.

قصة قصيرة …. بقلم هيا علي الفهد

 

” هواجس رجالية “

 

 

الرجل الأول :

 

أخذ يقلب مجموعة الأوراق التي سلمها له الطبيب المختص قرأ ما فيها..أحرف يدرك صورتها لكنه يجهل مضمونها ومعناها رفع رأسه للطبيب..أخذ الآخر يستفزه أكثر بدورانه وهو جالس على كرسيه الدوار..يرفع أنامله مرة لنظارته يقربها حينا لمقدمة الأنف ويرفعها مرات للأعلى وهو يبتسم ابتسامة غباء والآخر مصدوم لا يحرك ساكنا جاهلا أصول الحديث وطرق الكلام..

منذ أشهر كان فرحا حين أخبرته حلوة اللبن أنها وجدت له بنت الحلال وفق شروطه..وفرح أكثر حين التقى بها وأعجبته متذكرا ذاك اللقاء..

حين بادرت أمها وهي تبتسم فرحا بعد أن تم القبول من الطرفين وحصلت الموافقة المبدئية من كلتي العائلتين..

..الله يبارك هذه الزيجة يا ولدي..والله أن قلبي انشرح لك وكذلك أبوها..

لترد أمه وهي مبتسمة..أنه شعور متبادل..وعسى الله يوفق هذا الزواج..

..بإذن الله يا أم أحمد..ابنك سيكون ولدا ثالثا لي وسأضعه في عيني..

كذلك ابنتك..تلتفت بعد عبارتها تلك حيث الكنه المرتقبة..

وتسألها هل لك شروط يا ابنتي..؟

تميل هي حيث رأس أمها وتحدثها بصوت هامس فيه نوع من الخجل الواضح..ترفع الأم نظرها للبنت باستغراب من طلب لم يكن بالحسبان..

تلمس أم أحمد حيرة الاثنتين..خير إنشاء الله ..

تعاود الأم النظر لابنتها لعلها تتراجع عما أخبرتها به..لكن البنت تهز رأسها بالإصرار..

..والله يا أم أحمد ..وتصمت

يزيد توتر أم الولد حده ويتغير وجهها قائلة..خير ابنتي لها طلب وحيد

يتنهد هو وينتظر أن تبادر أمه بالسؤال عن مضمون هذا الطلب..

تعاود أمها الكلام..تريد ابنتي من أحمد أن يفحص قبل الإقدام على الزواج..

تصمت أمه مستغربة الشرط..

يسأل هو..فحص الايدز؟

لا تملك أمها إجابة..جاهلة الطلب

ترد البنت..لا..فحص الانجاب

يصمت هو..ترد أمه..هذه أمور بيد الله عزوجل..

تجيب البنت..نعم..ولكنني أريد أن أعرف..فزوج صديقتي بعد زواج دام خمس سنوات اتضح أنه عقيما..

تنظر أم أحمد حيث هو جالس..نظرات تعبر عن الرفض لكن أحمد يوافق..لا بأس ..هكذا رد..

يخرجه الطبيب من عبث الذكرى..

..لا تستسلم يا ابني..

يقف أحمد ويقترب من كتف الطبيب..وهل هذه نتيجة أكيدة..

..نعم..كل تحاليلك مدونة في هذه التقرير كنتائج وإثباتات

..وهل تعلم معنى هذا؟

..معنى ايش يا ابني؟

..نتائج التحليل..يقولها بصوت عال

ليعلو صوت الطبيب معترضا وهو يقول..وهل هذه النتائج من عندي أنا؟ إنها تحاليلك ونتائج فحصك..

..ولكن..يقاطعه الطبيب..أرجوك..هناك مرضى غيرك..

يلملم الأوراق ويغادر الغرفة مكسورا..

يصعد للسيارة..يرن الهاتف على مقعده..فقد نساه بغير قصد..أمه على الطرف الآخر..لا يستطيع الرد فهو لا يملك القدرة على المواجهة..

يدور في سيارته دون دراية منه أو وعي يرى نفسه تحدثه..ما الذي يغضبك امرأة بدل امرأة وانتهى..يرد على نفسه بغضب المشكلة ليست في المرأة الأخرى ..المشكلة تلفني أنا..

أنا المقصود بالمشكلة..أنا المشكلة بذاتها..لا بد من تدبر أمري أنا لابد من إيجاد طريقة للخروج من هذا المأزق..

ندم يلفه ويضغط على أعصابه ويلعن اللحظة التي وافقها على شرطها ويلوم نفسه على الاستجابة لطلبها..ماذا يقول لأمه وماذا يقول للناس..وكيف سيقدم على الزواج مادامت النتائج تفتح فمها بشراسة واضحة تعلن أنه غير قادر على الإنجاب لا بعلاج ولا بغيره..

“لماذا” سؤال حاوطه بقوة..ينظر للسيارة التي وقفت بجانبه عند إشارة المرور والرجل يلاعب ابنتيه..لماذا الله أعطاه وحرمه هو..يهز رأسه مستغفرا ربه من هواجس ملعونة..يرن الهاتف للمرة الثانية..أمه ..يشغله خوفها وقلقها يرفع هاتفه..تستشف الأم مقدار الألم الذي يطوق صوته وردوده..تدرك بإحساس الأم وقلب الأم أن هناك شيء ما يحزنه..تسأل..ما بك يا وليدي..لا يملك هو إلا أن يخبرها بنتائج فحصه..يسمعها من بعيد تردد لا حول ولا قوة إلا بالله ..يشعر بالألم يخترق صدره..لكن الأم تأمره أن يذهب لطبيب آخر ويبدأ فحصا آخر..يقف أمام مستشفى خاص مشهور ويجر رجليه حيث الممر الطويل يحدوه أمل بنتائج مختلفة ومصير مختلف..

 

 

الرجل الثاني:

 

نظر إليها وهي ممدة على سرير المستشفى …صامته  والمكان يغلفه صمت مسيطر ومحكم.. اقترب منها..بالأمس كانت في بيته  متدفقة الحياة كثيرة الشكوى..كيف انقلب الحال فجأة من صحة لمرض ومن عافية لإعياء..

اقترب منها ..صدرها يعلو باضطراب ملحوظ..والقلب يخفق بضعف وأجهزة تعطى مؤشرات بألوان مختلفة حمراء..خضراء..يجهل غالبية رموزها..

وضع يده على كتفها  الممدودة بإهمال مبالغ فيه..باردة تلك اليد..رفع الغطاء ووضعها تحته..تحركت جفون العين المغلقة ..خاطبها بصوت اقرب للهمس..يمه..تنهدت بإعياء..عاود النداء..يمه..فتحت عينها نظرت إليه من خلف تجاعيد عين اقتربت من الثمانين ابتسمت..يحب ابتسامتها فمازالت تحتفظ بأسنان جميلة..

دنى من جبينها وقبله..ازدادت الابتسامة عمقا واتساعا..جر إليه كرسيا وجلس قبالتها..

صحت من لحظات الصمت الذي مارس معها لعبته..والتفتت ناحيته بصوت يلفه العشق للأم قال..آمريني..

وترد عليه من خلال نافذة الضعف..ما يامر عليك عدو..

يقترب من وجهها حتى يلفحه النفس الصادر منها..راضيه علي يمه؟

..قلبي وربي راضين عليك

يردد بصوت عال..الحمد لله ..الحمد لله..

ينظر لساعته وقد انتصف الليل بقليل..

يرى الممرضة الآسيوية تقترب من غرفة العناية المركزة..تمسك يد أمه..تقلب في ذلك الأنبوب الممتد ما بين الجهاز وبينها..تحرك يدها..

تنظر لتلك الإشارات في الأجهزة المعلقة..يطالعها هو..يتمنى لو يسأل..لو يعرف..لكن السكوت يحتويه..فيسكت معه حين يجره إليه..

تخرج الممرضة..يتابعها بعينيه..يعاود النظر للأم ..صدرها يعلو ويهبط بصورة مستمرة..والعين تغلق من جديد..

يقف..يدور في زوايا المكان..وحده موجود معها..الأخوة والأخوات في بيوتهم..هو من طلبت وجوده..وهو من نسي من أجلها وجوده..

يسمع صوت شخير يصدر منها..ينظر إليها وهو في مكانه..

يتذكر..قبل أسبوع كان لها حديثا معه..اسمع يا وليدي..

 

…نعم يا الغالية..

..أنا عندي مبلغ من المال كان من أبيك الله يرحمه..

يستغرب في ذاك الحين من مضمون الموضوع..

لتستكمل هي حديثا بدأته..هذا المبلغ أوصيت لك به بالثلث حسب الشرع..

يقاطعها قائلا..يمه..

تستمر دون أن تستجيب لمقاطعته..هو حق لك..تتذكر حين رممت البيت من مالك الخاص وحدك؟ وتذكر كيف كنت الوحيد الذي تغطي حاجياتي كلها من دواء وعلاج وكسوة وطعام؟ وتذكر انك تتكلف مصاريف السفر رافضا أن أدفع أنا شيئا؟ وتتذكر…

يقاطعها بحدة..هذا واجبي يا أمي..

..نعم..واجبك ولكنه في ذات الوقت واجب أخوتك وأخواتك الآخرين..ولكن أي منهم لم يقدم لي ما قدمته أنت..

..لكن

تقاطعه هي بإصرار..هو لك..فأنت المختلف عنهم في كل شيء..عطاؤك..كرمك..وصلك وعنايتك بي..

..ولكنك يا أمي قد تخلقين بيني وبين أخوتي عداوة..

تمسح على رأسه بحنان بالغ..لا تحمل هما سأرضيهم بطريقتي الخاصة..

يتنهد وهو يتذكر ذاك الحوار..يقترب من سريرها ..يضع يده على رأسها..تفتح العين وتنظر إليه..يقبلها مره ومرتين ..يشعر بأن هناك دمعة ستفر وستعلن الحزن صارخة بعمق..يبتعد..حتى لا تلمس حزنه..

يشعر بمن دخل المكان..ينظر إليه الطبيب العربي دون التفوه بكلمة يسير حيث المريضة ويخرج مسرعا بعدها..يلحقه في الممر..يسأله عن الحالة يرد بنبرة من تعود الأمور كلها وبات ميت القلب..ادع لها بالرحمة ..وغادر..

أدرك أن النهاية قادمة وأن الموت حلق في سماء الغرفة يسرع إليها خشية فوات الأوان..يعاود النداء..يمه..يمه..

يريدها أن تفيق وأن تكون معه وأن لا يغافله الموت ويأخذها منه..يحاول أن يصارع المنية..يريد أن يطيل الحياة.وأن يمد في عمرها أخذته العاطفة بعيدا جدا عن مسار العقل وأن كل شيء بإرادة الرب وأن الموت ان قدم لا يستطيع أن يستأخره ساعة..

يشعر أن داخله يبكي..ويصرخ فيه انها إرادة الحياة..نعم إرادة الحياة ودرب كلنا فيه سائرون..والحمد لله أن أطال الله في عمرها وعاصرت أبنائنا..ويرد على نفسه بصوت مسموع..ولكنه ألم الفراق..ماذا أفعل بالوله حين يزورني!!

 

يدرك حركة صادرة من السرير..يلتفت..يرى نورا يشع من وجه امرأة لا تترك السجادة أو كتاب الله العظيم..يقترب منها ..تفتح العينين بضعف..تنظر إليه بشوق..تحرك ببطيء يدها اليمنى يمسك بها بكلتي يديه..تبتسم..وتبتسم ويشعر بلفحة هواء صادر من عمق الفم لتغمض العين بعدها وتغادر..

 

 

الرجل الثالث:

 

يمضي في طريقه يدخل الدائري الرابع ..يشعر بالملل فيه ومنه فهو الدائري الأزمة في المرور والأزمة في العبور خاصة لمن يرغب في السرعة من الحزن والملل..يضيق به الطريق يلتفت يمينا ويسارا لهؤلاء المسرعين والذين يخطفون الأبصار في سرعة قيادتهم..دقات قلبه متعاليه ونفسه يضيق..وهواء المكيف يثيره مرات..مره يشعر ببرودته ومرة يشعره بحرارة تضيف لنيران صدره مزيدا من الحرارة..

أخيرا تنفس الصعداء ووصل منطقة الفيحاء..وقف قبالة البنك ينتظر أن تعبره الضيقة والآلام وحرقة الأعصاب..ينتظر أن يزوره الهدوء حتى يدرك ما سيقوله أو ما سيسمعه..دقائق تمر وهو في مكانه لا يحرك ساكنا..يعد هؤلاء الداخلين للبنك يزداد العدد وسيؤخره في طابور الانتظار..فيقرر الدخول..يستقبله ذلك الشاب عند المدخل يستفسر منه سبب الزيارة ويشير له لماكينة الأرقام..يمسك الورقة الصغيرة في يد ويجلس على أول مقعد للانتظار..بجانبه مجموعة من الرجال..يسمع صوت الشيخ وهو يعلق على العمل بإسلوب مضحك يعطي الجو والمكان راحة تنبعث من أساليب شياب الديرة..يبتسم له من بعيد لكنها ابتسامة صفراء..

فغليان الداخل مازال يفور وإن امتص الشيخ بعضا منه..

يزفر زفرات تنم عن ضيق بين..يقف..يطلب كوبا من الماء..يرتشفه دفعة واحدة..يصله حديث اثنين

…وهل البيت ” يسوى “؟

…والله يا أخي عجيب وأم العيال تصر عليه..

…الله يسهل لك هذه المعاملة

..آمين انشالله يا الأخو

يرى نفسه دون تعمد يبتسم بتهكم..آه لو تدرون حالتي..

يجلس على كرسيه مرة أخرى ينظر للجالسين يسأل نفسه كم واحد قبلي؟..يعد واحد..اثنان…ياه سبعه..

فيرى نفسه قد مل الانتظار أو مله الانتظار..يتمنى بكل قوه لو استطاع مغادرة المكان..لو…

ينفخ بصورة مسموعة…ويقف..يسير حيث طاولة صفت عليها مجموعة من المجلات يقلبها بلا مبالاه..ويرميها جانبا ويعود لمكانه وقد جلس به آخر..فيتجه لمقعد شاغر جاره فيه الشيخ الكبير..

يجلس بصمت..ينظر إليه الشيخ المرح..يسلم عليه..يخجل من نفسه كان من المفروض أن يبادر هو بالسلام..

يطالعه الآخر..يتعجب من كمية الحيرة والتوتر البادي عليه..

يضع يده على ركبته بحنان بالغ..خير انشالله..اهدأ قليلا..

ينكس رأسه على استيحاء منه..

يسمعه يردد..لا حول ولا قوة إلا بالله..ما فيه شي يستاهل يا ولدي..

يهز رأسه بصمت..

تمر دقائق ..يعاود عد الموجودين..ثلاثة أو أربعة..

يستغفر ربه بصوت مسموع..

ينظر إليه الشيخ..فالسؤال مازال معلقا ولم يعطه إجابة..

وبإلحاح العمر المقترب من الثمانين..يسأل من جديد..لماذا هو على هذه الحالة..

يلتفت صوبه ..بحاجة للحديث هو..بحاجة لإزاحة كم الحزن عن صدره..بحاجة لمشورة رجل مثله..

يدير جسده كله ناحية الرجل..فيبادره الآخر بنصيحة أن لا شيء يهم ولا شيء يدعو لأن نستنزف أعصابنا..وأن كل مشكلة ولها حل وكل ضائقة ستمر..وكل ألم سيعبر..

يهز رأسه اقتناعا أو خضوعا..وتمر لحظات صمت..يطالعه الشيخ بنظرات العطف والانتظار..

فيرفع رأسه حيث الآخر..والله يا عمي..يصمت بعدها ثوان والآخر كله آذان صاغية وكله انتباه مشدود..

…وصل لي الإنذار الأول..

..ماذا تقصد بالانذار الأول؟

..تخلفت عن سداد أقساط البيت..

بتأثر يجيب..أفا..غلط يا وليدي..قد تخسر البيت هكذا وتخسر سمعتك..

..ماذا أفعل بضيق ذات  اليد..

..الله المعين..ماذا ستفعل الآن؟

..جئت اتفق على طريقة للسداد..لعل فيه حل لمشكلتي..

يعتدل الشيخ الكبير في جلسته ويخاطبه بجدية وخبرة الكبير..شوف يا وليدي..البيت مقصد كل رجل وملاذ للأسرة وحماية لها من الذل ودليل للاحترام في المجتمع..والبيت هو الراحة لك ولمن معك..ومن لا بيت له كمن لا وطن له..ومهما كانت الظروف فرط بأي شيء إلا البيت..واجتهد كي لا تخسره..

يصمت برهة ..ثم يعاود الكلام..وأنا مثل أبوك..سأساعدك في تسديد الأقساط المتخلفة وسددها لي كما تشاء وفي أي وقت تشاء وعلى دفعات مريحة جدا لك..

يقاطعه ولكن..

يكمل الآخر حديثه دون إعطائه فرصة الاستمرار في المقاطعة

..أنا يا ابني لا وريث لدي..لي ابن واستشهد أثناء الغزو العراقي اللعين على الكويت..وأنا رجل مقتدر وغني..ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة..

يهز رأسه وقد ارتاح باله وأزيح كما هائلا من الهم عن صدره ليعود الشيخ لمرحه وأنا مثل ما أنت شايف رجل في الدنيا ورجل في القبر لعل بمثل هذه الأعمال يفرج الله بها عني كرب يوم القيامة..

يسمع جرس الأرقام الالكترونية تعلن رقمه..يقف ويشاطره العجوز الوقوف ليدخلا معا للموظف المختص وقد هدأت روحه..

 

 

 

 

الرجل الرابع :

 

وقف يطل من الزجاج على غرفة المواليد في آخر الممر يطالعهم بنظرات فيها شغف أبوي..ترى هذا أو ذاك وذلك في أقصى الغرفة هو ابني..

ياه مرت عشر سنوات مذ ارتبط بزوجته ابنة خاله مرت تلك السنوات بطولها وعرضها بأفراحها وأحزانها بحلوها ومرها..

سنوات عشر فقد فيها الأمل بأن يكون أبا..وسنوات من البحث عن العلاج لأزمة الانجاب وسنوات من الانتظار ومن التساؤلات باللسان والنظرات من الأقارب والمعارف والفرحة منذ أشهر حين بشره الطبيب بحمل الزوجة وانتهاء مرارة البقاء دون أولاد ودون أن يعج البيت بهم.

ويتنهد بعمق ..والآن تحقق الحلم.

ترى أيهم ابني..

يبصر الممرضة تقترب من باب الغرفة..تنظر إليه مبتسمة يسألها عن الابن المنتظر..تسأله الانتظار ..فترة وتعود وهي تجر السرير الشفاف ..يقترب من السرير يطل على هذا الصغير الممدد أمامه..يلمسه بأصابعه بنعومه بالغة خشية الحاق ضرر ما به..يشعر بحب جارف يحتويه لهذا المخلوق الصغير يطلب من الممرضة إعادته حيث كان ويغادر حيث غرفة الزوجة..

يقبلها على جبينها..أحبك يا أم ابني..تبتسم بود مرددة أخيرا..

يرد عليها بحنان الحمد لله على كل حال..سألنا الله وأجاب وحقق الحلم بعد الصبر..

ارتاحت الأرواح المتعبة منذ سنوات من ملل البقاء دون أولاد ومن صمت المكان داخل البيت..

يرن جرس الهاتف النقال في يده..ينظر لشاشته أمها العجوز المريضة على الطرف الآخر تسأل عن الوالد والمولود..

..بخير يا عمتي الاثنان بخير..

..ومتى ستغادر المستشفى؟

يطرح السؤال المتلقي على الزوجة تجيبه غدا حين يرى الطفل طبيب الأطفال..

.غدا يا عمتي

يغلق الهاتف ويمسك بيد الزوجة..فرحته لا توصف وفرحتها أشمل وأعم..

يودعها وقد احتواه نوع من السلام لم يعرفه من قبل على أن يأتي صباحا لأخذهما معا..

يركب سيارته ويذهب مباشرة لبيته وغرفته..يجلس لحظات ثم يغادرها حيث الغرفة الصغيرة الجانبية التي طليت باللون الأزرق الفاتح وعلق في سقفها أنواعا من الفراشات الملونة والسرير الصغير ذو الحواجز الأربعة يتوسطها وأضواء مختلفة الأشكال والأحجام والألوان أخذت أماكنها في الحجرة الصغيرة والمشاعر المختلفة المفعمة بالحياة جذبته لعالم جديد ملون الوجود هامس الرائحة حاول الابقاء على صورة ابنه في ذهنه قدر الامكان وحدس غريب يحتويه للمرة الأولى وخيال يبعده قليلا عن ارض الواقع لكنه يعود لواقع من جديد فواقعه وردي جميل..

يحاول الخروج من غرفة صغيرة لينام..تسلل بقوة حيث مرقده وعانق وسادته يربكه التفكير في لقاء الغ ومعانقة الجزء الآخر من روحه..

يطل الصباح معانقا بأشعته أطراف السرير ينظر للساعة اقتربت من الثامنة يلقي بغطاء السرير جانبا ويهم بأخذ حمام بارد بنشاط ملحوظ وهمة عالية..

تنظر خادمته نظرات استغراب لذلك الطارئ الذي يعيشه..

تلقي عليه تحية الصباح..وتسأله الفطور فيرتشف كوب الشاي على عجالة ليغادر البيت حيث ذلك الوديع القائم في إحدى أجنحته..

يدخل الغرفة يربكه شكل الزوجة واحمرار العين وصوت النحيب الداخلي..

يسألها في لهفة وفزع..خير..ما بك؟

نظر إليه نظرات عطف ورحمة ولا تجيب..

يعاود السؤال وقد دمره احساس بالخوف على المولود..

..ماذا حصل؟ هل ابني بخير

تبتعد بأنظارها عنه..يهز كتفها بيديه..أجيبي هل هو بخير؟ مات!!

تسارع بالرد..لا..لا..

يتنفس الصعداء..يمسك وجهها بحنان..ما بك؟

تصمت أكثر وتعاود البكاء

تمر فترة عصيبة عليه وهو يجهل الحدث..

..اخبريني..حبيبتي

..كان طبيب الأطفال هنا منذ لحظة و…

يلفها الصمت ليبادر هو..طيب؟!

..وقد أخبرني شيئا

يعود الصمت فارضا وجوده أكثر ويزيد من ندوب الروح والنفس

بخوف يسأل..ماذا أخبرك؟

بتردد تتكلم..أخبرني..أخبرني إن ابني..أقصد ولدنا فيه نوع من الإعاقة

بدهشة يسأل..إعاقة..أي نوع من الإعاقة..ماذا تقصدين؟ أجيبي الله يخليك

 

تغطي وجهها بيديها الاثنتين..مادري..مادري

يغادر الغرفة حيث ركن الممرات..يسأل الممرضة بعصبية واضحة عن طبيب الأطفال..تشير إلى غرفة في آخر الممر يسرع حيث الطبيب يراه يحدث آخر يعرفه بنفسه وبأنه زوج المرأة في الغرفة رقم 8 ينظر إليه الطبيب بهدوء ويجلسه على الكرسي أمامه فقد أدرك سبب مجيئه..

..ابنك..ربما..يكون من فئة الداون ساندروم

ينظر إليه باستغراب يدل على عدم فهم..

يحاول أن يفسر..أنه نوع من الإعاقات الذهنية

أخذ الطبيب يسترسل في كلامه لكن صوته ما عاد يصل إليه فالجرح أعمق من أن يعالج وشعور باقتراب من الموت من خلال اليأس حاوطه.

 

 

 

 

الرجل الخامس :

 

يلقي سنارته وهو يتكئ على حافة مركبه الصغير..شارد الذهن ضائع البصر..وصفحات الماء تتلألأ صفاء وهدوءا..وبعض من طيور النورس تشاركه وحدته..يرن هاتفه المحمول..ينظر للشاشة صديقه القديم..يقفله حالما يصمت الهاتف..يريد أن ينفرد بذاته ونفسه..ينشد الهدوء والصمت في عالم يضج إزعاجا وصخبا..يفتح الثلاجة الزرقاء ذات العطاء الأبيض بخرج منها ماء بشريه برويه ودون استعجال..يصحو من سبات التفكير ورحلة الفعل حين أحس بالسنارة على وشك الوقوع من بين يديه..يعتدل في جلسته ويعيدها لوصفها الصحيح..

يقترب من الراديو الصغير المعلق في سقف المركب…يديره يزعجه أخبار العالم وما يجري في لبنان..يغلقه ليدير المسجل على أغاني الخالدة أم كلثوم..

يسمع أزيز طراد يقترب من مركبه..تتحرك صفحات الماء وتهتز بتناغم عجيب..يسمع من بعيد صوت أحد الرجال يقول بصوت عال..السلام يا الأخو..

يرفع يده بالسلام ردا على تحيته دون التفوه بكلمة..ليعود إليه هدوء المكان..

ينظر للماء..يدنو أكثر منه يراقب حركاته ومحاولة الولوج لأعماقه ويتنهد..

ينظر لساعته مازال النهار في أوله وما أطول النهار في صيف البلاد..

اقترب من الستين هو وقد تقاعد منذ سنوات قلائل..قتله الفراغ وأبادته الوحدة منذ رحيل الزوجة وزواج العيال..

وحديث أخته يطل عليه من بين صمت الكلام..

..فهد..لا بد أن نتزوج

يتذكر كيف ضحك آنذاك ..ورد ..وهل من المعقول أن أتزوج ثانية؟!

..نعم يا خوي ..أنت بحاجة لمن شاركك حياتك الباقية وتعتني بك..

..ومن تلك التي ستعرض بي؟

..تضحك أخته بثقة ..الكثيرات..بنا ت الحلال كثيرات يردن الستر وأنت ظروفك مناسبة وحالتك جاذبه..

رد عليها بقناعه وتعقل..صعب أن يبدأ الرجل حياته من جديد مع أخرى ..

..صعب عليك أنت..لكن هناك من يبدأ مع ثانية وثالثة والأولى مازالت موجودة في حياته..

..أنا غير يا أختي

يزعجه صوت النورس الجائع..جلس على حافة القارب يرتجى طعاما فيخرج له قطعة بسكويت يأخذها ويغادر..

يعاود فتح هاتفه..لا جديد فيه..يلقي به جانبا..

ويعاود رحلة الذكرى..

..يا أختي أنا يشغلني الحداق والصيد..ووجود الربع..والعيال..

لكن بداية حياة جديدة صعب يا حبيبتي ..

..والله لو يأتي النصيب لن يرده شيء..

يضحك بصوت عال..جاء النصيب زمان وغادر..

أم كلثوم تصدح بأغنية ” فات الميعاد” ليرد بصوت مسموع..الله الله يا كوكب الشرق..

تتحرك السنارة في يده ..يسحب الخيط ..سمكة جيدة نوعا وحجما..

يلقي بها في السلة بجانب أخريات..ويغير الطعم ويلقي بها مرة أخرى في البحر..

يأخذ مجلة اشتراها مع أغراض البقالة..يقلب صفحاتها..يشده موضوعا ما..يعيده من هواجس العقل لعالم مختلف..

ينظر للسماء..الشمس ساطعة..وقد حان موعد الصلاة..

يصلي حيث مكانه متحريا القبلة..ويجلس يدعو الله طالبا الصحة والستر له ولعياله..ويترحم على أم العيال..

..والله يا فهد لو الله يفكنا من البحر..

يتذكر كيف كانت الزوجة تتضايق من كثرة خروجه للبحر خوفا عليه أحيانا ومللا أحيانا أخرى..

..        يا الغالية..أفضل من الوقوع في الخطأ..

يتنهد ويخاطبها من بعيد..شفتي يا الغالية اشلون البحر حفظني من الضياع بعدك..

تتحرك السنارة للمرة العاشرة بين يديه..ينظر للكمية..يحمد الله على رزق الله وفضل الله..ويتكلم بصوت عال..سيكون لغداء غدا حين يزورني الأولاد والبنات وأولاد الأولاد والبنات..

يتنفس بعمق وكأنه يشتم رائحة السمك المشوي “مطبق” السمك الذي يحبه وينادي بصوت عال..الله وينك يا أم العيال والله ما كان فيه أحد يسوي المطبق غيرك..

ويقولون تزوج بعدها؟

يشعر بالشمس وقد أصابها خجل الغروب وتريد المغادرة على استحياء..يلملم أغراضه ويتوكل على الله ليشتغل المحرك ويغادر حيث اليابسه..

الرجل السادس:

 

يلقي سنارته وهو يتكئ على حافة مركبه الصغير..شارد الذهن ضائع البصر..وصفحات الماء تتلألأ صفاء وهدوءا..وبعض من طيور النورس تشاركه وحدته..يرن هاتفه المحمول..ينظر للشاشة صديقه القديم..يقفله حالما يصمت الهاتف..يريد أن ينفرد بذاته ونفسه..ينشد الهدوء والصمت في عالم يضج إزعاجا وصخبا..يفتح الثلاجة الزرقاء ذات العطاء الأبيض بخرج منها ماء بشريه برويه ودون استعجال..يصحو من سبات التفكير ورحلة الفعل حين أحس بالسنارة على وشك الوقوع من بين يديه..يعتدل في جلسته ويعيدها لوصفها الصحيح..

يقترب من الراديو الصغير المعلق في سقف المركب…يديره يزعجه أخبار العالم وما يجري في لبنان..يغلقه ليدير المسجل على أغاني الخالدة أم كلثوم..

يسمع أزيز طراد يقترب من مركبه..تتحرك صفحات الماء وتهتز بتناغم عجيب..يسمع من بعيد صوت أحد الرجال يقول بصوت عال..السلام يا الأخو..

يرفع يده بالسلام ردا على تحيته دون التفوه بكلمة..ليعود إليه هدوء المكان..

ينظر للماء..يدنو أكثر منه يراقب حركاته ومحاولة الولوج لأعماقه ويتنهد..

ينظر لساعته مازال النهار في أوله وما أطول النهار في صيف البلاد..

اقترب من الستين هو وقد تقاعد منذ سنوات قلائل..قتله الفراغ وأبادته الوحدة منذ رحيل الزوجة وزواج العيال..

وحديث أخته يطل عليه من بين صمت الكلام..

..فهد..لا بد أن نتزوج

يتذكر كيف ضحك آنذاك ..ورد ..وهل من المعقول أن أتزوج ثانية؟!

..نعم يا خوي ..أنت بحاجة لمن شاركك حياتك الباقية وتعتني بك..

..ومن تلك التي ستعرض بي؟

..تضحك أخته بثقة ..الكثيرات..بنا ت الحلال كثيرات يردن الستر وأنت ظروفك مناسبة وحالتك جاذبه..

رد عليها بقناعه وتعقل..صعب أن يبدأ الرجل حياته من جديد مع أخرى ..

..صعب عليك أنت..لكن هناك من يبدأ مع ثانية وثالثة والأولى مازالت موجوده في حياته..

..أنا غير يا أختي

يزعجه صوت النورس الجائع..جلس على حافة القارب يرتجى طعاما فيخرج له قطعة بسكويت يأخذها ويغادر..

يعاود فتح هاتفه..لا جديد فيه..يلقي به جانبا..

ويعاود رحلة الذكرى..

..يا أختي أنا يشغلني الحداق والصيد..ووجود الربع..والعيال..

لكن بداية حياة جديدة صعب يا حبيبتي ..

..والله لو يأتي النصيب لن يرده شيء..

يضحك بصوت عال..جاء النصيب زمان وغادر..

أم كلثوم تصدح بأغنية ” فات الميعاد” ليرد بصوت مسموع..الله الله يا كوكب الشرق..

تتحرك السنارة في يده ..يسحب الخيط ..سمكة جيدة نوعا وحجما..

يلقي بها في السلة بجانب أخريات..ويغير الطعم ويلقي بها مرة أخرى في البحر..

يأخذ مجلة اشتراها مع أغراض البقالة..يقلب صفحاتها..يشده موضوعا ما..يعيده من هواجس العقل لعالم مختلف..

ينظر للسماء..الشمس ساطعة..وقد حان موعد الصلاة..

يصلي حيث مكانه متحريا القبلة..ويجلس يدعو الله طالبا الصحة والستر له ولعياله..ويترحم على أم العيال..

..والله يا فهد لو الله يفكنا من البحر..

يتذكر كيف كانت الزوجة تتضايق من كثرة خروجه للبحر خوفا عليه أحيانا ومللا أحيانا أخرى..

..        يا الغالية..أفضل من الوقوع في الخطأ..

يتنهد ويخاطبها من بعيد..شفتي يا الغالية اشلون البحر حفظني من الضياع بعدك..

تتحرك السنارة للمرة العاشرة بين يديه..ينظر للكمية..يحمد الله على رزق الله وفضل الله..ويتكلم بصوت عال..سيكون لغداء غدا حين يزورني الأولاد والبنات وأولاد الأولاد والبنات..

يتنفس بعمق وكأنه يشتم رائحة السمك المشوي “مطبق” السمك الذي يحبه وينادي بصوت عال..الله وينك يا أم العيال والله ما كان فيه أحد يسوي المطبق غيرك..

ويقولون تزوج بعدها؟

يشعر بالشمس وقد أصابها خجل الغروب وتريد المغادرة على استحياء..يلملم أغراضه ويتوكل على الله ليشتغل المحرك ويغادر حيث اليابسه..