نهاية
س 16
2008
.
قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد
” نهاية “
انتفضت حين رأته داخلا..منذ أكثر من أسبوعين وهي تلمح تغيرات كثيرة عليه..نسيانه لأشخاص البيت..اتهامات لا أساس لها من الصحة..نرفزه فوق العادي والطبيعي..نظرات تتوه في الأمكنة فتختلط وضياع للوقت فيجهله..وعادات لم تكن مألوفة طوال العشرين سنة الماضية..عمر زواجهما..
كان شكله مخيفا..تقاطيع الوجه اتخذت وضعا آخر..وهندامه يدل على تسرب العقل من مكانه..وعصبية لم تعهدها به..
مشحون هو بمشاعر وأفكار سلبية..أحس بما يدور في فكرها..
ردد على مسامعها ” خايفه..خايفه؟”
بهدوء وتعقل تجيب ..لا يا بعد روحي ..أخاف من بو عيالي؟
تصدر منه ضحكة طوت حيز المكان معها..
تنظر للساعة اقتربت من التاسعة مساء..كانت قد اطمأنت منذ ساعة على تواجد الابنين..
يرفع رأسه مع نظرتها..يقول لها بحركات غير عقلانية..شفت الساعة وأنت لم تضعي لي الأكل للآن!!
اتسعت حدقة العين لديها..لقد أكل منذ أكثر من ساعة..
ولم تستطع الرد..صمتت ليخرجها من حالة الوجوم تلك صارخا..أين عشائي؟
..حاضر..حاضر سأعده لك الآن..
تحضر له بيضا وجبنا وقطعة خبز تضع الأكل أمامه وتجلس عن بعد تطالعه..
يأكل بشراهة غير معهودة كأنه لم يأكل منذ أسبوع..
يتمدد على سريره..اقتربت الساعة من العاشرة لكن الفكر ما زال على دورانه..تحاول الاسترخاء..ربما هي أزمة وستزول ويعود كما كان..
تتقلب يمينا ويسارا..غادرها النوم..وشخيره يصم أذنيها..
يعاود الفكر طرح أسئلته ودائما أسئلته لا جواب لها..
ماذا حصل له؟ ولم هو على هذه الحالة المزاجية السيئة وأصبح الفهم لديه لا تواصل بينهما وهو الزوج الحاضر والغير متواجد في آن واحد..حضوره جسديا وعقله غائب..
…يا إلهي ماذا حصل له؟ سؤال غادر موقع الداخل عندها ليفرض تواجده خارجا..
لا بد أن هناك دافعا قويا لما يمر به..
الساعة تدور..دورانها أشبه بدوران الأفكار داخلها..رتيبه..مملة..سريعة في حين وبطيئة في حين آخر..
تشعر ببرودة الجو وتشعر أنها تغوص في بحر بارد أو كأنها تسير على جليد..
تضع اللحاف على جسدها..وتأخذ جانبها الأيمن لتقرأ آية الكرسي لعلها تنام أو لعلها تغفو قليلا..لكن وجهه المخيف يطل عليها من خلف ظلام الغرفة يفزعها..ترد..لا داعي لهذه الهواجس..
الساعة تقترب من الثانية عشر والأرق استهلك عندها كل طاقات الجسد..
ضاع الوقت ما بين خوف ومشاعر سلبية ..حتى استسلمت للنوم دون إرادة منها..
سمعت الباب يفتح..رفعت رأسها حيث هو..لم تجده..حدثت نفسها ربما ذهب للمطبخ يأكل أو يشرب..
أعادت الرأس المرهق للوسادة مرة أخرى..عندما سمعته يعود وسمعت دوران القفل فيه..أخذتها الريبه للتساؤل “لماذا” يغلق الباب..فاستدارت لتجده واقفا على رأسها وبيده سكين المطبخ ألجمتها الدهشه وقيدها الخوف وظلت على حالها فصرخ فيها سأقتلك قبل أن تقتليني..
صرخات صدرت منها بعنف حين طعنها الطعنة الأولى وصوتها لم يسعفها أصبح كما لو قدم من قاع حفره..استطاعت مقاومته ووقفت وجرت حيث الباب..ولكن مفتاح الباب معه..أخذت تضرب بعنف الباب الخشبي وتصرخ منادية الابن الأكبر..تدور في الغرفة وهو يلاعبها مرة يمينا ومرة يسارا والجرح في الصدر يؤلم ويفقدها القوة والقدرة على المقاومة..
تسمع صراخ الابنين خارجا..ومحاولات لفتح الباب دون إمكانية وهو ماذا تتوقع منه ..حالة غريبة لم تعهدها سابقا فيه..
لا بد أنه جن فترى نفسها في ورطة وتواجدها مع حالته الوقتية تلك معناها الانحدار لبئر المنية..
ضعف الجسد من الطعنة الأولى أضعف قدرتها على الهروب منه..
والخوف في الجانب الآخر قيدها هو الآخر..وصراخ الابنين يصلها ضعيفا متهالكا مع قوة الصراخ الصادر منها..
تلف حول السرير وهو يضحك ببلاهة وعبط..
تنظر إليه..تتوسل إليه..وكأنه لم يكن الزوج والحبيب يوما..
يطالعها بنظرات غريبة..مخيفه..والسكين مازال الدم عالقا بها..يقترب بسرعة فائقة منها..تعاود الصراخ والبكاء والأنين..
وصوت الابن الأكبر خلف الباب..ماذا يحصل؟..افتحوا الباب..
أمي ردي علي..
يضعفها الخوف أكثر على الأبناء..يمسكها من شعرها..يلفه بيده الألم يزداد..تخاطبه بتوسل..ما بك يا أبو العيال ..أنا زوجتك حرام..حرام عليك
يصرخ فيها..أنت غريبة ..تريدين قتلي مع أبنائك..لا بد أن أقتلك قبل أن تقتليني..
يسدد إليها طعنة أخرى..تسقطها أرضا..مازالت تستعطفه ولكن العقل غاب عنه..وجنون يفزعها..وغريب هو عنها تشعر بانسلاخ الروح من الجسد وأن الله أعلن أخذ أمانته تلمح السكين ترتفع بضع مسافات لتقترب من جسدها فتغمض العين استسلاما لقدر مجنون شاركه جنونه..
تشعر بالألم يمزق الجسد المنهك ولم تعد تملك القدرة على النطق أو الصراخ أو حتى الحراك لا المقاومة..
الدموع هي فقط الناطقة في موقف لا تملك فيه الحياة مكانا..
تشعر بأن الباب كسر..وأن هناك أقدام أخرى تواصلت حركة على أرضية الغرفة..
والابن الأصغر يصرخ..يمه..يبه..
والرد لا يملك الوجود..يدنو الأكبر من أبيه يحاول مقاومته ومنعه وفي غفلة منه تغوص السكين مرة أخرى في جسد الأم الملقاه..تنظر من خلال دموعها للابن ..نظرة وداع وخوف لتختفي الصورة في حالة ضبابيه..يلتف الأب ناحية الأكبر من الأبناء صارخا..تريد قتلي أنت أيضا..يمسك بيد الأب بقوة الشاب ناظرا حيث أخيه الأصغر يجتمع الاثنان عليه يقيداه ليدركا أن الأم غادرت الحياة..يتم الاتصال بالطوارئ ..
هي حالة انفصام شخصية يسجن في مستشفى الطب النفسي للأبد.

0