.
قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد
” شهادة “
تركت سيارتها بعد جهد في الساحة الترابية بعيدة هي عن بوابة الوزارة حيث مبنى رقم اثنين..تشعر بأن القلب منهك وقد رافقه الجسد في رحلة التعب والإرهاق تلك..
خواطر سوداء سيطرت عليها منذ يوم أمس حين بلغت من قبل مدير الشئون الإدارية بأنها مطلوبة في الشئون القانونية كشاهد لأول مرة تدخل تلك الإدارة بعد عمل مضى عليه خمس سنوات شعور بالخوف وخشيه الوقوع في الخطأ تحت بند القسم الذي سيطبق عليها فبلورة الحقيقة منهكة والشهادة أمانة ستحاسب عليها أمام الله يوما ما..وتقييم القضية صعب وجهلها بهذه التجربة يسيطر عليها ويشل تفكيرها..
تجيب على تساؤلاتها..لم كل هذا الخوف ..اهدأي فما أنت إلا شاهد لا طرف نزاع والحقيقة تحبني فأنا لم أكذب يوما ما ولا أرضى بالخطأ ولا بالظلم..
تخطو خطوات داخل الساحة التي تفصل البوابة عن المبنى كادت تصطدم بأحدهم حين سمعته يقول “انتبهي” تقف حيث هي فدقات القلب المتلاحقة مزعجة وعجلة الوقت تدور دون رحمة..تتلفت حولها تسأل ذاتها أيها تابع للشئون القانونية..تلمح اللوحة من بعيد تسير حيث المبنى التابع في الوسط..تدخل من بابه تردد دعاء المكان كما علمتها الأم الحنون ” أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق” ترهقها كثرة الممرات أمامها..تسأل إلى أين؟ وكثر هؤلاء الذي يعبرونها تستوقف أحدهم ينظر يمينا ويسارا يخبرها سيري للأمام ثم اتخذي الممر الذي على اليمين ستجدين المكاتب على اليسار تشكره وتكمل سيرها حيث مارسمه لها الرجل من خريطة ذهنية للموقع تقف عند مكاتب اليسار اللوحة تدل على وظائف أخرى ..يتحاور العقل والنفس داخلها يفترض أن تكون الشئون القانونية هنا..بصوت عال تعلق يا ربي ألا يكفي أنني أدخل هكذا دائرة حتى أتيه في أروقة وممرات لا حصر لها..!!
تطرق باب المكتب ترى موظفا جالسا على مقعده تستفسر عن الجهة المطلوبة يجيب دون أن يرفع رأسه ” آخر الممر ” أخيرا تصل حيث المقصود تخبر أحدهم أنها الموظفة مها أحمد وهي مطلوبة للشهادة اليوم..
يتصفح دفتره يردد نعم..نعم القضية عندي.
تضحك داخلها ” أصبحت لي قضية ” يطلب منها أن تنتظر حتى يستدعيها..
تخرج للممر تدور حول ذاتها..تعبره مره ومرتين تريد لهذا الاتنظار أن ينتهي وأن ينتهي الموضوع المزعج برمته..تجلس على كرسي في آخر الممر..تريد أن تريح الجسد لكن أين للروح أن تهدأ أو للعقل أن يستريح ..” هجرني الشعور بالأمان” عبارة أخذت تدور في الفكر..
آه ما أقسى زميلتي حين وضعتني في هذا الموقف..فأنا لا حاجة لي في كل هذا ولكن حظي السيئ الذي جعلني أتواجد في ذات المكان حين اختلفت مع زميل لنا..
يطول وقت الانتظار أو هكذا يخيل إليها..تنظر لساعة اليد لم تمر إلا خمسة عشر دقيقة أصبحت في نظرها أكثر من ساعة حين أبصرت القانوني يطل من باب مكتبه يبحث عنها..تسرع حيث هو..يغلق الباب خلفها..تقف..يستغرب من ارتعاش الجسد لديها..يطلب منها الجلوس والهدوء..هي قادرة على الفعل الأول لكن ماذا تفعل بالآخر..؟!
جاء العامل الآسيوي وسكب لها فنجان قهوة ارتشفته دفعة واحدة تريد السيطرة على أعصاب متلفه ومعركة عقل ودقات قلب وخوف خطف الأنفاس..
يضع كومة أوراق ..يبدأ الكتابة..اليوم والتاريخ والاسم وجهة العمل والساعة تتساءل داخلها ” حتى الساعة لم يغفل عنها”
يقول لها..في يوم الأربعاء الساعة…..التاريخ…حدث…….
يبدأ حديث النفس ..آه له مصادره..
يدور حوار دقيق بين الاثنين..سؤال وجواب هو يتحدث بحماس وأسئلة تثير لديها الغثيان..يحاول أحيانا أن يكون ظريفا معها أن يمتص حالة القلق لديها..يقول لها : سأعفيك من بعض الإجابات اعني لك مطلق الحرية في عدم الرد على نقاط معينة ان لم أكن أزعجك..
..أنت تزعجني حقا
يطالعها بنظرة استغراب
..أقصد الموقف ذاته يزعجني ..أعني ..الأمر يتعلق بي..
يبتسم من ترددها وتلعثم الكلمات على لسانها..
..تأكدي ما أنت إلا شاهد
ما باله يتعالى علي..يجب أن أكون قوية وصلبة
يعاود طرح الأسئلة ..ترد..أتصور..يقاطعها لا مجال للتصور
الدقة مطلوبة ..لكن الأرجح..أرجوك كوني حذرة ودقيقة..
آه الموضوع كله متعبا.تمر لحظات صمت من جانبهما..لكنه مازال يكتب..
تحاول الوصول لما يكتب برفع رأسها قليلا..كلمات كثر لكنها لا تستوعب شيئا منها..
توقف قليلا..تهزأ منه..” أتممت؟” يطالعها بنظرة حادة..تعاود اللجوء للصمت..يعود للكتابة هو..تطالع ساعتها مرت أكثر من ساعة يا الهي ألا يشعر بالملل..
يخاطبها..تأكدي أن وقوفك بجانب الحق رسالة وأمانة..
..أنا أخبرك بما جرى كما جرى ولا ناقة لي ولا جمل..
يسأل سؤالا آخر؟؟ ترد بهدوء واسهاب أكثر..فقد ارتاحت بعد أن دخلت التجربة وأدركت عمقها..
يعاود الكتابة وصل للصفحة الخامسة..ألا يمل أو يتعب..
يرفع الأوراق ..يرتبها بيديه يطاولها اياها..يأمرها بالقراءة ثم التوقيع..تقرأ..تضحك من العبارات المكتوبة والاسترسال في التعبير والدقة في النقل..لم يترك لا شاردة ولا واردة توقع في نهاية كل ورقة..
..خلاص؟ سؤال عبيط صدر عنها
..يرد هو أيضا بعبط مقصود..خلاص
تخرج مسرعة من المكتب من فرط السرور واجتياز تجربة ” بايخة”
تعبر ممر وممر وما أكثر ممرات تلك الوزارة ..تركب سيارتها..تجلس فترة دون أن تتحرك..تحاول السيطرة على الجسد المنهك والعقل المتعب من تجربة مره ثم تقرر مغادرة المكان..
.
قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد
” لقاء غريب “
اتخذت موقعها..كرسي خشب كبير في المنتزه يطل على بحيرة مترامية الأطراف وضعت السماعات الصغيرة على الأذن تستمع لموسيقى هادئة تبعدها أميالا عن بنود التفكير وقنوات الذكرى..تحب هذه البلاد البعيدة جدا عن الموطن الأصلي لها وعن طرقات بلدها ووجوه المعارف والأقارب والأصدقاء..تطالع بعين هدها الحزن لأسراب البط الذي افترش بعضه سطح الماء واتخذ البعض الآخر موقعة قربه ..كان قرارها وحدها بالبعد عن الوطن والأهل وعنه هو بالذات كي تفكر بصورة صحيحة لا يجرها تأثير الغير لدروب قد تندم عليها لاحقا..قرار يدمر البيت والأسرة والتاريخ المشترك بينها وبينه..لكن استحالة الحياة واستمرارها هو سبب القطيعة والرغبة في اتخاذ قرار يعيد إليها روحها المغادرة بفضله هو ومن معاملته الجافة والكريهة..
أفاقت من شرودها واجترار آلامها على ذلك الذي أخذ يشاركها المقعد وحيز المكان وهدوء الوقت..لم تنظر ناحيته اكتفت بأن أدركت بنظرة خاطفة أنه رجل وليس امرأة..
أمسكت ال آي بود ورفعت درجة الصوت قليلا وتفحصت الأشجار التي علت تناطح السماء علوا وتمايلها مع غزل الهواء في رقصة الطبيعة مع الطبيعة..
أخذ الجسد المحاذي لها بالحركة..أدارت وجهها ناحيته رأته شابا في الثلاثين أسمر البشرة يخرج من كيسه الموضوع جانبا قطعة من الخبز وماء ويأكل بصمت..تساءلت لو كنا في دولة عربية وهذا الجالس محاذيا لها لبدأ كلامه معها بكلمة ” تفضلي” حتى يكون للمشاركة نصيبا من الحوار المرغوب وبعيدا عن صمت الوحدة وحتى يكون هناك ” العيش والملح” لكن هنا الأكل منفردا..والجلوس منفردا..وحديث الروح داخل الروح لا يسمع له صدى..
اقترب احدى البط منه كأنه تعود مشاركة البشر طعامهم وحديثهم الداخلي..اخذ طرفا من خبزته وألقاه لها..
شعرت باغتصاب الهدوء والرغبة في الخلوة..تضايقت سيأتي المزيد من البط لالتهام قطع الخبز وهي تخاف البط وتخاف اقترابه..
لكن الخبز نفذ والبطة الوحيدة غادرت بعد أن أصابها نوعا من يأس المزيد..
أخذ يرتشف الماء..وينظر ناحيتها..ربما لأول مره مذ جلس يدرك طبيعة الجالس بجانبه..التقت الأعين أدركت انه قريب لها من جنس العروبه فهذا الشعر الأسود المجعد وتلك النظرات الحادة والبشرة السمراء..وهي بلباسها وحجاب الرأس لابد أنه أدرك انتماءها..
يطيل النظر حيث هي وشعرت بلسعات نظراته..تسمع صوته يأتي من بعد بفضل سماعات الأذن..يسأل..هل أنت عربية؟
تهز رأسها بالايجاب
تشعر بحركته على المقعد الطويل وقد لف جسده كله ناحيتها..الحمدلله..مذ قدمت لهذه البلاد لم أسمع لغة غير لغة الأجانب..
لهجته تأتي من دول المغرب العربية..لهجة صعبة لسرعة النطق بها..
..ومن أين أنت؟
مازالت تجيب دون أن تطالعه بشكل مباشر ” من الكويت “..قصدك من الخليج العربي
تضحك داخلها..صرنا أهل الخليج فقط واختلطت الدول..تحدث نفسها ” ألم يقولوا تعاون خليجي إذا أتى ثماره..
يعاود السؤال فترد باختصار ” نعم”
تمر لحظات هدوء مفروضه تسمعه يقول ..أنتم أهل الخليج أصحاب رفاهية..
تضيق بهذا التعليق الذي يدل على حقد مدفون..فتصمت
يعاود حديثه..لابد من الردود المشتركة بيننا مادمنا أصحاب لغة واحدة تستمر في صمتها..تطالع البحيرة بمن أرغم على الصمت..تتجاهله بعد أن استفزها بعبارة” أصحاب رفاهية” لا يدري أن جيل الفقر والعوز مازال موجودا في أب أو أم أو خال ..تتحدث عاليا..أين كنتم يا أبناء الدول الغنية حين كانت الكويت فقيرة يأكل أبناءها الجوع والمرض ؟
تسمعه يسأل ” نعم؟ لم أسمع ما قلته..
تلتفت إليه وتطالعه بنظرة ضيق..قائلة هي عقده نقص..
يرد باسلوب خارق تكمن الخلافات خلفه ” عند من؟
تقف حاملة حقيبة اليد..تراه يضحك..يستفزها ضحكه أكثر
تكلم داخلها ” أتجنبه أفضل”
يقف بجانبها..لا تكترث له..تشعر بقلقه..ليقول ..أردت أن أجد لغة الكلام بيننا ..لا أكثر..
..ولكن تعليقك سخيف
..أسف لم أقصد إهانة أو تجريح..كنت أرتجي صحبة..
أرجوك اجلسي..
تشعر بندمه فتعاود الجلوس..يشعر بنوع من الراحة تحتويه وأخذ يحدثها هذه المره بكلام أنيق..
..ما الذي أتى بك إلى هنا؟
تنظر إليه بتعجب من هكذا سؤال
يجيب على ذاته”سياحة”؟
..لا ..هروب
..هروب؟! هل فعلت شيئا ضد القانون؟
تضحك من تساؤله..
تبرق عيناه اعجابا..ضحكتك حلوة
تخرجه من حلمه سائلة : وأنت؟
..آه هروب
تضحك للمرة الثانية..يشاركها الضحك
..لكن لا تذهبي بعيدا..ليس ضد القانون..إنما هو هروب من البطالة..فأنا تخرجت منذ ثلاث سنوات ولم أعمل في بلدي لذا هاجرت إلى هنا..
..وهل وفقت؟
..عثرت على وظيفة جيدة وراتب جيد
لأول مره تطالعه بشكل مباشر..وجهه يجلب الطمأنينة وأنا أحتاج إلى شخص يسمعني دون أن يكون مدركا لتجربتي وما مررت به
..وأنت ؟ سؤال أفاق به العقل من شروده
..أنا؟
..نعم أنت..وحيدة..في بلد غريب..مم تهربين؟
..من زواجي..إجابة تزامنت مع تنهيده
..متزوجة؟
..منذ عامين بعد تخرجي مباشرة..ولكن لم أدرك أن أحزاننا تلاحقنا أينما ذهبنا..لأن المشكلة تكمن داخلنا فلا ندرك كيف نتعامل معها..
..شوفي يا أختي..مهما كانت مشكلتك..فلابد من حل ولا بد من وجود نهاية للحزن..وحماية لنفسك وصحتك وشبابك اتخذي القرار الذي يريحك دون النظر لردود فعل الآخرين.
كلماته تدمي القلب تشعل في الروح نيرانا تحرقها من الداخل..
هذا ما يجب فعله.
يحترم صمتها هذه المرة ويقف يسير باتجاه البحيرة يرمي بقطعة حجر صغيرة تكف هي عن النظر حيث هو..تقابلنا للتو لكنه أفادها أكثر مما أفادها المقربون..أولئك الذين طالما حدثوها عن ضرورة الصبر وأهمية التحمل لكن أن يصل الأمر للضرب والإهانة والتجريح وانها نكره لا أهمية لها في حياته..شيء يفوق المنطق وقدرة الروح على التحمل..
تقترب منه يطالعها بشفقة واضحة يسألها..ألا تريدين التحدث؟
يشعر بترددها..ينصحها قائلا..تحدثي فأنا مجرد غريب سيغادر مكانك وزمانك ويجهل عنوانك..تحدثي إلي كما لو كنت تتحدثين للطبيعة ..للبحيرة هذه مثلا..قد أفيدك نوعا ما..
..تزوجت..كان صديقا لأخي..رآني..أعجب بي..
تقدم لي..كل شيء عادي..لكن مع الأيام اتضح لي عنفه وسوء خلقه وعصبيته وفلتان لسانه..
تصمت لحظة..تكمل بعدها..لم أترك أثرا في نفسه ..لم يحبني كما كانوا يقولون الحب يأتي بالعشرة..ربما..ربما الخلل بي أنا..لكنني كنت زوجة صالحة..مؤدبة..مطيعة..لكن معاملته تدل على عدم احترام..
تنظر لذلك المنصت..تتساءل..اتضح أن شخصيتي ضعيفة لا اعترض..لا أناقشه..ولا أطلب..مما زاده حدة ناحيتي..ربما كرهني..رآني لا أستحق الاحترام..ولا الاهتمام..
تبكي بصوت مسموع..
هي الآن بلا أسرار مع هذا الغريب..
يضع يده على كتفها ..يرفع رأسها..تبتعد متجاهلة النظر إليه..
يأمرها بالنظر إليه..يسألها..هل أخبرت أحد أفراد أسرتك؟
الأم..الأب أي كان؟
تهز رأسها بالنفي
يجيب بعصبية واضحة..خطأ..الأهل عندنا نحن العرب ” عزوة ” هذا ما جعله يتمادى..صح؟!
تهز الرأس بالايجاب..يسألها مره أخرى,,يريدها أن تتكلم لا أن تكتفي بمجرد حركة..تجيبه من وراء نحيبها “نعم..نعم”
..لو كنت أخوك لأدبته..لن يتجرأ أي كان أن يجرح أختي..
..وصل الأمر للضرب والرفس لأتفه سبب.
يضرب كفا بكف..ليقول: لو كنت تعيشين هنا لقاضيته..
والآن؟
..الآن اتخذت قرار السفر والرحيل بعيدا وأخبرته بذلك..
.وماذا كان رد فعله؟
..لا شيء .. لم يهتم لأمر الرحيل..
..وما هو قرارك؟
..لم اتخذه بعد كل ما فعلته أنني ابتعدت عن جميع المؤثرات أريد التنفس بحرية واتخاذ قرار يكون لي وحدي..
..خير ما فعلت..صلي يا أختي وسأدعو لك بأن يكون قرارك هو القرار الصحيح..والنار داخلك مهما كانت ستغدو رمادا ذات يوم والزمن كفيل بأن يعالج جروحك فلا تبقى للمشكلة أية آثار..
يهزها من كتفها..كوني قوية ومهما تهت لابد أن تصلي لطريق الصواب..هل تفهمينني..ترد بصوت عال..نعم..وتبتسم.
تراه يبتعد بطريق محاذي للبحيرة..تتنفس بحرية..لا تستطيع أن تخدع الجميع بأنها سعيدة معه ولا أن تستمر في خداع نفسها..
القرار بزغ من بعد عتمه..مجرد أيام وتعلنه للجميع..
.
قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد
” مسألة وقت ”
يرن الهاتف المباشر لها داخل الجريدة .. ترفعه بثقل .. فالمقال اليومي أنهكها هذه المرة وأخذ وقتاً طويلاً حتى أنجز …تسمع على الطرف الأخر صوت امرأة تتصنع الأنوثة واغراء الحوار … تدرك أنها إنسانة تافهة قصدت حديثاً مستفزاً … تلف وتدور بعبارات لم تدرك كنه المقصود خلفها … فتشعر بنوع من الملل من استمرارية الحديث ….
حتى يعلو صوتها معترضاً … وبعدين ؟
… أريد أن أخبرك أموراً عن زوجك ….
يفيق العقل من حالة الخمول التي كان عليها … هناك شيء ما فاتها خلف المكالمة … وهناك شر قادم شمت رائحته … وهناك موضوع تفهمه هي بحس المرأة لديها….
تمنحها فرصة الكلام دون مقاطعة … يثيرها حديث إما كيدي أو هو واقع تجهله … شعرت بارتجاف سماعة الهاتف في يدها وبنوع من العرق البارد يلفها … حديث لم تكن تتوقعه ذات يوم ….
.. أنت تعرفين ياأم خالد أن بو خالد لديه شقه في منطقة السالمية لا تستطيع الرد … الصمت هنا هو النجاة من الولوج في حديث فاضح معها .. تدرك بحكم خبراتها أن المتحدثة لعوب وهي لا تستطيع مجاراتها …..
..وأن هناك العديد من النسوة يذهبن إليه ……..
تجد نفسها تسأل بعبط ملحوظ … من أي جنسية ؟
بثقه ترد الأخرى …. أووه … جنسيات مختلفة ….
وهل هناك من موظفات زميلات له؟
تستمر في ضحكة سخرية …. أووه … كثيرات …. أيضاً من جنسيات متعددة ….
الصمت يفرض نفسه .. صدمة منها وقوة من الطرف الآخر …..
أنت تعرفيني أم خالد …. التقينا مره أو مرتين أنا أعمل معه ….
ماهذه القوة والجرأة التي تملكها …. تعلن عن نفسها بكل وقاحة لم تتستر خلف عبارة فاعلة خير … حديث النفس داخلها يستمر …..
هي أما امرأة فاضحة وغير شريفة وأما هي صادقة فيما تقول ….
تقطع عليها خلوة الصمت والسكوت ….
أنا أملك وثائق ولدي مجموعة حقائق لما أقوله ….
….. وهل أنت إحداهن؟
تسمع ضحكة مجلجلة تهز طبلة الأذن ويقشعر لها البدن ….
لقد حاول …. ومازال … من أجل هذا اتصلت بك …
هل وضعها الزوج على لائحة المغدورين وهل العلاقة بينها وبين زوج علاقة هشه طوال تلك السنين وهل الوضع ليس على مايرام بينهما ؟؟
تشم رائحة مقرفة من مكالمة أنهكت العاطفة والقلب ….
تخرجها من الشرود داخل منظومة الخيانة بسؤال منها …
يوم السبت الماضي أين ذهب زوجك ؟
ببلاهة أو جدتها الصدمة ترد … ها ؟؟ فقدت فيها الاتزان والتعقل …..
وبقوة امرأة الشارع تجيب …. كان عندي .
تحاول أن تتنفس وتعثر على المناسب من الكلام وتطرد أثر المفاجأة من داخلها حتى تقف بقوة في وجه عاصفة قادمة … تتغير نبرة الصوت .. تدافع عن تاريخ وولد وبيت … وما أدراني بصدق كلامك وإن ما تتفوهين به ماهو الا عمل كيدي لك من ورائه مآرب أخرى …
.. أيفزعك كلامي ؟ تكمل … أصلاً أنا أخبرته إني سأتصل بك .. هل بعد ما شبع مني يهجرني ؟ وأكيد لأخرى …
وهل وعدك بشيء؟
تضحك بلا مبالاة واضحة.. حبيتي .. أصحي … أنا متزوجة ….
آه الصدمة غير محتمله تجعل الأرض تميد تمت قدميها …. هل اقتربت القيامة … هل الخيانة سمة العصر والوجود … هل الغدر قدري … أسئلة لا إجابات لها … والقلب يخفق بجنون أشبه بجنون اللحظة التي تعيشها ..
وسؤال يطل عليها من بين قذائف الموقف …. لم لا أقفل الخط بوجهها وارتاح …؟ وهل فعلاً سأرتاح .. لقد أدخلت هذه الملعونة روحي في دوائر الشك والريبة ….
..راقبي زوجك جيدا فقد تعود العبث بك وبالأخريات بعلاقة مزيفة ….
لا تستطيع أن تفهم ما تقول .. أي منا علاقته المزيفة .. أنا .أم الأخريات … وهل هذا العمر بيننا عشرين عاماً ما هو إلافقاعة صابون أو بلونات هواء تفرغ بسهولة .. تنكسر بسهولة .. تنفجر بسهولة ….
… سينكشف يوماً أمام الكل لكن الاهم أن أكشفه أمامك ….
صحت على عبارة مجنونه من إنسانه غير متزنة أخلاقاً ….
تريدين الفضيحة أذن ؟ وما الثمن …..
..لا شيء .. فقط أريدك أن تعرفيه على حقيقته …. دائماً يحسب لك ألف حساب … ويتباهى بعقلك وأدبك وتربيتك ومستواك .. يتحدث عني معك ؟
…… أعرف عنك أكثر مما تتوقعين
عارية هي أمامها … تلعن الساعة التي وضعها بهكذا موقف ….
لماذا يقحمني بالموضوع .. لماذا تتطاول هذه علي … غلطته هو وخطأه هو ….
تسأل ولكن للآن لم تعطيني أدله أو براهين أستطيع مواجهته بها …..
اسألي وسأجيب….
داخلها يردد …يالوقاحتها ….
..إن كان أسمي يرد في جلساتكم سأخاطر بأسئلة أريد إجابة صريحة عليها …
…حاضر .. ببرود تجيب
…هل ..هل حدث بينكما شيئاً؟
…مافهمت .. بذكاء تتساءل
…يعني ..هل عاشرك جنسياً…
الضحكة العابثة تعلو .. هو يريد ..يصر ..وأنا أرفض ….
ماذا أخذت منه؟
… ماذا تقصدين ؟
ملعونة هي .. تتعمد الرد بأسئلة كأنها تعلن ما بك يا غبية …
… أقصد هل أعطاك هدايا …. فلوس
بثقة يأتيها الجواب يلطم العمر الذي تحطم على صخور الخيانة…
..أكيد ..مثلاً في عيد الحب السابق أهداني حقيبة….
..من أي ماركة؟ سؤال غريب يصدر عنها يعطي دلالة قاطعة على حالة من الفوضى باتت تعيشها….
ترد …ماأدري
حديثها الداخلي يفيدها أن مستواها متدني .. وبيئتها وضيعة .. يأخذها الفكر في رحلة سابقة …
حبيبي ..كل عام وأنت الحب …
وسؤال منه ..ما المناسبة؟
..عيد الحب يا حبيبي
كيف أدار ظهره لها حينها قائلاً …تلك بدعة ألا تستمعين للأحاديث الدينية !!!
ليس ذنبك ..لا تضعي اللوم عليك .هي وسخة وهو أيضاً والله يقول الزانية لا ينكحها إلا زان …
….وماذا أيضاً؟
..شوفي حبيبتي … هو هدد بخراب بيتي ..أنا لا أهدد ..أنا أنفذ …. وصلتك الرسالة ؟
تغلق الخط ..
تشعر برغبة في الحركة … حياتي تتهدم .. تشرب من كأس الماء الموضوع على المكتب …تقرر …لابد من مواجهته ..عاجلاً وليس آجلاً ..تنظر للساعة تدنو من الثانية عشر ظهراً ..هناك وقت لكليهما ..ومكان عمله ليس ببعيد … ستواجه الاثنين على غفله منهما…
تدخل مكتبه .. يستغرب الزيارة ..فهي قلما تأتيه حيث عمله …
تسأل عن فلانه … يتفاجأ بالسؤال ..ولكنه عبث الذئب ..لا يظهر ما بداخله ..تأتي ..تراها …. تضحك الأخرى فالمفاجأة لم تثرها …يجلس الثلاثة ..تسأل هي … هل صحيح بينكما علاقة ما …
الذئب مازال على هرولته ..أكيد علاقة عمل …
تضحك الأخرى وتقول ..لا يا بوخالد … زوجتك تقصد العلاقة الأخرى ….
الموقف برمته يثير عندها غثياناً غير معهود ..تحاول السيطرة على المشاعر …”انه مجرد اختبار لها من الله”
تفضحه الأخرى ..تعيد كل ما قالته على الهاتف وتزيد عليه …
وهو أين ضاعت هيبته وشخصيته .. جردته تلك من آخر قطعة ملابس
للشرف والكرامة والرجوله وهو لا يملك الإ أن يصرخ ..”جذابه – ما صار”
التم عدد من الموظفين عليهم ..الصوت العالي سحبهم من أماكن العمل ..
وهي مجموعة مشاعر سلبية حاوطتها … دمرت فيها الزوجة والأم والأنثى وصحت على حقيقة مره .. خيانته …بل خياناته كما زعمت الأخرى …
شعرت بالخجل من موقف مدمر … لم يفت الأوان على الانسحاب ….
تركت المكان .. غادرت الممرات المتعدة في المبنى …. اجتازت المواقف
جفاف الريق أنهكها في جو حار … غصة في الصدر وألم في الفؤاد والرغبة في الصراخ ملحه …
وعبارة تدور داخلها … الصدمة التي لا تقتلك تقويك ..والمشاكل لا تستمر للأبد …. هي مسألة وقت …. والاستمرار بالتنفس دليل الحياة ….
قصة قصيرة …. بقلم هيا علي الفهد
” استسلام “
دارت بها غرفة الطبيب المختص في مستشفى مكي جمعه … أحاطها الزوج بحنان وخوف اختلط فيها نوعان من الرعشة رعشة الخوف ورعشة الصدمة…
بعد مرور أسابيع متنقلة فيها بين حجرات المستشفى ومواعيد أوقفت تدفق الهواء داخلها أعلنت النتيجة ” سرطان” مرادف الكلمة لكل من تصل اليه أحرفها معناه النهاية والموت القريب … كلنا سنموت يوماً لكن الفرق أن رحمة الله بنا كبشر أننا نجهل متى وكيف … بينما مع هذا المرض يجعل شبح الموت يطل علينا من خلال الأيام القادمة ضاحكاً…
تتظاهر بالهدوء لكنه الهدوء الذي يطوي تحته ناراً لا تعرف الانطفاء نار تشعل معها جسداً يحتضر وعقلاً سرعة التفكير فيه فاقت قدراته وقلباً هده الخوف من الآتي…
أجلسها الزوج على الكرسي لكنه أيضاً شعر بنوع من الدوار يجهله جعله يجلس قبالتها ممسكاً بيديها الاثنتين .. وبكاء داخلي أخرس كل منهما ….
يخرجهما من حالة الذهول والصمت صوت الطبيب وكأنه قادم من آخر الطريق
.. صوت متقطع قائلاً : لابد أن تأتي غداً لبدء العلاج .. سيكون عبر مراحل ..سنبدأ بـــ ——-
يضيع صوته … لم تعد تسمعه الصدمة من المرض والخوف من الغد .. وكمية حزن كبيره تحتويها والوصول للسلامة وهم وهي متجهه للنهاية لا محالة لم تعد تسمع أو تعي كل ما تفكر فيه وقع الخبر على أمها ويتم طفلتها ذات العامين …
يضغط الزوج على احدى يديها … يخرجها من جمود الشرود الذي علق بها يعيد إليها توازنها قائلا ً :- أنت مؤمنة ولا راد لقضاء الله … فلا تيأسي اعتمدي عليه سبحانه …
تنظر إليه نظرات زائغة اختفت فيها ملامح وجهة وخطوط المكان الذي تجلس فيه …
يسألها الطبيب .. غداً مناسب لك ؟
تنظر ناحيته … فاتها المقصود بالغد … ولا تقدر على الرد …
يأخذ الزوج الرد وقراره .. نعم .. سنكون هناك غداً صباحاً…
يقف الزوج .. ترفع رأسها ناحيته .. لا دموع لبكائها … فالداخل ينزف وجوماً وحزناً .. لكن النظرات تاهت وعلقت في فراغ لم تقدر على السيطرة عليه … وسؤال يئن داخلها “لماذا” منذ عام تخرجت وكانت قد تزوجت قبله وأنجبت … مازالت تحلم بالأبناء الستة الذين رغبت بهم … مازالت تحلم بالبيت الذي سيبنى لا حقاً .. مازالت عبارة أمها حين أنجبت ابنتها ترن في أذنها ” إنشاء الله تشوفينها عروس ” مازالت ومازالت … تخاطب الروح المتألمة .. كان العمر ممتداً فأنا في العشرين وبداياته كيف انتهى العمر في لحظة …
يسحبها الزوج بعد أن شعر بضيق الطبيب من تواجدهما فأعداد المرضى المنتظرين في الخارج كثر …
تسير بجانبه وصلت لآخر عنبر .. تتلف حولها … العديد من الأشخاص يعبرونها ويقابلونها .. ينشرون بعبورهم رائحة المرض وأنين الموت. المفترض أن أزوج الابنه لا أن أجعلها تضيق ذات يوم لتدرك غدر اليتم ولعنة الموت ….
يفتح باب سيارتها لها .. يدخلها .. يجلسها … يغلقه بعدها .. وهي مازالت على صمتها … لا كلمة … لا حركة … وكأن الموت سلبها منه مبكراً …
يتنفس بعمق وضيق …. يلتفت ناحيتها .. الصبر الجميل حبيتي …يردد عبارة يدرك جيداً انه لا يستطيع أن يصلها هو أو يوصلها لها …
يحرك سيارته .. يضيع في شوارع الديرة … لا يريد الذهاب للشقة لا يريد الانفراد بها حتى لا يظهر لها ضعفة وخوفه وتردده …. يسألها .. نروح مطعم .. لا ينتظر منها جواباً … يقرر الذهاب للمطعم في شارع البدع … المسافة طويلة ما بين المستشفى والمطعم ولكنه بحاجة لوقت … لوقت يسترد به بعضاً من عافيته ورد فعله وهدوء أعصابه هي بحاجة اليه … الصبر .. ليس لدي خيار آخر … فالغضب يعتريني …
يقف في مواقف قبالة مجموعة من المطاعم … ينزل ناحية بابها … مازالت قد أهملت الحديث وشربت السكوت حتى الثمالة… يفتح الباب لها ….
هي في عالم آخر .. ينزع يديها المرتبطان معا بقيود حديديه … يطلب منها النزول فالجسد تحجر وتصلب .. تنظر إليه مازالت العين غائبة عن الواقع نظرات لا تدرك معها المكان أو الأشخاص .. ” يالله ياالغالية …انزلي “
تستجيب بحركة بطيئة … يدخلان .. ينتقي زاوية بعيدة .. يتصفح قائمة الطعام يختار له ولها ….
…تعوذي من الشيطان … لابد من بارقة أمل ..
تنظر اليه حين نطق بالأمل …
…هناك تجارب عديدة لاناس عولجوا وشفوا
نظراتها مازالت معلقة به …
….. هي أزمة مؤقتة وستمر ونعبرها بعون الله
تشعر بقطرات من الدموع تصافح الخد ….
استعيني بالصبر …سأشرح لك ما قاله الطبيب … لاشيء يستدعي كل هذا الألم والبأس ..لا تستسلمي ..
تتسع عيناها عجباً من كلامه فالذي يده في الماء ليس كمثل من يده في النار …
…لن أتخلي عنك ..سأفديك بروحي ….
حديث الداخل يسيطر عليها وحديث النساء يرن في مسامعها الرجل يدفن زوجته وعينه على أخرى … ستتزوج وتنساني .. لارباط يقيدك بي للأبد ..
أبحرت في بحر متلاطم من اليأس والخوف والصراع ..” الأم والأبنه”
نفق مظلم يحيط بهما … خوف عليهما ومن صدمة معلومة مرضها وحقيقته .. يأتي الطعام … يوضع أمامها … يطلب منها الزوج الأكل .. ولكن لا إحساس بالجوع ولا رغبه في الأكل .. يقلب هو طعامه بشوكته دون رفعها لفمه … يلقي بها جانباً .. يتنهد .. يقول ..حبيبتي .. لم اليأس ؟
لأول مره تتكلم بعد أن غادرت بالصمت .. قراري يالغالي أن أموت بسلام .. تصمت برهة .. مازال ينتظر المزيد … يريد أن يفهم حتى لا تصل إليه المعاني محرفة ..أريد أن استسلم للمرض .. لا أريد علاجاً لا أريد أدوية وسرير أبيض … لا أريد مواداً كيميائية تعذبني وتغير من شكلي .. لا أريد شفقة من أحد …لا أريد أن أعبر ممراً أدركت جيداً نهايته … دعوني أموت بهدوء .. كما أنا .. اخلوا سبيلي للموت نهايتي الحتمية دون قيود أو تردد ….
تصمت هي .. لا يملك هو الرد على قرارها … أخرسته المفاجأة فعجز على أن يشير لها بأي حل .
.
قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد
” عطل “
وقفت في منتصف الطريق .. يصفعها هواء البلد الحار من كل جهة وغبار الطرقات وغمزات الشباب والشعر الذي هده غضب الريح وجنون الطوز وقطرات العرق التي عبرت الجسد كله وحفرت دروبها دون رحمة ..
تعطلت السيارة .. تتذكر قبل شهر حين خاطبته ..
… سيارتي قديمه .. انا بحاجة لأخرى
بغضب رد وقد أغلق خلفه باب الغرفة .. من وين لي فلوس مو كافي تزوجت وحده ماتشتغل ..
لم تكن غلطتي اني لم اكن موظفة .. فأنا لم أكمل تعليمي .. ولم أغشك حين تقدمت لي ..
دخلت مره اخرى سيارتها وجلست خلف المقود .. تديره .. لا يتحرك أبدا .. تقرر الاتصال به .. فالشارع يعرضها لتعليقات شباب سخيفة .. يرن هاتفه مره ومرتين .. ولا يجيب ..
تتلفت يمينا ويسارا .. علها ترى سيارة تاكسي من سيارات الأجرة التي امتلأت بها البلاد .. لا فائدة .. بالرغم من زحمة المكان ولا تمر بجانبها أي سيارة تاكسي .. تحضرها أغنية (( ياالتاكسي )) ترددها بصورة غباء بينها وبين نفسها .. فرضت نفسها كلمات الأغنية بالقوة والجبر حين فكرت بالتاكسي .. تعاود الاتصال .. لا حياة لمن تنادي .. هاتفه يرن وهو لا يرد ولا يعطيها ادنى اهتمام .. تقف سيارة شاب بجانبها .. يطرح المساعدة والخوف منه يجعلها تعاود الجلوس في مقعدها خلف المقود ..
تصرخ حين عاودت الاتصال به .. رد .. رد
تشعر بغصة عالقة في البلعوم .. تخرج .. تعاود الريح لعبتها العنيفة معها عبر الشعر مره وعبر الفستان مرات .. تدخل حبات الغبار في إحدى العينين .. تفركها بعصبية ظاهرة .. ترى دموعا تنساب على الخد لاتدري إن كانت من تأثير حبات الطوز او هو بكاء مندفع ..
الهاتف في الجانب الأخر يرن .. حتى ينقطع من ذاته ..
وألم في الصدر يعصر الحياة داخلها ويدخلها برودة الاحتضار ..
والسؤال المعلق في الهواء عاجز عن الإجابة .. أين هو ؟ ..
وحركات الرأس منها اشبه بانسان متخلف يطالع السيارات المارة بسرعة البرق بجانبها دون أن تدرك النوع والموضوع ..
تدور حول السيارة كأنها تفقه شيئا وهى الجاهلة بالموضوع من أوله لآخره .. تفيق على ذلك الرجل الذي صاح بها ” انتبهي” كانت قد اقتربت من امامه دون إدراك منها ..
تبكي أكثر .. المكان والظرف والجو المغبر كحياتها وهو .. كلها أمور ابعدتها عن المنطق والعقلانية في التصرف والتفكير ورؤية الخطوات ماذا يحصل لو صدمتهاا سيارته ؟ هكذا حدثت نفسها .. هي موته والسلام من التراب جئنا وللتراب نعود ..
مازالت تعاود الاتصال به .. لا تملك إلا المحاولة للمرة المليون وهو ..آه منه .. لا يرد .. ربما كعادته يجلس مع إحداهن ..
لن يخسرها من أجلي ؟! دقات القلب تردد العبارة الجوفاء والموجعه لن يضيع فرصته معها !! لذا لا يرد ..
تغلق باب السيارة الخربة .. تقف أمامها تريد العبور .. لكن السيارات المتلاحقه لا تترك لها الفرصه .. تقف امامها سيارة فيها مجموعة من الشباب يخاطبها الجالس بالمقعد الامامي جانب السائق .. ” توصيله ” تلعن الساعة التي وضعتها بهكذا موقف وتلومه هو ” الزوج ” أين غيرة الرجل على امرأته .. ؟! لكن لا فائدة .. الأخريات أهم .. انا مجرد امرأة لديه من عدة .. مضمونه ..لكن هى علاقات ايام او اشهر وتغادر .. لا بد أن ليستغل الفرصة فكيف يرد علي ؟
يخطر على بالها الاتصال بأخيها.. تشعر بالخجل .. ماذا تقول له زوجي يصم اذنه عن ندائي .. لا يستجيب لاتصالاتي .. لا يتحمل مسئولية الموقف .. يخونني في اليوم ألف مره .. تتنهد بحزن معهود .. تقرر مغادرة المكان .. تسير بضع خطوات تقف على احد الارصفة .. تطالع السيارة عن بعد .. ربما يصدمها سائق ارعن .. ليكن .. حتى يخلصني منها ..
تكمل السير .. تشعر بتعب هد الجسد .؟. فالكعب العالي لا يساعد على السير في الطرقات .. وعبث الريح مع الفستان ينرفزها ويكمل على الأعصاب المتعبة من الموقف ومن تجاهل اتصالها ..
مازال هاتفه يرن .. تعاود المحاولة .. مازال يرن .. لا وقت لديه للرد .. ربما ليس الوقت فقط .. ربما الظرف ذاته .. ربما هى بين يديه ووجودها بين يديه يعيق الوصول للهاتف النقال ..
تراقب المول في أخر الشارع .. مازال الطريق طويلا ..
وهؤلاء المارة كأن بعضهم يقرأ مايجول داخلها وما تحدثه بها نفسها فتشعر بنوع من الخجل ..
تأخذ في عتاب النفس .. لم الخجل .. هو المذنب ولا تزر وازرة وزر أخرى ..
الرنين ممل وعدم الرد اكثر مللا .. وأزيز الهاتف يزعج الاذن والرغبة في البكاء اختفت لتحل محلها الرغبة في الصراخ ..
هكذا أفضل عدم الاتصال بالأخ .. مخاطبة نفسها .. فهو دائما يعيب فيها ضعف الشخصية تجاه الزوج .. فعلا هكذا أفضل فالشكوى لغير الله مذلة ..
ألم القدم يحدها على الوقوف برهة .. آه من الريح العابثة بالشعر والفستان .. تماما كعبثه مع الأخريات ..
المارة يعبرون .. والعرق اختلط بذرات الغبار .. وعرقل عملية التنفس لديها .. تستمر في السير .. تطالع المبني المرتقب ..يالله قربت .. تتصل به .. يرن مرتين فقط فتغلق هاتفها .. هكذا أفضل فلا فائدة ترتجي منه تدخل من بوابة السوق التجاري يفتح الباب الاتوماتيكي تشعر ببرودة المكان أشبه في هذه اللحظة برودة عواطفها تجاهه تترحم داخلها على مخترع التكييف المركزي .. تصل مباشرة للمقهى الذي يتوسط المجمع .. تجلس على أول طاوله تشير للعاملة الأسيوية تسرع إليها إحساسا منها بالحال .. تطلب ماء وفنجان قهوة وقطعة من الكعك .. فالجوع والعطش انهكا الجسد والعقل والروح .. تدير العاملة ظهرها .. تخاطبها بصوت عال .. الماء أولا لو سمحت ..
يرتخي الجسد المنهك على الكرسي .. تحدوها رغبة في خلع الحذاء ..
يلامس قاع القدم أرضية المبنى الرخامية تشعر ببرودته تنطفئ جمرة النار في الجسد .. يطالعها الجالس بجانبها .. لا تعيره أدنى اهتمام ليضحك .. ليسخر من فعلتي تلك .. ماعاد هناك شيء يهم ..تمر لحظات .. حتى يكون الطلب على المائدة .. تأكل دون لذة ولكنه قرار لسد حاجة ما .. ترتشف القهوة وتشعر بمرارة البن داخل الفم تنفذ قارورة الماء .. تأخذ بتقليب هاتفها .. مرت قرابة الساعة مذ أغلقته تعاود فتحه .. تعطى رنة المسج دقتها المختارة .. تفتح الرسالة اتصال منه .. مرة واحده .. تسخر من حالها وتبكي على وضعها المزري معه …. تتصل ؟ أم تنتظر منه الاتصال ؟
ترد على روحها المنهكه من تعامل جارح منه .. وهل تتوقعين اتصالا منه ؟ ساعة كامله ولم يتصل سوى مره وردا على مليون اتصال منك ؟ ماذا تنتظرين منه ..؟ أي غباء هذا منك إن ظل لديك امل فيه ؟
تمر ساعة أخرى .. يرن هاتفها .. اتصال منه .. ياه .. أهذا اهتمام زوج بزوجته ؟
هل ترد أو تعامله بالمثل ..
تهدأ ثورة الأعصاب لديها لتنقشع غمامة الجهل في التصرف أو الصبر اللامنطقي أو ضعف الشخصية كما كان الأخ يبصمها به ..
لا بد من موقف يصدر عنها اليه .. ليعيد حساباته ويغير من أسلوب تعامله معها ويترك عبثه بحياتها ومشاعرها وأعصابها وإلا لو صلت لمرحلة تدخل فيها معترك الإمراض المزمنة والمستشفيات .. يجب أن أحب نفسي أكثر حتى يحبني وان اراعي ذاتي أكثر حتى يهتم بي ..
الاتصال منه للمرة الثانية .. وقرار عدم الرد هو المسيطر ..
ليصمت الهاتف لحظه .. تتصل بالأخ .. تخبره أن يأتي لأخذها من المجمع التجاري …
على الجانب الأخر يسأل .. ماذا حدث أين سيارتك وأين زوجك ؟
ترد هي من جانبها .. سأخبرك بكل شيء حين تأتي …
0