.

قصة قصيرة……هيا علي الفهد

 

” تقاعد “

 

لملم أوراقه … ما وجد داخل الدرج أو فوق المكتب وضع الملفات في حقيبة جلدية سوداء .. ثم رفع كرتون متوسط الحجم واخذ كل ما احضره على مدى سنوات لهذا المكتب الذي يقع في الدور الخامس كل ما كان يعتني به وذكريات جمة مرسومة على جدرانه رفع رأسه واقترب اكثر من النافذة العريضة التي تطل علي الشارع العام والبحر يطالعه من بعيد لطالما تبادل معه تحية الصباح ..

وقف يتأمل تلك السيارات المتسارعة  في أسفلت الشارع الكل يخاف من التأخير .. وهو .. لطالما حرص على القدوم مبكراً إخلاصاً منه للعمل وحرصاً منه على مواقيت العمل واحتراماً لكل فلس يأخذه نظيره..

ياه .. مرت ثلاثون عاماً مذ تخرج من الجامعة “كلية التجارة آن ذاك” ثلاثون عاماً فيها تنقل فيها من مسمى لآخر.. وكأنها سنوات قلائل.. مازال يتذكر مراحل الدراسة ودخول الجامعة وشغفه فيها.. مازال يتذكر حرص والده – الله يرحمه – وفخره به حين تخرج ونصائحه له حين البدء بالعمل..

… ولدي – الحمد الله الذي أمد في عمري كي أراك تتخرج من الجامعة وتعمل…

وكيف رد الابن البار لأبيه

… كل نجاحاتي بفضل رضاك علي ودعواتك..

يقبل رأسه .. ويرى ابتسامة فرح ورضا

يفيق من رحلة العبور للماضي..

سنوات طوال عراض مرت .. بحلوها ومرها .. بنجاحها وفشلها.. بعشرات الزملاء الذين عبروا حياته العملية المخلص منهم والوفي والمنافق والكسول … الأحياء منهم والأموات .. وقصص مختلفة وتجارب متنوعة من رجال ونساء .. وعلاقات قوية أو علاقات هشة .. الكل عبر … والكل مر وترك بصمته داخل نفسه وروحه..

يتنهد بعمق..

واليوم يودع كل هذا … ليجلس في بيته مع أم عياله… يتكلم بصوت عالي .. يا الله هي سنة الحياة..

يجلس على أريكة مقابل مكتبه الكبير .. لأول مره يجلس في هذا المكان.. ينظر للمكتب والكرسي.. ترى من سيجلس عليه بعدي.. لايهم… مادام هو قد تركه…

يقلب مجلة وضعت أمامه على الطاولة التي تتوسط المكتب..

ينظر إليها يفكر في الشخوص  الذين وضعت صورهم فيها..

يطرق الباب .. ينظر لزاويته.. مازال الطارق ينتظر الأذن..

ومازال هو يطالع الباب بصمت يعجز لسانه عن اختراقه..

يفتح الباب يدخل العامل يسأله إن كان بحاجه لخدمة ما أو يريد أن يشرب شيئاً .. يدخل يده في جيبه ويطاوله مبلغاً من فئة العشرة دنانير.. يرى الفرح يطل من عيني العامل الآسيوي لهذا الرزق ويشكره ويعاود سؤاله إن كان بحاجة لشيء يطلب فنجان قهوة وسيكون الأخير له.. لينصرف العامل وتعود الذكريات ترن في مخيلته..

يقف حيث هو.. يدور في زوايا المكان.. يذهب حيث طاولة الاجتماعات .. لطالما قرر ولطالما خطط ونفذ..

يضرب بيده الطاولة .. والآن هل سيجلس في البيت كما الحريم !!

إن من يحب عمله يجد نفسه يموت خارجه.. يقنع نفسه ولكنها سنة الحياة.. ومرحلة لا بد وان يمر بها..

هناك من يسعد ويسعى للتقاعد..يحاول أن يطمئن روحه من الخوف من المستقبل ..

يدور حول كرسي المكتب.. يديره ويجلس عليه.. يسمع خطوات عدة تقترب من الباب.. يفتح بصورة خجلة.. يطل رفيقه عليه.. يبتسم يستأذن بالدخول هو ومجموعة معه.. يراهم .. منهم حديث الانتماء للعمل ومنهم صاحب الخبرة..

تدب الحياة في مكتبه ويضج باختلاط أصوات الجميع نساء ورجال..

يرد أحدهم .. والله راح نفقدك يا بو فلان

يهز رأسه بأنها إرادة الحياة..

وتبتسم أخرى.. لك وحشة..

يرد هو..الله يخليك

ويعلق آخر.. تعودنا على وجودك.. ولن أنسى وقفتك معي وكيف ساندتني في بداياتي وأعطيتني من خبرتك الشيء الكثير..

يشعر برغبة بالبكاء .. ويصمت

يطول الحديث مع رفاقه.. وتمر الساعة سريعة.. حتى يبدأوا بالانسحاب من المكتب الواحد تلو الآخر..

يعود لوحدته.. يتلفت يميناً ويساراً.. ينظر لفنجان القهوة الذي أحضره العامل دون أن ينتبه هو.. بارد كبرودة المكان..

يفتح الخزانة العالية.. يقلب ما بداخلها.. ما هو له وضعه في كرتونه المتوسط الحجم .. وما للعمل تركه في مكانه..

يشعر بالباب يفتح.. يلتفت حيث الزائر.. يرى رئيسه يقف مبتسماً.. ها.. هذا آخر يوم لك..

يرد.. هو.. نعم

…. كأنك استعجلت في التقاعد

يضحك بصوت عال ضحك فيه الإحساس بالألم والمرارة

… ثلاثون عاماً في العمل.. واستعجلت في التقاعد  ياأخي؟!

… من حقك أن تكمل سنوات أخرى..

يرد بهدوء وقناعة.. لا.. يكفي.. يجب أن نرتاح ونترك المجال للشباب

… والله يا أخي الشباب لن يخلصوا كما أخلصنا.. جيل هذه الأيام لا قدرة له على العمل الجاد..

… لا يا أخي.. لو خليت خربت.. فيهم البركة..

يقترب الرئيس أكثر مصافحاً إياه.. أسلم عليك.. وأتمنى لك تقاعداً طيباً وأن نسمع عنك أخبار خير..

يخرج الرئيس.. يضغط على جرس الخدمة.. يعود العامل الآسيوي يشير له بأن يحمل الأغراض للسيارة..

يخرج.. يقف عند الباب ناظراً للمكتب.. مودعاً كل ركن فيه هامساً له بأنه سيشتاق له.. يغلق الباب خلفه بحنان بالغ يصل حيث المصاعد.. ويخرج من الباب الخارجي حيث مواقف السيارات ليصعد لسيارته ويغادر المكان ونظرة وداع للمكان كله يلقيها وهو جالس من خلال مرآة السيارة.. ويبتعد..



0

 

            .

قصة قصيرة …. بقلم هيا علي الفهد

 

“هواجس نسائية”

 

المرأة الأولى:-

 

نظرات زائفة وغصة في الفؤاد تعيق عملية الشهيق والزفير وثقل في الصدر يحمل الجسد المنهك مزيداً من الآلام والأمراض- تجلس على المقعد في القاعة الفسيحة على يسارها تنتخب الابنة البكر ومن بعدها جلست أختها … وسواد يلف المكان كله نسوة يرتدين العباءات … صفوف سوداء تقترب منها تقبلها تقدم التعازي هذه تردد “عظم الله أجرك” وأخرى تتفوه بكلمات مبهمة لا تصل لمسامعها وثالثة تدعو الله للميت بالمغفرة والرحمة ورابعه تتمنى أن تكون هذه خاتمة الأحزان وأنوع من الطيب يصل لأنفها منها الخفيف ومنها ما يصيب الرأس بدوار حاد يسانده حزن عميق يعذب النفس ويؤذي الروح …

وصوت القرآن الكريم يعلو أحيانا حين يسود المكان صمت قاسي وأحيانا يخفت الصوت حين يزداد عدد النسوة في تقديم الغراء …تلتفت هي من موقعها تدور بأعين شبه مغمضه في وجوه الحاضرات قد تعرف البعض ولكنها تجهل الكثيرات …

 تلتفت ناحية الابنة حين يعلو صوت البكاء عندها … تشفق عليها فقدت الأب مبكراً فهي مازالت في العشرين.

هذا اليوم الأول .. منذ يوم كان معنا .. تحدث نفسها .. رحل فجأة .. آه من الموت المفاجئ…

تشعر بدمعة تفر عن استيحاء .. حارة تلك الدمعة .. ربما كان مصدرها القلب لا العين ..

يزداد بكاء الابنة حين تقترب منها إحدى صديقاتها  

تشعر هي الأخرى بالرغبة في البكاء بصوت عال .. لكنها مؤمنه لطالما سمعت البكاء على الميت يعذبه …

يقل عدد القادمات .. ترفع رأسها .. تطالعها لوحة كبيرة أخذت موقعاً متميزاً في الصالة … كان يحب هذه اللوحة … هو من اختارها وهو من اشتراها وهو من قدم إليها فرحاً يجرها من يدها..

… مابك يارجل؟

… تعالي أريد أن اريك شيئاً

… تمهل … سأقع

..أفا … تقعين وأنا بجانبك …

يزداد الشعور بالدوار أكثر .. أين أنت الآن كي لا أقع … تتنفس بعمق … مابال الزمان صار يأخذ موقفاً ضدي .. كيف اخسر ” رجلي” في لحظة غفلة مني وظلم من القدر …

تتنهد مرددة” استغفر الله العلي العظيم.. لاحول ولا قوة إلا بالله”

كيف أبعدني الهيذان عن عقلي ولكنه لم يمهد لي …

لم يمرض يوماً .. لم يشخ أكثر .. لم يرقد في مستشفى .. هكذا فجأة يموت .. وفجأة يغادر …

تلمح من يعيد بعض النسوة يضحكن … تشيح وجهها الجهة الأخرى مرددة بصوت منخفض .. وقحات ..

تشعر بيد حنون تمسح على رأسها … جارتها الطيبة منذ سنوات وجهها البشوش صار أكثر تعاسة لم تعهدها منذ عرفتها عابسة …

مشاعرها حقيقية لطالما شاركت بكل المناسبات وها هي تشارك بالعزاء اليوم …

تجلب لها كوباً من الماء .. اشربي .. تحدثها الجارة .. ترتشف بعض قطرات منه وهي في شبه ذهول … حتى الماء أصابه نوع من المرارة تحدثها الجارة …استعيني بالصبر الجميل .. إن الله مع الصابرين … تبكي هي .. تردد .. كان الشخص الوحيد الذي أحببت …  

تردد الجارة .. اعلم ياالغالية ..

ترفع بصرها نحو الجارة .. كان قد وعدني بأنه سيظل العمر كله معي … كيف انصرف الآن وتركني…

لقد بقي معك فعلاً العمر كله … ونفذ لك نفس الوعود .. كنا منسجمان …

جزء مني انفصل عني …

أعانك الله …

تبتعد الجارة بضع خطوات حين اقتربت أخريات منها ..

 حين يكف فوج النساء عن القدوم تنتابها نوبة فزع من الشيء القادم … كيف سيكون الغد بدونه …وكيف ستغدو الأيام القادمة بلا وجوده .. كيف سيكون حال البيت والمكان والفراش … كيف سيكون القلب والجسد دون رائحته .. كيف سأكون أنا .. أنا بلا نصفي ماذا أفعل إذا احتواني الشوق إليه … وبحثت عنه ولا أجده .. تقف مذعوره…

ترى العين تتطلع إليها .. بعضها متعاطفاً ..بعضها خائفاً عليها والبعض ساخراً من هكذا تصرف …

تدنو الابنة بسرعة منها .. ما بك ياأمي ..؟

.. المكان يضيق بي .. لا استطيع التنفس … لا أتخيل الحياة بدونه .. تبكي بصوت عال … تضمها الابنة .. تبكي هي الأخرى بحرقة تعلو أصوات مختلفة للبكاء من نساء مختلفات الكل ينتحب لمنظر يهز الوجدان تأثراً وحزنا…

 

 

 

 

 

المرأة الثانية :-

 

استيقظت مبكرة عما اعتادت عليه .. أخذت تتقلب في فراشها بضع مرات .. ترفع اليد اليمنى حيناً واليسرى حيناً .. وتبتسم ..

شعور بالراحة احتوى الجسد الفتي .. نظرت ناحية الوسادة الخالية منذ يومين .. فقد سافر الى البحرين للالتحاق بجامعة هناك استكمالاً لدراسته العليا…

اقتربت أكثر من وسادته وناحيته التي اعتاد النوم فيها .. مسحت بيدها مكانه .. رفعت الوسادة ناحية وجهها تنفست بعمق تريد أن تأخذ اكبر قدر من رائحته .. يقال ان شم رائحة الحبيب يقوي القلب .. يا سبحان الله .. تعلق رائحته في انفها وتتغلغل أكثر لتأخذ مساحة اكبر من جسدها …

تبتسم أكثر .. الشعور بالشوق لذلك الغائب…

يتعلق نظرها بسقف الغرفة .. تراه وتلمح تقاطيع وجهه في كل مكان وسيم ذاك الذي تزوجت منه الأربع سنوات .. لطالما استمعت للأخريات عن وسامته ورجولته …

أربع سنوات دون ان يكتب الله لي بولد .. تتحدث بصوت أعلى من حديث الروح .. او بنت .. المهم تأخذ قسماته هو ولونه هو وطوله هو …

تتنهد …

كيف اشتاقت إليه اليوم وهو لم يغب طويلاً..   

ربما لأنه الغياب الأول والسفر بعيداً عن حدود مكانها للمرة الأولى ..وربما هو الفراق الأوحد منذ ارتبطت به ..

تنقلب لليسار ..تطالعها صورة له موضوعة على طاولة جانبية .. تحدثه أين أنت اشتقت إليك …

تحس برغبة ملحة للتحدث إليه ..تنظر للمنبه الجانبي .. ما زال الوقت مبكراً قد يخيفه وتعيقه اتصالها..

ما هذا الشعور الطاغي الذي احتواها ولماذا هذا الإحساس بالوله الذي لمس قلبها الكبير .. تزوجته برغبة اسرتين لكنها أحبته بجنون عذراء لم تعرف العشق قبلاً …

متعقل هو في كل ما يقوله ويفعله .. أربع سنوات يطبق ما درسته في كلية العلوم الإدارية من استعمال التخطيط في أمور الحياة .. ولم يفسد يوماً ما اتخذه …

للمرة الثانية تسحب الوسادة .. تضمها أكثر بحركة مراهقة قديمه من فيلم الوسادة الخالية للرائع عبد الحليم حافظ …

شعور من الفقدان لوجوده وصوته ودفئه يصيبها بجنون الشوق الغائب ..

ونتساءل … لماذا لم أذهب معه .. إن كان للدوام دوراً فالتأخذ إجازة أي كان نوعها .. أرحم  من حالة الوله الطاغي التي تعيشها اليوم .تلوم نفسها أكثر .. وتفر دمعة من عين كانت مبتسمة دائماً.تشعر بقرصات الجوع .. لكن الوقت ما زال مبكراً والخادمة لم تصحو بعد .. تلقي بغطاء السرير جانباً وتقترب من ثلاجة صغيرة اتخذت موقعها في زاوية الغرفة .. تدخل رأسها عبر الباب .. تبحث عن شيء يؤكل .. تلمح تفاحة وحيده …تقطم قطعة منها .. وتقف تطل من نافذة الغرفة  تلمح البحر من بعيد .. تفتح النافذة تستنشق هواء الخارج تشعر بتسرب رائحته من داخلها يغيظها فقدان رائحته .. تغلق النافذة حيث الوسادة المستعرضة على السرير .. تلقي بجسدها كله ليأخذ الأنف موقعه حيث رائحته ..

تفتح التلفاز تقلب في قنواته لا شيء يشدها .. فالعقل والقلب والجسد اتخذوا مساراً واحداً حيث هو ذلك الزوج والمعشوق والحبيب …

تقترب من الساعة .. تجادلها بغضب .. ما بالك أيتها الحمقاء لا تتحرك عقاربك بسرعة حتى أتصل به …

تنطق بصوت عال .. ما زال الوقت مبكراً على الاتصال ..

تفتح خزانة الملابس تعد ثوباً للعمل وحقيبة وحذاء .. وتفتح الدرج لتخرج الساعة والخاتم ..كل شيء جاهز . تخاطب المرآة حيث تنظر تضع يدها على خدها .. تلامس البشرة والشعر .. تبتسم .. جميلة أنا .. لطالما أخبرها بذلك .. تضحك بصوت مرتفع لتلك الذكرى التي عطرت جوها..

تنظر مرة اخرى على الفراش وتغادر حيث الحمام .. تأخذ ” شوراً”

ربما لا ضاعة الوقت .. او للشعور بالانتعاش حين تتصل به تحدثه عن الشوق وعنفه …

ترتدي ملابس العمل وتتعطر بعد وضع مكياج خفيف مناسب للعمل …

تحمل الحقيبة تلقي داخلها مجرد حفنه من المكسرات للتسلية حال الحاجة إليها ..

يرن في المكان صدى رنه المسج حين القدوم .. تنظر للساعة اقتربت من السابعة صباحاً … لابد أنها من صديقتي كالعادة حيت ترسل مسجاتها العديدة ..

تدنو حيث المحمول على الشاحن … ترفعه … تطالع المسج ان المرسل هو والرسالة قادمة من رقمه الكويتي .. تصدم وتشعر بانقطاع الأكسجين عن الرئة والغرفة والحياة .. ويصيبها دوار عنيف يدير معه المكان كله لتختفي الصورة لقسمات وجهه في سقف الغرفة  وتشعر برغبة ملحة للاستفراغ والمعدة خاوية الا من قطعة التفاحة صدمة تلغي بها على اقرب كرسي وحرارة تلف الجسد كله ليتصبب عرقاً بارداً يرتجف له الجسد كله بعد ان كان منذ بضع ساعات يرتجف عشقاً وشوقاً … ترفع الموبيال من حضنها … تقرأ الرسالة للتأكد مما احتوته .. “عزيزتي أني آسف لا استطيع الاستمرار معك … أنت طالق”      

 

 

 

 

 

 

المرأة الثالثة:-

 

ان القلب حالما ينكسر يفقد روحه ومنطقة وثقته بهذا الكون وهؤلاء الناس …

عبارة خطتها في وريقات وضعت أمامها …

اقترب الزوج منها .. قبلها على الجبين .. لا ترفع رأسها حيث هو … هناك فجوة سحيقة باعدت بينهما .. ابتعد هو كثيراً وابتعدت هي أكثر وحينما حاول الدنو منها أكثر كانت هي قد ابتعدت أكثر يجلس بجانبها … يطالع جرائد المعتادة .. وهي على صمتها وسكونها …

مرحة كانت والضحكة لا تفارق مبسمها ولكنها الأيام التي طعنت وبقسوة .. والطعنة كانت منه هو .. عجيبة تلك الحياة حين يطعننا أقرب الناس إلينا .. 

تشعر برغبة لاحتساء كوباً من الشاي … تقترب من الطاولة المستطيلة والتي صفت عليها أكواب أعدت للشاي بعناية وقطعاً من الكعك… صبت لنفسها كوب الشاي المعتاد دون الحاجة لقطع السكر ..

تدنو من مقعدها .. ينظر هو إليها .. منذ زمن طويل أهملت أقداح شاية . تفهم تلك النظرة التي   رمقها بها .. تعود حيث الطاولة المستطيلة تصب كوباً آخر من الشاي وتضع قطعة من الكعك حيث الطبق .. والصمت يلفها وهي التي لم يعتادها الصمت …

مستغرب هو لكل هذه الطوارئ التي احتوتها وغيرت من مسار الحديث لديها والضحكة وغلفتها بغلاف من الجدية لم يكن معتاداً عليه لطالما تساءل بينه وبين نفسه عن سبب التغيرات السلبية ولطالما تقدمت أسئلته بطريقة جهرية ولطالما باءت المحاولات بفشل ذريع …

يطالعها بعيون زوج محب .. يطيل النظر إليها … يتنهد بعمق … هذه النظرات الزائغة لم يعهدها سابقاً …

يرتشف من كوبه .. يعاود النظر حيث هي …

يسالها عن الابن ودراسته .. ترد باختصار .. زين

كيف انقطع الحديث بينهما .. كانت تملك ثرثرة عجيبة … تحدثه في كل التفاصيل المهم منها والتافة .. تغوص به بكل أحداث يومها وأحداث الابن .

والآن التعليق بكلمة واحدة فقط “زين”

.. ماالذي حصل معك ؟

يشعر باغروقة الدمع في عينها …

يحتار أكثر … ليسأل .. ماذا حدث ؟ منذ اشهر طويلة كلامك قل واهتمامك بي انقطع حتى … ابتعدت فيه عني ..

تنظر اليه وقد فرت دمعة يتميه أخذت مجراها على الخد باندفاع مجنون .. يقترب منها قائلاً .يقلقني حالك …

تحاول التهرب من ضمته .. يغضب من تصرف يعطى دلالة واضحة على عناد وكره ..تتعلل بأن الجلسة غير مريحة..

تصعد للطابق العلوي .. تتمدد .. وتضع الأوراق على الفراش .. ان ما عرفته جعلها تجن بعض الشيء ولكنه القرار الصعب الذي لم يتخذ بعد .. هل تهجر أو تزعل وترحل ولكنه الابن ذلك العائق لهكذا قرار .. ماذنبه .. وما حاله دون الأب .. وقد ملكت العديد من الأدلة على خيانته لها..

تحاول التنفيس عن الذات بخواطر تخطها مرات على ورق ابيض . من الصعب ان تخبر أحدا بما عرفته لا الأم ولا الأخت ولا الصديقة ..كل ما تفعله يسقط بين الأضلع وتخطه بقلمها عبر  كلمات ..مجرد كلمات ….

تشعر بوقع خطواته تقترب .. غاضباً هو .. فهذا هو حالها ترفض ان يضمها ذات المكان ..

وحالما حاول مجرد محاولة لفتح باب الحوار يجدها تشدة بأدب وهدوء مثير للأعصاب..يغضب ويأخذ بالصراخ كالمعتاد .. يرتدي ملابسه على عجاله وهو يردد أنت لا تطاقين .. ليخرج صافعاً بالباب …

لا أطاق .. هذا مبرر كل الرجال عند الخيانة .. تبرير أجوف يدل على عقلية حمقاء ..

لابد ان يكون لديه الآن موعداً مع احداهن …

تتململ هي .. وتشعر بعدم الرغبة في الكتابة .. البيت خال بعد خروجه والابن مازال يلعب في بيت الجيران ..

ترتدي هي الأخرى ملابسها وتخرج .. لكنها تظل بعدم الرغبة في الحديث مع أي كان ..

لذا تدخل المول الكابع على الخليج .. تختار مقهى معين .. تجلس ترتشف شاياً أخضر وتطالع أفواج الناس من رجال ونساء وشابات وشباب .. الكل يسير والكل يتحدث . يشدها من يجلس في الطاولة المحاذية لها رجل وامرأة يسحب الكرسي لها يقرب قائمة الطلبات منها .. يبتسم لها يمسك يدها بحنو غريب يعاملها كأميرة لم تتوج بعد ..

تبتعد بخيالها عن هذا الواقع المؤلم الذي تعيشه منذ اكتشافها لغدره .. كان هو كحال هذا الذي يجلس بالطاولة المحاذية لها .. لابد ان طريقته تلك هي المصيدة التي اعتاد ان يستعملها مع الأخريات أو تكون طريقته هذه هي قربت الأخريات إليه …

تشعر بحزن ملعون يلف الوجود كله فيغطي النور وينتصر الظلام …

مرت أكثر من ساعة حين رنى هاتفها النقال وكان الابن على الجانب الآخر يسأل .. أين أنت ياأمي ..

لترد بعاطفة الأمومة الحلوة .. إني قادمة ..

فمهما ابتعدت وهربت لابد ان تكون العودة حيث الابن الحبيب ..

رأت سيارته واقفة ..اذًا عاد من رحلته مع الخيانه .. تدنو من غرفة الابن فوجوده في حياتها هو الجزء المثير فقط … تطمئن حين نام وهي تجالسه …

دخلت الغرفة بدلت ملابسها اقتربت من السرير .. وضعت رأسها على المخدة وهو نائم او قد يتظاهر بالنوم .. تدير له ظهرها .. تحاول النوم ..

تشعر به متململاً في جانبه …

يحدث نفسه .. ماذا دهاها كانت مرحة وكانت دافئة وكانت تعتني به بجنون …

 

 

 

 

 

المرأة الرابعة :-

 

تقلصات تصيب البطن جاهلة السبب .. فهذا حملها الأول .. والأم رحلت قبل الزواج .. تجد نفسها حائرة فتأخذ بالدوران حول نفسها .. والزوج غائب عن البيت في عمله الذي يمتد الى ما بعد صلاة العصر ..

ألم يعبره من الأمام إلى الخلف ليطبق على الأنفاس .. تتمدد على السرير لعل الألم يخف قليلاً لكن الألم يصر على تجاوز حدود الصبر والهدنة ..

تتكور حول ذاتها … تضغط بكلتى يديها على البطن الذي انتفخ قليلاً فهي تخطت الشهور الثلاثة في الحمل ….

  لطالما حدثت هذا الجنين الذي غرسه الله في أحشائها .. فرحة به متعلقة بملامح مجهولة القسمات شبيهة تلك الصورة الجدارية التي علقتها لطفل الحلم المرتقب .. حلم الأمومة ذلك الحلم الذي يراود كل أنثى في هذا الكون …

أخذت تنظر للبطن لحظات .. الألم قوي .. تحدث الجنين .. ما بك يا حبيبي … هلا تنظر إلي .. أريدك بكل قوة وبرغبة الغريزة وتطلعات الطبيعة …

تصرخ قليلاً وتعض على الشفة السفلى من قوة الألم …

… ماذا يحصل لي؟

بطبيعة البنت التي خلعت عباءة الطفولة منتقلة لجو المرأة تجهل خطورة الحدث ..

بمن تتصل .. هل تذهب للطبيب ام تنتظر قدوم الزوج ..

الألم يزداد كالإخطبوط يلتف بأذرعه المتعددة حول الجزء الأوسط من الجسم ..

ترفع سماعة الهاتف ….

…ألو …. أحمد …أشعر بعوار فظيع

… لا عليك حبيبتي يمكن مجرد تقلصات أو “هوا”

… ماذا أفعل ؟ تساءل من وراء دموعها …

.. انتظري مدة من الزمن وإذا استمر الألم أتصلي بي …

تأخذ المصحف وتلجأ لله في قراءة بعض الآيات الكريمة .. يعصرها ألم شديد تتساءل … ما سبب هذا كله ؟

تحاول نسيان ما تعانيه بكوب شاي حار .. لكن الألم يرفض المغادرة …

تخطر على بالها فكرة الاتصال بأم زوجها ….

…. نعم هي الأكبر … لديها خبرة بهكذا أمور .. لابد أن تعرف حلاً..

…ألو

.. هلا خالتي … يرتجف الصوت عندها

..فيكم شيء.

….أحس بعوار خالتي

كيف هو حال العوار لديك ؟

..ألم فظيع في البطن

…هل نزل عليك شيئاً؟

…لا… خالتي

…لاتخافي … تطمئنها .. ربما عارض يمر مع الوقت

تغلق الهاتف …تأخذ في مطالعة قنوات التلفاز … على كثرتها تشعر بالملل …

يأخذها الخيال بعيداً … عندما أدركت الحمل .. تتذكر .. سعيدة أنا .. أتمنى لو كانت بنتاً

يضحك الزوج .. لماذا بنت؟

..أنا لا أم لي ولم تكن لي أختاً .. محتاجة لرفيقة لي يزداد الزوج ضحكاً… رفيقة لك !! الله يحيينا ….

تردد هي بهدوء وهي تهز رأسها .. لست أدري .. هي رغبة بالية قديمة …

..فعلاً الحياة بأمره هو سبحانه

تعود لذكريات بدايات الحمل …

… أيها المولود متى تأتي ؟

عبارة قالتها في غفلة من زوجها مخاطبة الجنين .. كيف أضحكت الزوج حين قال .. أي مولود ..؟ هو مازال نطفة … والله والله أنت طفلة يخرجها الألم من وضع الذكرى الذي كانت عليه ..

تحاول الوقوف فتخذلها الأقدام .. الألم لا يطاق .. تشعر بسائل حار بين ساقيها .. ترتجف خوفاً وتصرخ “آه”تدخل دورة المياه بصعوبة بالغة .. لابد أنها حالة صعبة وأمر طارئ…

ترى بقعة من الدم تصل أرض الحمام … تشعر برهبة الخوف والخسارة …تصرخ .. ماهذا؟

تصل للهاتف ونقاط الدم تغمر أرضية الغرفة ….

…أحمد …”تبكي بحرقة” أنا أنزف

يصرخ هو من الطرف الآخر … ماذا؟ سآتي حالاً…

يرن الهاتف وهي لم تبتعد عنه بعد ..

..هي ياابنتي ..خف الألم؟

…لا خالتي ..هناك دم

تصمت الخاله فهي تعرف الحالة جيداً…

تحاول طمأنتها .. كوني مستعدة للذهاب للطبيب حالاً ..نعم أحمد قادم

..سآتي إليك

تجلس على الكرسي القريب … تضع يدها اليمنى على البطن تحدث ذلك المستعجل للخروج قبل أوانه … لقد خذلتني …. انتهى الأمر .. ظننت أنك ستعيشين معي للأبد .. اعجز عن العثور على أمل …

الألم يزداد .. وحالة الإجهاض بدأت …  

 

 

 

 

المرأة الخامسة :-

 

الفرصة وإن أتت متأخرة إلا أنها تعطي للنبض نوعاً من الحياة وتدب الروح في جسد مات منذ زمن .. اقتربت من المرآة الكبيرة ذات الجوانب الذهبية .. تمعنت جيداً بذلك الوجه الذي طاف الأربعين بسنوات مقترباً من الخمسين .. تجاعيد برزت متحدية إياها ومجموعة من خيوط بيضاء توزعت على الشعر الأسود .. قلبت أطرافه بيدها … جميلة كانت ومازالت .. لكن قطار الزواج عبر محطتها منذ سنوات وكان لزاماً على من في سنها تزويج البنات لا انتظار العريس ..

اليوم سيأتون لزيارتها رغبة في الارتباط بها .. رجل يماثلها عمراً من عائلة مناسبة .. لكنه الخوف من حياة ظنت أنها انسحبت من وجودها ..

مرتعبة من البقاء بجانب رجل بعد ان يأست من وجوده .. مستغربه كيفية النوم بجانب غريب لا تربطه بها سوى ورقة حمقاء يخطها طرف آخر …

تنظر للساعة المستطيلة الشكل .. بقيت نصف ساعة على موعد اتفق عليه مع أخيها ..

دقات القلب عندها تعلو تناطح دقات الساعة زمجرة وروتيناً…

لكن القلب يحتاج لوليف يحتمي به ويشعر بطيبة وحنانه .. فالوحدة قاتله بعد رحيل الأب وبعدها الأم بسنة واحدة فقط لترث هي وأخوها الكثير الكثير من المال والعقار والأسهم ..

تسمع طرقات خفيفة على باب الغرفة .. تقف في منتصف الغرفة عاجزة عن الرد على صاحب الطرقات .. تدخل زوجة الأخ بعد أن ملت الانتظار محدثة إياها..

..منى .. مابك .. وجهك أصفر

تقترب مرة أخرى من المرآة ..تنظر بذهول للوجه الأصفر تدنو زوجة الأخ وتمسك بعلبة الماكياج وتجلسها لتعدل من اللون والقسمات ولكن هل يصلح العطار ما أفسده الدهر!!!

تبتسم زوجة أخيها بحنان .. وتمسح على رأسها قائلة ..والله حلوة

تشعر بنوع من الطمأنينة تسري في عروقها .. فقد أعطتها هذه المخلصة دفعة من الثقة بالنفس هي في حاجة إليها…

تنظر للساعة للمرة المليون … فالزيارة اقتربت … تسحبها زوجة أخيها خارج الغرفة حيث الاستقبال .. تتلفت يمنة ويساراًَ تختار أي من الأماكن تجلس .. يطل الأخ من الدور الثاني حيث المنور لا داعي للحيرة ويعود من حيث أتى..

تدنو الخادمة وتقترب من ربة البيت لتهز زوجة الأخ رأسها بالإيجاب ومن ثم تبتعد لتعود حاملة المبخر تضع بضع كسرات من البخور يدور الدخان في أرجاء المكان رائحة طيبة لبيت طيب واصل طيب.

يرن جرس الباب تنتفض هي ..تشعر بها زوجة الأخ فتردد أسم الله عليك ..هويتها ..ما بالك ؟

تدخل غرفتها سريعاً بعد سمعت صوت أقدام قادمة من الباب الخارجي للمنزل تستند على باب غرفتها …تسمع الأصوات وقد اختلطت وبعد دقائق يفتح الباب ليخبرها الأخ بضرورة الخروج حيث الزوار..تراه من بعيد .. لابأس به ..طويل أسمر كسمرة الأرض الطيبة تسلم على أخته بيدها وتهز رأسها له وتجلس ..

ويدور حديث مختلف الجبهات ومختلف الأهداف ..كل يدلو بدلوه بعيداً بعض الشيء عن هدف الزيارة وكأن الزواج عمل مؤجل إلى حين …

ليفتح الأخ موضوع القدوم .. فتجيب الأخت ..

..هذا أخي ..هو كبيرنا .. تزوج قديماً لكنه لم يستمر .. أي ..نصيب يرد الأخ .. وهل له أولاد؟

.. لا.. لم يطل زواجه أكثر من عام واحد .. لكن بعد كل هذه السنوات له رغبة اليوم بالزواج من أختك ..

يهز الأخ رأسه ..ان شاء الله ..إن شاء الله

 

تمر لحظات صمت ..لتسأل الأخت .. وهل لكم أو للعروس أي شروط؟

ينظر الأخ ناحية أخته ويجيب .. لاأظن … فنحن نشتري رجلاً.

تشعر الأخت بنوع من الراحة…

فتسأل منى ..وأين تعمل؟

يعلو الوجوم وجه الرجل وأخته ليرد ..لاعمل لدي …

تطالع منى أخيها بنوع من الاستغراب دون التفوه بكلمة … فتتدارك الأخت الأمر .. انه يبحث عن عمل …

الأخ .. أيعمل في مثل هذا العمر ذاك الذي تبحث عنه ؟

المفروض الآن أنت على أعتاب التقاعد …

لتجيب الأخت ..كان يعمل في وزارة الإعلام .. لكن العمل لم يكن على مستوى طموحه فتركه…

منى … وكيف سنتزوج وأنت لا تعمل ؟ هل لديك أملاك مثلاً يضحك العريس القادم من خلف أبواب الماضي .. ويرد .. لا أملاك ولا شي …

تشعر منى بانفلات الفرصة قبل قدومها ..وتصمت

أخذ الحديث يدور بهم في حلقات فارغة ….

ليسأل هذا القادم .. ماسبب اعتراضك يا منى ؟

تشعر بالدهشة لهذا السؤال الغبي .. وتتساءل داخلها ماذا عساه يقصد .

تطالع أخته بعد ان مل انتظار الجواب لسؤاله ..فتبدأ الأخت الحديث ..ولكن حسب ما نعرف أنت ورثت الشيء الكثير …

تركت هذا العبارة آثارها السلبية داخل صدر منى … اذاً هو يريد الاستفادة مما أملك … آه ان هذا الطمع منه يشعرني كأني حثالة تقيم بما تملك من ماده فقط …

تضطرب الأنفاس لديها تنظر الأخ المصدوم وهو منكس رأسه مصدوم بما سمع حزين لما آلت حال أخته الوحيده تقف منى في مكانها لتردد محال … محال ان تزوج بمن قدم طامعاً ..

تقف أخته متساءله وما الذي يزعجك في هذا الآمر ؟

تضغط على شفتيها قهراً وحال لسانها يقول يالوقاحتك …

   تنظر إليها أخته بتحد قائلة .. اذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم – يقول تخطب المرأه  ل —–مالها.

يقف الأخ معترضاً وزوجته تبادر بفتح الباب الخارجي للاستقبال ليخرج العريس ومن خلفه أخته ..

   تنظر منى لأخيها .. يدنو منها واضعاً يده على كتفيها .. لا عليك ..غداً يأتي من يعرف قدرك …

تتنهد ….. وهل هناك غد في العمر الذي جر عرباته وسار سريعاً؟



0

 

            .

قصة قصيرة …. بقلم هيا علي الفهد

 

خسارة

 

 

ارتعبت حين وضع يده على كتفها عندما اقترب من باب الشقة…اندهش لردة الفعل تلك..أدارت له ظهرها واتجهت حيث الصوفا الحمراء في مدخل المكان…جلست وقد اقترب رأسها من صدرها العنفواني الشامخ كشموخ روحها الرافضة للانهزام…

 

استغرب أكثر من الصمت الذي غطاها واحتواه الموقع المكاني…دنا خائفا حيث هي..جلس قريبا وقريبا جدا منها…حاول أن يمسك اليد الصغيرة الناعمة التي طالما عشقها وأحاطها بشفتيه فهي الزوجة المعشوقة منذ عشر سنوات وهي الحنون صاحبة الفؤاد المفعم بالحب والعطاء وهي أم الأولاد الثلاثة الذين أخذوا منها الملامح الجميلة والرقيقة…انتفضت واقفة..أحس بدقات قلبها تعلو لدرجة الوصول للسمع..ابتعدت عنه وجلست على كرسي في زاوية الغرفة…هجرته منذ شهر حين عرفت بزواجه من أخرى وطوال الشهر حاول الحديث معها دون فائدة…فهي اغلقت كل أبواب التفاهم أو الحوار…وطالما وسط بينهما المقربين ولكنها ترفض الاقتراب من التفاهم…لكن أن يصل الحال لان يرفضه الجسد الذي طالما أحبه…أشعره بخسارة العمر التي لم يتوقعها..وشعر بتورطه في الزواج الثاني..

أخذت عقارب الساعة تأخذ حركاتها الرتيبة وهو في مكانه …لا تبارح عيناه مكانها أو زاويتها يحبها لحد الجنون…فالعمر الذي مر معها هو عمره والانتساب لها شرف وعشق وهيام…

الصمت يلف الشقة بغباء ملحوظ…صمت لم يعهده من قبل..صمت يرفضه يحطم داخله الأمل وينهي فيه الحياة…أين تلك التي كانت تضج روحا وحياة وشقاوة اين الأحياء الذين سكنوا الردهات وعلت ضحكاتهم تلف جدران المكان؟!

يتنهد بعمق وكأن الغرفة خلت من الهواء وهي في كرسيها لا تحرك ساكنا مازال الراس مطرقا سجودا نحو الأرض…

 

اقترب منها …لمس شعرها…انتفضت للمرة المليون منه…كما لو أن ثعبانا لدغها…صرخ فيها…غير معقول…لهذه الدرجة كرهتيني…

تدير ظهرها مجددا له…وتتساءل أين المفر في شقة محدودة الأركان…

يمسكها بقوة من ذراعها يديرها نحوه بعنف…يخاطبها بحده…انظري الي…انظري الي…

 

ترفض عينها النظر حيث هو…يستفزه ذاك الاهمال ويقضي عليه صمتها…مابك …لماذا كل هذا؟ التجاهل..

تتسع عيناها…تشعر برغبة في الصراخ في وجهه …تحدث نفسها..ما أصعب ما تمر به المرأة وما الشيء الذي يقضي على الزوجة غير الزوجة الثانية..

يهدأ قليلا وترى صوته يلفه التذلل والاستعطاف..كل شيء وله حل..دعينا فقط نتفاهم..

تحدث داخلها بأغنية عبد الله الرويشد ” على ايش إنتفاهم” زواجك واقع وأنا ارفضه فدعك من اللهو بي..

تحس به يدور حول ذاته..كأسد جريح داخل قفص..

تمسك رأسها بكلتي يدها..ماذا حدث وما القصور الذي فعلته حتى استحق هكذا عقاب…؟!

شهر مر في وحدتها..مع إثاره داخل الشقة..حتى الأبناء وضعتهم في بيت الأسرة..تريد الانفراد بذاتها ومعالجة جروحها بنفسها..وقرارها هجره..

شهر مر ..لامت نفسها مرارا لكن اللوم الأكيد لسوء  اختيارها..ثم تعوذت من الشيطان الرجيم..فكل شيء بأمر الله وإرادة الله وقسمة ونصيب فهو الذي اختارها ولم تختاره هي..هو الذي تعلق بها حين رآها في زيارة عائلية ولم تتعلق هي به..واحبته حب الزوجة المخلصة بعد ذلك..

فلم تلوم نفسها؟

تتحدث مخاطبة إياه…ضميري مرتاح..

ينظر إليها بتعجب لم يفهم ماذا تقصد..يسالها سبب العبارة..

تصرخ به..لم ارتكب ذنبا..ولم أخطئ معك يوما ..كنت الأم الصالحة والزوجة الوفية..فضميري مرتاح..

يستعطفها عبر حديثه..أكيد..هذا شيء أكيد..

إذا لماذا؟ ما القصور الذي فعلته حتى أعاقب هكذا..

يحاول معانقتها..تفر من حضنه..

لا تلمسني..أرفض معاشرة مزدوجة..أرفض المشاركة مع أخرى..نصف لي ونصف لها..

أنا كلي لك..

أنت كاذب وحقير..

يتعجب من اسلوب في الحديث لم يعهده منها على مدى السنوات العشر..

..ما بالك حبيبتي..؟

..سسؤال سخيف يصدر من شخص سخيف..

يتعجب أكثر..يحاول أن يغضب ولكن داخله يرفض ..فلها الحق في التعبير عن ألمها بأي صورة تريد..

..حديثك مؤلم..

..ما فعلته بي أكثر ألما..

يحس أن الشقة الزوجية تحولت لصحراء باردة قاحلة وهو المتشرد فيها تمر لحظات هدوء وكأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة..

لتبادر هي ..وجودك بات خاطئا..

يتريث في الرد أو الكلام..لتكمل هي..ما عادت هناك فائدة من التحدث كثيرا..فقد فات الأوان..

هناك الكثير من الألم داخلي..وكفاني ما عانيت..

يتوسل إليها عبر حديثه..اشرطي ولك ما طلبت..

ما عاد هناك شيء أريده منك…

..كل ما تريدينه سيكون..

..أعد لي الحياة التي ضاعت معك..وامح الجرح الذي صنعته بيديك..

..أطلقها..

..لاتفعل ..لأنه لا فائدة مني..

أعوضك بكل شيء وأي شيء فقط عودي إلي كما كنت ..

..لن أعود.,.لأن الأمان انتهى والوفاء تحول لغدر..والجرح ينزف والصدمة موجودة…

هي نزوة سأنسيك إياها ما حييت..

النزوة قضت على كل ما بيننا…

أرجوك..

أرجوك أنت..اخرج من بيتي ومن حياتي..

مستحيل..مستحيل..لا أصدق ما ترددينه ..

دنت من الباب..فتحته بشموخ..أشارت له بيدها..قائلة..لا مكان لك هنا..من عفني أرفضه..

ولكني أريدك..اقترب منها

اشاحت بوجهها عنه..ولكنني لا أريدك..أنا أرفضك عقلا وقلبا وجسدا

يخرج.. تصفق الباب خلفه وتشعر بالراحة..



0

 

      .

كلمات …هيا علي الفهد

 

الكلمة الأولي :-

 

إن المراهقة فترة زمنية يمر فيها الإنسان معروفه ومحدودة ويدركها الجميع….. لكن هناك نوعا من المراهقة يرفضها المجتمع لأنها منفره وغير مقبولة… تلك هي المراهقة المتأخرة … وقد يمر فيها الرجل والمرأة علي حد سواء… تخرجهما من نطاق العقل والتعقل …. مراهقة متأخرة يمر فيها كلاهما في فترة كان من اللزام عليها الاتصاف بالتعقل والتفكير السليم والإدراك المنطقي…

ربما هي تشابه الإحداث فالمراهقة في صورتيها تنتج عن خلل في هرمونات الشخص وتغييرات الجسم .. لكن المراهقة الأولي مقبولة والثانية مرفوضة . نحن لا نعترض علي إرادة الخالق في حدوث مثل هذه التغيرات الجسدية لكن المجتمع دائما يطلب التعامل السليم مع الأولي ويرفض إن يتعامل مع الأخرى.. لذلك فالأخطاء التي يقع فيها الكبير لا مبرر له .. قد يتعاطف مع الأولي ولكنة يزدري الثاني وفي واقعنا اليوم العديد من المراهقين الكبار الذى يخرجون عن نطاق العقل والانحدار للرغبات المجنونة.

الكلمة الثانية:-  

قانون المعاقين الذي صدر 1996 والذي يحمل رقم (49) يعتبر انجازا هاما لذوي الاحتياجات الخاصة يحسب لجميع الذي سعوا لإقراره ويحسب لهؤلاء الذين كانت له المبادرة في ترسيخه ..وان كانت هناك ملحوظات عديدة علية..

لذا فلا بد من نقده بصورة سليمة ولا بد من تعديل بعض مواده حتى يحقق الهدف السامي الذي اقر من اجله…

كما أنة مع التطورات الحديثه والمستجدات بحاجة لذلك التعديل حتى يتناسب معها ..

ونرى إن هناك العديد من المواد لم تفعل بصورة سليمة أو صحيحة أعطته بعض القصور وأبعدته عن المسار السليم الذي اوجد من أجله…

كما أقول دائما العيب لا يكمن في إقرار القانون ولكن العيب يكمن في التنفيذ..  



0

 

 

كلمات….هيا علي الفهد 

 

الكلمة الأولى :-

 

القرار …يا حكومة الكويت العزيزة..مازلت أصر أن قوة الدولة من قوة قرارها وتنفيذه..مهما كان هذا القرار صغيرا ومهما كان نوعه أو مناسبته أو من أين نبع أو أين مصبه..

 

نظره فاحصه للدول القوية أي كان شكلها أو حزبها أو مذهبها برزت قوتها   تلك باتخاذ القرار وتنفيذه..ظهرت هيبتها أمام جميع الدول الخارجية بقوة القرار وتطبيقه..فاحترمها الجميع وهابها الجميع حتى مواطنوها..

فالقرار كما سبق وقلت إن اتخذ بعد دراسة وتشاور وأدركت الحكومة أهميته وعرفت إن في تطبيقه مصلحة البلد والمواطن فلا بد أن ينفذ وبقوة وإصرار وأن يضرب بيد من حديد على من يخالفه أو يقف ضده أو يعرقله ولا ينفذه.

فقد آن الأوان لمثل هذا العمل بعد كل هذه الظروف السلبية التي تمربها المنطقة وبكل النظرات الدونية التي ينظر فيها للكويت كبلد ضعيف وصغير ولكل ما في هذا الوطن من تداعيات قد تضره وتؤذيه  من أقرب الناس إليه ويجب أن تكون كل التجارب السابقة والمؤلمة هي العظة التي يجب أن نستفيد منها كحكومة وشعب.

 

الكلمة الثانية:-

 

إن الرغبة في التقاعد عند البعض حلم يحاولون الوصول إليه بكل قوة وقد يكون مصدر هذه الرغبة التعب ومحاولة الراحة في زمن متعب أصلا..أو بسبب أن العطاء توقف عند هذه المرحلة ويجب إعطاء الفرصة للغير من فئة الشباب..وربما إن التقاعد مرحله قادمة شئنا أم أبينا..أو هو للبعض خلاص من أعباء العمل والتزاماته لكن التقاعد عند المحب والعاشق للعمل هو الموت لعطائه وتفانيه ووقته حين يشعر بأن الوقت يداهمه وان حبه للعمل وانغماسه  فيه هو الحياة بالنسبة له والخروج منه كانسلاخ الروح من الجسد أو كخروج السمك من الماء مكانه وبيئته..

لكنه القدر وآلية الحياة ودرب يجب أن يسلكه  الجميع أرادوا ذلك أم أبوا.. طريق نعبره كما عبره السابقون ودرب آن طال الزمان أو قصر..



0