قصة قصيرة …. بقلم هيا علي الفهد
” موقف “
كانت في قمة اليأس كيف بعد سنوات خمس تنتهي قصة الحب اليتيمة في حياتها وتقرر الابتعاد..فقد حلت ذلك العناد المعلن بصورة سافرة ووقحة تفرض وجودها بقوة الرفض أو الجبروت .. سنوات خمس باتت الذكرى لها تأخذ الجانب المظلم أكثر من المضيء ..الموجع أكثر من المفرح..المؤلم من الداخل لينعكس حزنا وضياعا عليها..
تجتر الذكريات فيصيبها ذلك الصداع الذي لا علاج له ..وتشعر بوخزات داخل أعماق الأعماق تبعث فيها نارا تشتعل لا تعرف الانطفاء فتتجرع مرارة الألم والقهر..
تتململ في مقعدها أمام التلفاز وقد أقفلت باب الغرفة عليها ترفض دخول أي كان منذ الصباح..تقلب في القنوات بنوع من الإحساس بنهاية العالم وكأن الصمت يحثها على اتخاذ قرارها وهي بحاجة لقرار لطالما تلاعب بعواطفها مره قرب ومرات بعد..مره حنان ومرات عدة قسوة مره تقارب والأكثرية تباعد..اختلافات متلونة حسب مزاجه وظروفه ومشاعره وهي منسية في زاوية اللا رأي ..
تتنهد بعمق وحرقه حتى لا يصبح للهواء السماح بالعبور أو المرور في رئة متعبة لتضيق بها ومعها سعة المكان..
طرقات خجلة على باب الغرفة..تتجاهلها فترة لتعاود إعلان الصوت مرة أخرى تخرسها بغضب صوتي مزمجر يأتيها الصوت من الخارج للخادمة الفلبينية ..مدام هناك من يطلبك في الهاتف تصرخ بها لتتركها في حالها..
تقلب مجلة للفن التشكيلي تتعلق عيناها برسومات للمستشرقين تطالع اللوح المطبوعة دون اهتمام ..كانت المجلة منه فهو رسام ولطالما حضرت معارضه ولطالما رسم بروتريه لها ولكثرة ماردد..أعشق قسمات وجهك وأحب أن أرسمك كانت تتلذذ بهكذا غزل..
..وأكثر ما أحب عيناك..فكل النساء في لوحاتي أخذن عينيك..
تشعر بالفرح من عشق العينين..
ليرد هو..وجهك لا يمكن تفويته في رسوماتي.
تتمدد على السرير..تتقلب وكأنها تتلوى من الألم..تحدث نفسها لابد أن تتأقلم مع قرارها..انتهى عصر الصداع..والتواجد معه صعب عليها الآن..
يرن محمولها رنة واحدة ويغلق..تنظر للرقم..رقمه..لكنها لا تهتز تحدثه بصوت مرتفع ” لقد لهوت كثيرا” يعاود الرنين لمرة واحدة..رقمه..تحدث المحمول لابد أن تكف ..
أصبحت لديها قوة عجيبة في الصمود فقد ولت لحظات الضعف منها إليه..
طرقات الباب تعود..تسمع صوت أختها من خلفه..ترد عليها بحده..ماذا تريدين؟
..افتحي الباب أولا
تقف بشيء من الملل وتسير حيث باب الغرفة..تفتحه دون النظر للأخت..تستدير قائلة..ماذا تريدين؟
..هل تذهبين معي لحضور فلم في السينما؟
ترد عليها باستهجان..متفرغه..
..أرجوك ..هذا العرض الأخير
..مالي خلق
بعصبية تسأل ..ما بك ..وضعك اليوم أكثر صعوبة مما تصورت..وبعدين؟
..أنت إنسانة مؤمنة وملتزمة ..فمهما كانت مشكلتك الصبر زين
تنظر إليها بتجدي تفتقد به طول البال على أختها..لتقول..أخرجي..
تخرج الأخت غاضبه لتقف عند طرف الباب..قائلة ..أنت لا تطاقين فكأنك العجز ذاته..
تصفق الباب في وجهها وتستلقي على السرير..مرددة ..لابد من التأقلم مع وضعي وحالتي..فليس من المعقول أن أفقد أعصابي وتوازني هو لا يستاهلني..المحمول يرن ولكنه هذه المره يستكمل الرنين..تنظر للرقم المضاء على شاشته ..تبتسم بيأس ..يروق لي رقمه..ولكن لا للعودة ولا للخضوع له من جديد ويكفي ما وصلني منه..
طرق الباب يعود..تفقد السيطرة على الذات..تفتحه بحنق واضح تتفاجأ الخادمة وتشعر بذعر بينّ..مدام هناك من يسأل عنك في الصالة..
تسألها بعصبية من؟
..صديقتك حصة..
تردد أكثر من مره..حصه..حصه
تدخل الغرفة..تعمل على ترتيب الشعر المهمل..وتخرج..
تتقابل مع صديقتها..تسلم عليها دون النظر إليها..تهمس لها..ما الذي جاء بك؟
..لقد اتصل حامد بي..ماذا حصل؟
تجلس على الصوفا..وتجلس حصه بجانبها..سيجن..
..مم؟
..يقول أنك قررت قطع العلاقة ..يتحدث بنوع من الجنون والأحوال لا تسر
تتمتم بينها وبين نفسها..حلال عليه حرام علي
تسمعها حصه..ماذا تقصدين؟
..ماذا يريد مني؟
..عجيبة ..بينكم حب كبير وعلاقة طويلة والآن تسألين هكذا سؤال..!!
..لست الوحيدة التي تستنكر قطع العلاقة..
..ماذا حصل؟ أعصابه متوترة ونفسيته تعبة للغاية
..نعم..لأني من اتخذ القرار..تعود دائما أن يكون القرار له وحده لا بحوزتي
..وحبك؟
..حبي؟ حبي داخلي للأبد
..لم أكن أتوقع أن تملكين كل هذه القوى..كان حبك ضعفك
..اليوم أصبح حبي بلا هوية
..ولكنه متلهف لك..يعانق رضاك..
..أرجوك..كفي عن غوايتي فالقرار نهائي.
تقترب حصه أكثر منها تعانقها بخوف..ولكنه لأول مره يعترف بزلاته وأخطاءه..
تلتفت إليها..ولكن فات الأوان يا صديقتي..فلم يعد هو في جدول حياتي وأيامي
تغادر حصه بعد أن لفها يأس محموم..لتدخل هي غرفتها ..تحمل هاتفها النقال..مكالمات لم يرد عليها اقتربت من العشر..تخاطبه بصوت عال..أي نوع من الذكور أنت..كنت طوع يديك وتلاعبت يداك بخداع بي..واليوم فقط حين ابتعدت عنك جننت..هكذا أنتم أيها الرجال لا تشعرون بالمرأة إلا حالما تفقدونها..وأنت بالذات لم تصدق أن يكون القرار لي لأول مره مذ ارتبطنا..
تصرخ بصوت عال..لن أعود إليك البته..لن أعود..فبعدك راحة لنفس متعبة وقلب مجروح..فقد أقلعت عنك لأول مره في حياتي..
يرن الهاتف ردا على كلامها..رقمه..تضغط على زره الأخضر تصرخ به ..لن أعود..لن أعود..كفاني ما جاءني منك من إهانات وظلم..كفاني خداع..كفاني قهر..لا أريدك..
تضغط على الزر الأحمر..وتشعر بنوع من السكينة والهدوء.
قصة قصيرة …. بقلم هيا علي الفهد
” أزمة رجل “
صحا للتو من عمليته الجراحية وتخطى بصورة بطيئة أزمته الصحية استفاق وتفحص الموجودين في الغرفة بالرغم من سيطرة المخدر على رأسه وأجزاء من جسده ..تلفت يمينا ليرى شريكة العمر تقرأ من مصحفها ونظارتها تدنو من أرنبة الأنف قليلا..شعرت به حال نطق الابنة بعبارة ” الحمد لله على سلامتك يا الغالي” تنظر الزوجة إليه دون أدنى حراك لتفر الدمعة دون سيطرة وتتمتم بكلمات الحمد والشكر للرب الرحيم..
يقترب الابن مقبلا جبينه مره ومرتين ..يرى شفتيه تبتسم مطمئنة اياهم وبأن الحياة مازالت مرتبطة به..مرت دقائق وقد هجر الفزع أفراد أسرته ليدخل الطبيب ويقترب منه يعاين الجهاز والجرح ويربت على كتفه قائلا : كل شيء على ما يرام” تعاود الزوجة عبارات الشكر للخالق والحمد له..
يفتح الابن موبايل أبيه تتواصل رنات المسجات وتعلو دون هدنة يبدأ بقراءتها للأب المريض..رسائل من أقارب وأصدقاء ومعارف..يضحك هو في سريره الأبيض ليقول ” رحم الله والدين مخترع الموبايل..فالمسجات أصبحت الرابط بين الناس”
تؤيده الزوجة وقد هدأت الروح واطمأنت ..
يستيقظ من نومه في اليوم الثاني وقد دخلت عليه زوجته ويسير خلفها السائق وقد حمل سلالا فيها عدة الشاي والقهوة وتحمل هي حلويات القهوة وقطع الشوكولاه كل ذلك استعدادا للزائرين والقادمين يحملون أمنياتهم بالصحة والسلامة..
اقتربت منه قبلت جبينه ” أبوالعيال” أدركت في أزمته مكانته وحسه الذي غاب عن البيت أيام مرضه وعرفت إن بعده عذاب والإحساس بفقدانه خسارة عمر والتواصل معه تواصل مع الحياة..
يضحك حين لمس مشاعرها وأحس بالخوف المخفي داخلها..نظرت إليه بعتاب خجل وعادت تقبل الجبين حين قال : ها يا الحبيبة عرفت مكانتي؟ لترد عليه بلغة مزح قائلة : لا تغتر بنفسك.. بس تبي الصدق ؟ معك أنت فقط أنت أشعر بأمان.
تفر دمعة من عينيه يحاول جيدا أن لا تلمسها ويفيق من حالة العشق بينه وبين الزوجة على طرقات باب زائر..
تمتلئ الغرفة بعدد كبير من رجال ونسوه..يستند هو على وسادته وقد أخذه فكره بعيدا عن واقع المكان متفحصا وجوه الموجودين أقارب..جيران..أصدقاء..رفاق عمل..اختلفت الروابط لكن تشابهت الهدف..
يتساءل بينه وبين نفسه..أكيد يعوده عدد كبير فهو يشارك الكل أفراحهم وأحزانهم في صحتهم وأمراضهم..ولابد أن يعمل العديد منهم هذا المعروف..
فناجين القهوة تدور بيد الابن وصواني الحلو تلف بين أيدي الابنة والسائق يساهم بعدة صور؟؟
يشعر بالدفء تواصل الناس معه في أزمته نعمة..
يخرجه من دائرة صمت اللسان ومن فكره أحدهم حين سأل..يا بو فيصل ماذا قال لك الطبيب؟
يدور حيث السائل..الحمد لله كل شيء على ما يرام
فيسأل آخر ظل واقفا لقلة المقاعد وامتلائها ..ومتى الخروج يا بو فيصل؟
..والله ما أدري..أعتقد بعد..أنا مازلت بحاجة للراحة ..
ويعلو صوت شيخ من بعيد..طهور إنشاء الله..أجر وعافية ..
يرد عليه بنفس نبرة الصوت ..يعافيك انشالله ..
رائحة الورد بأنواعها المختلفة بدأت تضايقه يشعر الابن بذلك فيحمل احداها ويشير للسائق بحمل البقية لتوضع في الخارج عند مدخل الغرفة..
يطلب من زوجته أن تعطيه قطعة من الحلوى..يأكلها بتمهل..
تسأله ..هل أصب لك فنجان قهوة؟
يرد..يا ليت
أفواج تأتي وأخرى تغادر..والزوجة يساورها شك في أنه قد يتعب من كثرة المجاملة..تهمس في أذنه..ها..تعبت؟ يهز رأسه بالنفي.ويقول..محبة الناس نعمة من الله..فكيف يتعب الواحد منا من نعم الله..
تدخل الممرضة تحمل صينية الأدوية..تعطيه علاجه وتطاوله الزوجة كوب الماء تخرج لتقترب منه العاملة الآسيوية تفرغ سلة المهملات التي امتلأت بالمناديل الورقية المستعملة وبقايا الحلويات
يمد يده حيث محفظته يعطيها من فئة الخمسة دنانير واحده تفرح بها وتردد..مشكور بابا..مشكور
يتنهد بعمق وقد خرج جميع الزوار وقاربت ساعات الزيارة على الانتهاء..يضع يده على صدره..تسأله الزوجة هل تحس بشيء يرد عليها مطمئنا لا تتوتري..
يحمل السائق ما قدم به من عدة الشاي والقهوة..تقترب الابنة منه سائلة..هل تريد شيئا أجلبه لك غدا؟
يرد بحنان بالغ..لا يا صغيرتي ..سلامتك..
يسأل ابنه..ناولني ما طلبته منك..
يخرج الابن مبلغا من المال يضعه في محفظة الأب ويغادر
الكل غادر وظل هو وحيدا مع نفسه..يسترجع ذكريات اليوم الوجوه والأجساد والحديث المتداول..ويتفقد البعض الذي لم يحضر بعد..ليبرر لهم..ربما غدا يأتون..أو ربما لم يعلموا عن أزمتي شيئا..
يستند على حافة السرير ..يقلب في قنوات التلفاز..يردد داخله الإنسان يحتاج للآخرين لحظة الإعياء والتعب..
أحس بالتعب الذي أخذ بالنيل منه ينظر لساعة يده الموضوعة جانبا مازال الوقت مبكرا على النوم..ولكن لابد أن أخلد للنوم..فهنا يبدأ النهار باكرا ونحن المرضى مجبرون على الاستيقاظ مبكرين يعدل من وضع السرير ويرتب وسادته ليزيح هذه الفوضى ويحاول النوم فغدا يوما جديدا وغدا سيأتي آخرون يريد أن يستقبلهم وهو بصحة جيدة ويريد من يشاركه أزمته ويريد أن يحس بخوف الزوجة واهتمام الابن وعناية الابنة..
كلمات….هيا علي الفهد
الكلمة الأولى:-
اللغة العربية جميلة خاصة حين تملك من المفردات ما يفوق اللغات الأخرى وتملك من المرادفات ما يعطى للتعبير قوته ورونقه وجماله..ولطالما أحببت الكتابة وعشقت التعبير سواء كان عن طريق الشعر أو القصة أو الكتابة في الجرائد والمجلات كمقالات..
والكلمات حلوه أي كان موقعها أو طريقتها..كلمات تعبيريه جميلة تخدمنا اللغة العربية فيها بصورة سلسلة وتجرنا معها لحلاوة الانطلاق معها يدا بيد في كتابات تعبيريه تخدم صاحبها..
إن اللغة الجميلة لابد أن تشد القارئ وتحلق به ومعه في فضاء خيالي أو واقعي رائع ..تشدك تعبيرات صاحبها..يقنعك بواسطتها برأيه وإن خالفت رأيه.. يجبرك على الإبحار في متاهات المقصود والمراد دون إرادة منك..ويريحك من عناء عمل شاق ومتعب يجعل صباحك حلوا وبلون وردي مريح واللغة إن تمكنت منها وسيطرت عليها جعلتك تعبر عن مضمونك بصورة رائعة وبآلية دقيقة توصلك لهدفك دون عناء وتشد لك قارئ السطور والكلمات دون عناد…
0