..حاد النظرات غاضب الوجه عاقد الحاجبين..يزفر زفرات حارة معترضا..غاضبا..ثائرا..يراها أمامه يبصق في وجهها..

تميد الأرض من تحتها ..ويسود المكان نوع من الظلام الجاحد..وتحس بانهيار العلاقة بينهما..أبعد كل هذه السنين من الزواج يعاملها بهكذا إهانة؟ هذا السؤال الذي سيطر على فكرها..تعودت الخضوع له واعتادت تدليله بغباء واضح والرضوخ لطلباته ببلاهة حمقاء..عودته أن يكون رأيه هو الصح وموقفه هو الصحيح ورغباته هي الأهم..حتى تمادى وبصق عليها..

تقف صامته حائرة..تنظر إليه باستغراب عجيب ..هل هذا هو الزوج وهل هذا هو أبو العيال..

تدور حول مقعدها..يراها في حيرتها..يقترب منها أكثر..يصرخ بها غبية أنت بهكذا تصرف..تفو عليك

تبحلق به ..يعاود البصق للمرة الثانية وهي لم تفق بعد من هول الأولى..تتساءل ماذا يجري ..وما الذي يحدث لها؟!

تراه يبتعد مقتربا من الباب يريد الخروج وتلمحه ملتفتا إليها تشعر بأن هناك شيء قادم إليها..وإذا به يصرخ..أنت ولا شيء..غلطتي أن اقترنت بواحده مثلك..

تراه..تزمجر عن أنثى جريحه لتبادله الصوت بالصوت..لا..كفاية ماذا فعلت لأهان كل تلك الإهانات..يكفي تحملت عصبيتك سنين طوال..يكفي ربيت العيال وحدي يا أبا العيال..كيف تحملت جنونك وعبطك ووضع اللوم كله علي في أي حادثة تحصل لأي كان..

يكفي..يكفي أن….

يقاطعها بامتداد اليد على خد باك..

نيران تعلو القلب والجسد والعقل..نيران تمتد..لتحرق كل مشاعر الود بينهما..نيران تأكل الأخضر واليابس..نيران تعلن موت كل شيء في هذا البيت المحطم..

طلقني..تقول بهدوء من بين بكائها الصامت..

يرد عليها ببرود ملعون..وهل أنت زوجه

تبحلق به..ماذا أنا؟

يرد ببرود أكثر..لا شيء

تنهار هي..تلقي بالجسد على فراش بارد

يخرج هو بلا مبالاة واضحة..

تشعر برغبة في الصراخ والنحيب معا..لكن كل شيء يحبس داخلها ترفع رأسها تنظر لصورة قريبة من السرير لحفلة عرسها..تشعر بغضب فالت تحطم الصورة الساخرة منها..كل ما حدث غريب..تعودت اهاناته..لكن ما حدث هذه المرة كسر شيء من الكبرياء داخلها..وحطم المرأة فيها..

تحدث نفسها بصوت عال..مستحيل استمر معه..مستحيل..

تسمع طرقات خفيفة على الباب..لا ترد؟؟الطارق يعاود الطرق مره ومره..يفتح الباب ليطل الابن من خلفه من وراء خجل مرسوم..

يبتسم للام الباكية..بطفولية جميلة أبت الكبر لسن الخامسة والعشرين يسأل..ادخل؟

لا ترد هي..

يعاود السؤال..اشدعوه..ردوا

لا تنظر إليه ترى في قسماته وجه الأب ولون الأب وعصبية الأب يجلس مقابلها على ركبتيه..يمسح على الشعر بحنان ابن أدرك صعوبة الموقف..

يعني أول مره تعرفين ..أبوي..طول عمره جذي..

ترفع رأسها دون النظر إليه..تعاود البكاء هذه المره بصوت مسموع وترد عليه من بين دموعها..لم أعد أحتمل لأنني لم أعد تلك الصغيرة حتى تتقبل كمية الاهانات وأنواع التجريح..

يضمها الابن لصدره..تنتحب هي..تتساءل كيف أصبح صدر الابن هو الملاذ؟

 

تتذكر حين كان يضربه أبناء الجيران كيف يسرع محتميا في صدرها..

يخرج الابن..تدير قفل الباب..بحاجة هي لسويعات من الوحدة تقلب ذكرياتها وترتبط معها بجل خفي..كمية الذكريات كبيرة مشحونة داخلها..وأعوام تمتد للثلاثين تربطها به..ويأتي اليوم ليهينها بهذه الصورة الوحشية..شيء لا يحتمله عقل ولا منطق ولا يرضى به أي ضمير إنساني..

لكن السؤال المسموع الذي ظهر جليا..ما هو القرار المتخذ؟

تقترب من نافذة الغرفة..تنظر خارجا لشجرة نخيل امتدت عاليا في ساحة البيت الأمامية..تجرها ذكرياتها ليوم غرسها..

سنضعها هنا..يخاطبها..يقال أن وجود شجرة نخيل في البيت فيه نوع من البركة (( هزي إليك بجذع النخلة))

تراه فرحا في البيت الجديد والشجرة والحديقة..

سنضع كراسي هنا..مقابلا لها..حتى نجلس في فترة الشتاء تحت ظلها..مارأيك حبيبتي

بهدوئها المعتاد ترد..على راحتك حبيبي..

تمسح دمعة حارة اتخذت مسارا مجهولا على خدها..

لماذا تغير.؟ كان عصبيا نعم..لكن اهاناته ازدادت عمقا وعنفا..

والعمر الذي جر سنواته معه لم يعد يسمح للأم والجدة بمعاملة كتلك..

تشعر بأن هناك من يحاول فتح الباب ويصمد الباب أمامه..

صوته خلفه هادئا يشوبه نوع من العاطفة المغلفة..

افتحي الباب يا أم……

ترفض التحرك…وترى نظراتها تعلق في الفضاء الخارجي والكراسي والحديقة وشجرة النخيل العجوز…

طرقات خفيفة على الباب…لينفذ الصوت الرجولي الهامس عبره…

أرجوك …افتحي لي الباب..

الصمت والجمود يطوقانها من كل جانب…ولحظات من الذهول تعيق فيها الحركة..

يزداد طرق الباب..تتذكر كلمات الابن..تعرفين عصبية أبوي ..

مثل الحليب حال غليانه حالما يغلي يتخذ موقف الهبوط..

تقترب من الباب والخوف مما هو آت يسيطر عليها…والغضب الداخلي يجعلها تتأهب للصد والدفاع والحزن القديم يلفها..تفتح باب الغرفة متجنبة النظر إليه..تدير ظهرها له وتجلس على كرسي هزاز أمام التلفاز..

يذهله صمتها وحزنها..ويحرقه الشعور بالندم..

ترفع رأسها حين تلمس صمته وسكوته..مستغربة هي صمته وسكوته..ومعركة في اتخاذ القرار..لا بد من الرحيل عن هذا البيت فالأبناء كبروا وتزوجوا ولم يعد لها حاجة..والبقاء في ظل هذا الزوج فيه إهدار لكرامتها وعنف لجسدها..وتعب لقلبها..ولم تعد تقو على أي نوع من المعارك..

تراه يدنو منها..ليجلس مقابلها على ركبتيه..وعبارة واحدة تتضح أحرفها..إني آسف يا عمري يا أم …………

 

البيت الثاني:-

 

أخذت تقلب أصابع قدمها اليمنى ورنين صوت الطبيب المختص يمزق طبلة الأذن ويغطى مساحات شبكة العقل البشري.. لابد من قطع الإصبع..

 

قرار اتخذه دون الولوج في زوايا العواطف لديها..

وقراره يجب أن يتوافق معه قرارها..وهي تعيش الحيرة منذ يومين ..

الحالة خطرة وإلا امتدت لباقي القدم..

هذا ماكان يردده الطبيب.

ما بال قدمي تثقل وتجد صعوبة في حملي..

تخرج منها زفره حاره..آه إنها تداعيات مرض السكر ذلك القاتل الصامت..

تمسك الإصبع الموجوع بيدها اليمنى..تتمتم  مما حفظته من قرآن كريم حسب الذاكرة الخرفة..فعمرها بدأ يمتد ما بعد الخمسين..

تنظر لزوايا البيت الخالي..فهي الأرملة التي رحل الزوج عنها منذ عامين وهي العقيم التي رفض البطن أن يحتوي ابنا..

وهي الوحيدة التي ترى في غرف البيت سخرية حمقاء منها..

وهي اليوم المريضة التي ستفقد في الغد إصبعا وربما بعده قدما أو ساقا..لا تدري..تجهل حديث الأطباء ولا تعي كمية المفاهيم الطبية التي ألقيت عليها في الأيام السابقة.

تحاول النهوض من السرير ..تضع القدم العليلة أولا على الأرض..

تشعر بثقلها وعجزها وتشعر بحرارة تدور معها في أعضاء الجسد حتى يصاب الرأس بدوار خفي وصداع ملعون وتشعر بنوع من القشعريرة تهز البدن كله..

يرن هاتف البيت..تنظر إليه بنوع من الفرح المغلف بحزن حاقد ترى من خلاله تسلية حلوه وبنوع من العلاقة الحميمة فهو الذي يربطها بعلاقات اجتماعية تنسبها للحظات حالة الإعياء التي تعيشها..

ترفع سماعة الهاتف..لتجد في الطرف الآخر..الأخ الذي حمل همومها كلها وساعدها في معاناتها..

..كيف حالك يا الغالية..؟

..والله يا خوي على حالي..أنت وينك عني؟

 

..هل تحتاجين  شيئا

..نعم..أريد جهازا لفحص السكر..كما طلب الطبيب فيجب أن أتابع هذا الملعون يوميا

يدخل الأخ الطيب بعد ساعة..يراها على سريرها ..يسخر منها ناصحا..ألم أقل لك إياك والجلوس في السرير..تحركي..

يرى دمعة حائرة في عينها ..وين أروح؟

يقيس لها السكر..مازال عاليا بعض الشيء..

يرن جرس الباب ..تدخل إحدى القريبات ..تسلم عليها..

تبدأ بالشكوى لهذه القريبة من آلام الجسد وآلام المرض وآلام الوحدة…

تضحك القريبة لتمازحها..إن كان هذا حالك فالزوج القادم سيهرب..

يضحك الأخ في مقعده..ليرد.. وهل فيها حيل لزواج آخر..

ترد هي ..والله لو تزوجت يمكن أشفى ..ولو كان المرحوم موجودا لما أصبت بكل هذه الأمراض الفجائية..

يستغفر الأخ ربه ويردد استغفر الله..لاراد لقضاء الله..

تمر لحظة صمت غريبة على الأطراف الثلاثة فيصعب على المرء منهم اتخاذ مبادرة الحديث..وترى أن المسافة بينهم تزداد عمقا فتبادر بالقول..

تفضلي اشربي الشاي

يرد الأخ بعد أن اعتدل في مقعده ..أين الحليب؟

يرتشف الجميع أكواب الشاي..وتمر الخادمة بقطع من البطيخ البارد يعلق الأخ..هل هذا البطيخ الذي أحضرته..تهز الأخت رأسها بالإيجاب دون النطق بكلمة..

مشاعر متناقضة تتلاطم داخلها بعد أن خرجت القريبة والأخ الغالي..

مشاعر من خوف وقلق وألم وحيرة في الوصول لقرار ليوم غد..هل تذهب وتوافق الطبيب أم تجلس وترفض القرار..

فالأجدر أن توافق لكن ليس سهلا أن يقطع جزء من الجسد تعودت على وجوده أكثر من خمسين عاما..وسؤال يطل من خلف جمود الفكر واضطراب المشاعر..ما أدراني إن انتهى الأمر عند قطع الإصبع فقط..!!

لا بد من الذهاب للحمام..رغبة في قضاء الحاجة..تحرك القدم بنوع من البطىء تجر اليمنى جرا..حيث ذلك القابع في زاوية الغرفة..

تغسل الوجه مره ومرتين بماء بارد لعلها تفيق من حالة الذهول التي تعيش تجد أن غسل الوجه لا يؤتي مفعوله..ولا يخرس تلك المعركة الدائرة في العقل..توافق أو لا توافق ..تضع رأسها كله تحت حنفية الماء الغاضبة..وتغطيه بالفوطة الحمراء ..لتعاود الجلوس في ذات المكان على السرير..ضاعت مداركها وجهلت توجه العقل السليم تدق الساعة في الصالة معلنة العاشرة مساء..والموعد يقترب..

تتذكر عبارة الأخ عند الخروج..سأمر عليك في تمام الثامنة صباحا..فكوني مستعدة حتى لا نتأخر..

كم ساعة بقيت للثامنة صباحا..؟ وهل ستنام في هذه الليلة المحمومة ؟

تضع رأسها على المخدة..تشعر ببرودة تسري في الجسد كله تناطح الحرارة التي تغطي القدم اليمنى..تتقلب على اليمين مره وعلى الشمال مره وتأخذ وضع الانبطاح على الظهر ..يمل الجسد تقلباته المتكررة ويشعر بتعب وإنهاك والعين لا تعرف الهدوء أو السكينة..تظل تعد المربعات في ديكور السقف ولا تغفو أبدا و لا يغمض لها جفن.

وتنهيدة تلو أخرى..إحساس غريب بأن ترى أن الحياة شيء غال وأنها أجمل مما نتخيل..

تجلس متربعة على السرير..تقرب الهاتف ليتخذ مكانه عند قدميها ..تتصل بالأخ الطيب لكنها تسارع في إغلاقه..

كيف تخبره بأنها متعلقة في هذه الحياة لكنها ترفض موافقة الطبيب وأنها راضية بقضاء الله وحكمه..

تنزعج من فكرة الحيرة في اتخاذ القرار..وأي قرار

تتجه لسجادتها وثوب الصلاة والقبلة..لابد من الاستغاثة بالله سبحانه فهو من يعتمد عليه وما خاب من لجأ إليه..وتقرر أن تصلي استخارة له..

 

 

 

البيت الثالث:-

 

تقلب صفحات الجريدة..ترى له تعليقا في الاقتصاد..دكتور الاقتصاد الوسيم..ما زالت تهتز أضلعها حين ترى له صورة ومتابعة جيدة لمقابلاته المتعددة والكثيرة في التلفزيون أو الجرائد والمجلات..تشعر بشيء عظيم يشدها نحوه..مشاعر غريبة وإحساس مبهم تلمع نظرات العين السوداء ويشرق الوجه فرحا به..

وأمنية مجنونة قوية أن تكلمه أو تلتقي به..لكن يظل خجل الأنثى التي لم تتزوج بعد والباقي بها مع تداعيات الزمن الحالي يضع حاجزا أمامها في تنفيذ تلك الرغبة..

تقلب ناظرها في الصورة أكثر..تشدها ابتسامته الهادئة عبرها أكثر من أسطر تصريحاته فاختلاف ثقافتها عن ثقافته وجهلها في الاقتصاد المحلي أو العالمي أو موضوع البورصة والأسهم ينفرها عن الاستمرار في قراءة السطور أو ما يقف خلف السطور..كل ما يربطها به صورته ووسامته وابتسامته..والرغبة الملحة  في التعرف إليه..

تقص بعناية فائقة المقال..لتضعه داخل ملف من الورق الشفاف..وتعد عدد المقالات والصور والتصريحات التي جمعتها له عبر الجرائد والمجلات الملون منها والأسود والأبيض..

وسؤال يلفها عقلا وقلبا هل هو متزوج أم لا..

لتجيب على ذاتها ..لا يهم..فالله حلل للرجل أربع..تضحك من تعليقاتها وتسأل نفسها بصوت مرتفع وهل أنت يا ملعونة مع التعدد؟

تضع الملف في درج مكتبها في وزارة المالية..فهي حديثة التخرج وحديثة الاندماج في سلك العمل..وهؤلاء الشباب الذين يبتعدون بمكاتبهم عنها قليلا لم يشدها أي منهم ولم تشعر بالانجذاب لأحدهم مع أنهم دم وجسد واضحين لتتعلق هي بمجرد صورة من ورق تجد فيها العشق كله والحياة كلها..

تدخل إحدى الموظفات لتضع كومة من الأوراق أمامها تخبرها بطريقة التعامل معها وأهمية الانتهاء منها في وقت مناسب..تشغلها الأوراق فترة من الزمن عن التفكير فيه وبرغبتها القديمة للالتقاء به وتساؤل العقل فيها..هل هو متزوج أو لا..

إنا لصوره فعل السحر داخلها..تتعجب من هذا التعلق اللامنطقي بصوره..مجرد صورة..تجهل من يختفي وراءها من فكر وحس ونظرة للأمور..

أليس من الممكن أن يكون ذا علاقات نسائية؟ أو مخلص لزوجة ورفيقة درب أو خاطب..أو معقد ومعتزل للنساء…أو….أو……

تنظر للساعة الدائرية الزرقاء التي علقتها منذ أشهر على حائط المكتب..مرت ساعة وهي منغمسة في العمل ولم ينتهي العمل..

وتطل الموظفة الأخرى للمرة الثانية..تتساءل هل فرغت من المهمة! أو هل تحتاج شيئا؟!

تشعر بنوع من السخرية بها..لماذا تسأل..ولماذا لا تدعني أعمل بهدوء..لحظات للعمل ولحظات للفكر بصاحب الصورة..

تمر ثلاثون دقيقة أخرى..تلملم الأوراق..لقد أنجزت ما أوكل إليها..تضعها في ملف أسود خاص وتحملها حيث الأخرى وأعين الشباب تلاحقها إعجابا..وهي تركز إعجابها على صاحب الصورة فقط..

تدير ظهرها للموظفة التي سلمتها العمل..ثم تقف في منتصف المكتب متساءلة..نحن في وزارة المالية وهو دكتور في الاقتصاد..إذا هناك اتصال من نوع ما..لابد أن يعرفه البعض إن لم يكن الكل..

تدير وجهها للموظفة..أختي لو سمحت أريد أن أسأل سؤال ترفع الموظفة بصرها نحو هذه المتساءلة..نعم..تفضلي

…هل…هل تعرفين دكتور……..في الاقتصاد؟

تسألها باستحياء وتردد

تجيبها الأخرى…نعم…يمر أحيانا على المدير..

يخفق القلب بشده..ويعرق الجسد..

وهل تعرفين رقم هاتفه..؟ تسأل بصوت خافت غير مسموع تتساءل الأخرى..ماذا قلت؟ لم أسمع

ترتعش هي خوفا وخجلا وارتباكا..لترد..أريد رقم هاتفه بعد اذنك..

تسحب الموظفة مفكرة موضوعة في زاوية المكتب..تقلبها على الحرف الأول له..تدون الرقم في ورقه صغيرة..تطويها وتسلمها لها..

تقفز فرحا..وتنسحب من المكتب وتسرع الخطو عائدة لمكانها..

تبتسم ببله واضح..وكأن هناك ما يفضحها وكأن الكل أدرك سبب الحالة التي هي عليها..

تأخذ حقيبتها..وتستأذن بالخروج..

تجلس في سيارتها الصغيرة أمام المقود..تخرج هاتفها النقال..وتتصل بالرقم المدون في الورقة الصغيرة..أنه رقم مكتب لترد من الجهة الأخرى..موظفة ذات لهجة عربية..تطلبه..تسأل الأخرى..من يريده..تتوقف برهة ماذا تجيب؟‍! تعطي اسما وهميا..ويخفق القلب بشده ستسمع صوته لكنها تصاب بخيبة أمل..يعتذر هو..مشغول الآن..ممكن الاتصال بعد فترة..

يخفق القلب بشدة خفقان يعرف دغدغة مشاعر الحب أول مره خفقان بكر لم تعطه الأيام السابقة إحساس الوله والشوق والرغبة..يعترض العقل قليلا..هل من المعقول أن يتعلق القلب الغبي بمجرد صورة خالية من الحياة والحس؟ هل من المعقول أن يحب الإنسان ملامح ورقية لا روح فيها..

تتذكر كلام جدها منذ سنوات قليلة حين ظهرت عايشه المرطه الله يرحمها في الراديو وأعجب الجميع بصوتها..إن زوج عايشه المرطه أحبها لصوتها والأذن تعشق قبل العين أحيانا إذا لا تستغرب أن تعشق هي صورة..

تنظر للساعة كم مرت من دقائق حتى تعاود الاتصال..مجرد دقائق كأنها اليوم كله..تتردد في أن تعيد الرقم..ولكن اللهفة داخلها تجعلها تستعجل إعادة الرقم..ترد الأخرى..مازال مشغولا أتركي رقم هاتفك وسأتصل بك حالما ينتهي اجتماعه..تتجول في شوارع البلد..تعشق حره وجوه وتعجبها العديد من مناظره..تركن السيارة مقابل الواجهة البحرية..تطل عليها الأبراج شامخة كشموخ الكويت الفتية..يرن هاتفها النقال..ترن معه أنواع مختلفة من موسيقى الخوف والشوق والتردد..

يطل عليها صوت الموظفة..أختي معك مكتب الدكتور………….

يخفق القلب بشده وتتصبب الجبهة عرقا باردا..

ألو..

نعم؟؟أختي

أنا….أنا….تغلق الهاتف

لم تتوقع أن ترتجف اليد ويرتعش البدن ويرتعب الفؤاد..ثوان ويعاد الاتصال..ترد الموظفة..الظاهر انقطع الخط..الدكتور معك…

تبلع الريق مره ومرتين..وتستجمع شجاعتها..فرصة ولا تضيعها بعد طول انتظار..

ألو…

نعم..من معي

\أنا فلانه.. ولا أكذب …هذا اسمي الحقيقي

يتساءل الصوت الرجولي باستغراب..خير…

عندي مجموعة أسئلة..

عن الاقتصاد؟

لا..بعيد جدا عن الاقتصاد..أنا..أنا معجبة بك منذ زمن طويل..

تسمع ضحكة سخرية..وهل أنا ممثل أو مطرب؟

تصمت هي..يخرجها من صمتها..وما المطلوب مني يا المعجبة..

ترى وقاحة معلنة في صوته..لكنها تعذره..فالموقف غريب..

أريد أن ألتقي بك وأن نتحدث

شوفي أختي..أنا ما عندي وقت للسخافات هذي فإن كان للموضوع هدفا وجدية فتعالي مكتبي..أنا لا ألتقي ببنات في أماكن عامه..

تقاطعه..لا..لا  لا يهم المكان ..أنا أريد اللقاء والحديث الجاد صدقني..وبعدها..سأترك لك حرية القرار..

غدا لا أستطيع يومي ممتلئ..تعالي بعد غد الساعة العاشرة صباحا في مبنى كلية..

حاضر..حاضر سأكون عندك قبل العاشرة

يغرد القلب ويطير فرحا باللقاء المرتقب.

 

 

 

 

البيت الرابع:-

 

تجلس بجانبه في سيارته تعلمت الصمت منذ سنوات ثلاث تعلمت أن تكتفي معه ببضع كلمات…..تعلمت أن تحب ذاتها أكثر وتعشق نفسها أكثر وتهتم بروحها أكثر وتنساه…

ثلاث سنوات مرت منذ أن اكتشفت خيانته مع أخرى……

والأخرى غير كويتية والأخرى تستنفذ منه أموالاً حرصت هي سنوات زواجهما أن تعمر جيبه…..كانت حريصة عليه أكثر من حرصها على نفسها…..تنشد نجاحه وتنسى نجاحها…..تهتم بأمواله مخافة الله ولا تكلفه فوق طاقته……

وحين أتت الأخرى..تطلب وتجاب….تعطى دون حسيب أو رقيب ليس حباً به ولا طلباً لارتباط…إنما هي علاقة مادية….خذ وهات واكتشفت العلاقة ولا تدري كم مر عليها وهي جاهلة لها….لكن صدمتها كبيرة كسرت داخلها الإنسانة وشلت الأنثى ومات الإحساس به والخوف عليه وصار الخوف على مكانتها هو الواضح والمسيطر……وانقطعت معه علاقة زوجية امتدت لسنوات مرت بهدوء وحب وتضحية….

تنظر لوجهها في مرآة السيارة….مازالت جميلة والكل يردد الفرق بينها وبينه… الفرق ليس بالجسد فقط أو الوسامة والجمال… بل الفرق بالروح والضحكة وأسلوب التعامل والحياة.

تنظر لساعة اليد….أكثر من نصف ساعة ولم ينطق أي منهما بكلمة تردد بينها وبين نفسها مقطع أغنية “وتعطلت لغة الكلام” تفيق من لحظات الشرود التي انتابتها حين ركن سيارته في موقف سيارات جمعية………تنزل هي….يتردد هو.. تنظر إليه……تتساءل لم هذا البطيء بالنزول…..تتذكر منذ ساعة…كيف أصرت هي على الذهاب لهذه الجمعية بالذات وكيف اعترض هو بشدة وزادها اعتراضه رغبة وإصراراً..

تتجول في أروقة الجمعية والورقة الصغيرة في يد والقلم في اليد الأخرى…. تنظر إليه…..يجر قدميه بضعف ووهن….. والعرق يتصبب منه…مستغربة هي.. فالجو بارد داخل المبنى.

هاتفه النقال…صامت..كعادته حين يخرج معها..لكنها تلمح تكرار الضوء في جيبه…تحدث ذاتها…إنها هي…قيل أنها تعمل في محل مواد تجميل وأنها أكبر سناً مني…

شقراء ممتلئة بيضاء…هذا ما قيل على لسان من عرفها….

تبصر السلم الطويل في منتصف مبنى الجمعية…تنظر للأعلى…هناك محل أدوات تجميل…يتلاعب الشك داخلها…ويعتصر الألم قلبها حين تراودها فكرة وسؤال.. هل من المعقول أنها تعمل هنا؟!

تجيب صوت السؤال داخلها..ولم لا…لطالما سألته لماذا كل أدواته من هذه الجمعية بالذات…وفي كل مرة…كان يجيب إجابة مختلفة وغير مقنعة..

تلمع فكرة مجنونة بالصعود إلى أعلى..تعرض الفكرة عليه.. أريد أن اشتري عطر…تعال معي..

تشعر بجفاف ريقه..وضوء الهاتف مازال يبرز من خلف قماش ثيابه.

يتعلل هو بالتعب وبأنه سيحاسب على ما تم شرائه…وسينتظرها في السيارة.

لا تعير ما قاله اهتمام…ولكن حاسة الأنثى والمرأة المجروحة تزداد حده وفضولاً في الصعود.

تشعر بثقل الجروح داخل صدرها وبخفقان القلب وهي صاعدة….

تقف عند مدخل المحل…تلقي نظرة على الموجودات…أربع نساء ليس فيهن من تقول…..أنا جميلة…

يبدأ حديث النفس…هذه سمراء طويلة…هذه شقراء نحيلة..وهذه…تلقي عليها التحية…هي من جنسية عربية أخرى.

وتلك…شقراء بيضاء ممتلئة…تخاطبها…ترتبك بعض الشيء.. تثار الريبة داخلها…هي من نفس جنسية الأخرى التي يعرفها… تقترب من مكان وقوفها.. تنظر إليها ملياً…لا جمال فيها ولا أناقة ولا أي نوع من الجاذبية.. تحدثها عن آخر عطر نزل لماركة معينة.. تشعر بنوع من الدوران..يا إلهي أنه الصوت الذي طالما سمعته..

الهاتف عندها يرن…تلقي نظرة سريعة على الرقم…تذهب هي تاركة إياها… تحدث زميلة لها…وتخرج…

تتابعها بنظرات شك…تلمح زميلاتها يعلقن بصوت عال…لا بد أنه تحت كالعادة.

يخفق القلب بشدة ويرتجف…وتشعر بغبائها…هل الكل يدرك وهي الوحيدة التي لا تدرك…الزوجة فعلاً آخر من يعلم..

تحدث إحداهن الأخرى…نيالها…راتب آخر تأخذه من هذا الغبي ترد الأخرى.. شاطرة ياليت من يجد غبياً مثله.

تنظر إليها البائعة باستغراب…مدام… هذا هو العطر الذي طلبتيه… لا تعيرها اهتمام…كل تفكيرها بتلك التي أسرعت في الهبوط من الدور العلوي.

تدير ظهرها للبائعة خارجة حيث السلم الذي يتوسط المبنى. تتصل به… هاتفه يرن… لكنه لا يرد.

تقلب بصرها في ممرات الجمعية…تراها كلها وهي في منتصف السلم… ولكنه غير موجود.

تخرج خارج المبنى تلمحه من بعيد…يقف معها.. يمد يده داخل جيبه يخرج حافظته…ويعطيها مبلغاً من المال..هذا الغبي الذي لم تكلفه طوال سنوات زواجهما ربع ما أعطاه إياها للأخرى في السنوات الخمس الأخيرة..

تشعر بغصة داخلها..تشير لسيارة أجرة جوال….وتصعد..

 

 

 

 

البيت الخامس:-

 

مصدومة هي..حين أخبرها زوجها بحقيقة كشفه…لا يستطيع الإنجاب.. وضع لها حرية القرار بين يديها…إن كانت تريد الطلاق والزواج بغيره والإنجاب منه لتصبح أم البنين والبنات تلك الرغبة التي لازمتها سبع سنوات هي عمر زواجهما.

سبع سنوات مرت كلها حلوة..كلها عبارة عن حب وإخلاص وإيثار قدم لها الحياة كلها في السنوات السبع…كريم…صفة لا تعطيه حقه كريم في كل شيء….في حنانه وعطائه وماله وحبه…كريم في اهتمامه في وقته في عدله.

تحسدها الأخريات عليه ولطالما صرحن بذلك.

تتذكر حين تقدم لخطبتها…كانت خطبة عن طريق الأهل…كيف نطقت أختها الكبرى فرحاً بوسامته… ولا رشدي أباظة في زمانه.

وكيف علقت خالتها…إنه من بيت طيب وسيكون لها نعم الزوج… وأثبتت الأيام ذلك.

تردد بصوت عال…الحلو ما يكملش….فعلاً ما يكمل….

والآن…. ما الحل..؟ آه هذا هو السؤال الصعب بحاجة هي لاتخاذ قرار سليم…قرار لا تندم عليه مستقبلاً.

تحبه هي من أعماق قلبها…

تنظر لزوايا الغرفة وخزانة ملابسه التي مازالت مفتوحة بعد أن أخذ بضع ملابس منها وغادر…ليترك لها البيت غير مؤثر في قرارها… تشعر ببرودة الغرفة الخالية منه…

إن كانت بضع ساعات أشعرتها بالوحشة فما بال العمر الآتي بدونه….

ارتعبت خوفاً من الفراق والوحدة.

وتساءلت…كيف ستكمل العمر دونه وهي التي ظنت أنها ستظل طول العمر معه وفي ظله….أو كيف ستعيش في فراش آخر وفي كنف رجل آخر….تغمض عينيها إعياء وألماً….هل من المعقول أن يضمني رجل غيره أو أعيش مع رجل غيره…مستحيل…

تدق ساعة الحائط… أنها الساعة الثامنة مساء….

تشعر برغبة في لقاء الخالة….فالأم لم تعرفها حين ماتت وهي صغيرة تطرق باب المنزل…تستغرب الخالة من حضورها دون إعلان مسبق … تسرع إليها….ترى الشحوب على الوجه….تردد…خير إنشاء الله… تبكي على الصدر البديل حرقة وألماً…

تجلس الاثنتان في مكان منزو في المنزل… تخبرها بقصتها كاملة والخالة منصته بهدوء تام…تعلو الحيرة وجهها….فمن الصعب أن تفرط بزوج مثله ومن الصعب أيضاً البقاء في هذه الدنيا دون ذريه….

ما الحل يا خالتي..؟ سؤال تردد صداه في الغرفة الكبيرة لم تجد له جواب..

تنشغل الخالة بالتفكير…تستغل هي الصمت القليل الذي لفهما…تتصل به وهاتفه مغلق….تشعر بيأس يحتويها.

ترد الخالة دون النظر إليها…والله مادري يا بنتي… شيء يحير… تخرج من بيت الخالة….لم تتوصل لقرار بعد واليوم الأول للتفكير كاد ينتهي وأمامها يوم آخر فقط…تعاود الاتصال به مستنجدة…ليطل عليها الصوت الكئيب الجهاز مغلق أو خارج منطقة التغطية.

آه أين أنت الآن…أريد أن أتناقش معه… لعل النقاش يوصلني للقرار الصحيح.

ولكنه كان واضحاً…فكري لوحدك واتخذي قرارك دون ضغوط حتى لا تندمي مستقبلاً…وأنا…تحت أمرك فيما تقررينه….

تشعر برغبة في الصراخ…أين أنت…لا أستطيع التنفس دونك.

تقترب من المنزل… تنظر إليه…تشعر بوحشة غريبة وكأنما ألقيت في بئر مظلم….السكينة تحيطه من كل جانب…وسيارته لم تعد موجودة ومكانه فاضي….والبيت الفارغ منه كأن لا حياة فيه…

ترفض فكرة الدخول إليه….فالفراش لم يعد هو الفراش.

تخرج من الشارع الذي يضم البيت وتغادره….والحكمي يغني من إل FM “ليلة فراقك يا هي صعبة بالحيل صعبة” تبكي دون صوت لكن الدموع أصبحت حجاباً يغطي الطرقات وألوان السيارات وأضواؤها اختلطت معاً فلم تعد تدرك موقع خطاها.

يرن هاتفها النقال… يغرد القلب فرحاً…ظنته هو….لكن جهازه هو مازال صامتاً.

إنها صديقة عمرها…

ألو….ردت من ورائها دموعها

تشعر الصديقة بالبكاء الذي عبر الهاتف ووصل إليها….

مابك؟…….هل تبكين؟

محتاجة لك…..تعالي لي

هل أنت في البيت….سؤال حوطه الخوف على الصديقة

لا…..أنا قرب المقهى ال……….

ادخلي إليه…لا تقودي سيارتك وأنت في مثل هذه الحالة…..دقائق وسأكون عندك…..

آثرت هي البقاء في السيارة انتظاراً..لرفيقتها….فالمنظر الكئيب الذي يحيط الوجه لا يدع لها حرية الاتصال بالآخرين.

تمر نصف ساعة لترى من بعيد سيارة الرفيقة قادمة.

تجلس الأخرى بجانبها….خير….مابك…..لأول مرة أراك في مثل هكذا حال….

تخبرها بكل شيء…كل شيء….

لتجد الحيرة أيضاً تعلو وجه الصديقة…. وتسأل….طيب ورغبة الأمومة عندك هل ستتغلبين عليها….؟

مادري

والله زوجك طيب….لو كان العيب منك….تعالي…ربما اجمع بين زوجتين لكن نحن النساء لنا الله.

فكري معي

لنرى….لو تركته وتزوجت آخر…..قد تنجبين أبناء….صح؟

وربما لا…..ربما الآخر أيضاً تظهر به نفس المشكلة…

معقول؟! طيب ولو بقيت لديه…..لن تكوني أماً….

وهنا المشكلة…..

وربما يتغير عليك….فالرجال لا أمان لهم

تنظر إليها نظرات اعتراض….

ماشي….زوجك غير

تبتسم من وراء دموعها….

تمر لحظات صمت لتصرخ الزميلة…. لقيتها…

تستغرب هي من كلمة “لقيتها”.

شوفي…..عندي قريبة حالتها كحالتك…تدرين شنو سوت؟

تنظر إليها منتظرة إكمال الحديث

تبنت بنت وولد من دور الرعاية.

تشعر كما لو وصلت لبر الأمان….وأعجبتها الفكرة…..

 

 



0