يمهل ولا يهمل
ن 26
2008
قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد
“يمهل ولا يهمل”
دخلت من باب المدرسة العريض سلم ذو درجات خمس قابلها شعرت أن رأسها مثقل وأن أقدامها لم تعد قادرة على حمله..
وصلت للغرفة في زاوية الممر في الدور الأرضي دخلتها (غرفة المعلمات ) ألقت بتحية الصباح على الحضور ونظرت للجدول المعلق على لوحة خشبية ذات خلفية فلينية.. حمدت ربها أن حصتها الثالثة ففكرها جد مشحون من مشاجرة البارحة معه ..
طلت رئيسة القسم عليهن حاملة دفتر خاص تبديل الحصص اقتربت منها نظرت إليه بلا مبالاة وكأن العين فقدت قدرتها على النظر لم يعجبها ما قرأته تبدلت الحصة الثالثة بالأولى .. واعترضت وقوبل اعتراضها بحدة من قبل رئيسة القسم .. أصرت هي على الرفض وأصرت الأخرى على تنفيذ الأمر وانتصرت.
حملت دفاترها حيث الصف في الدور العلوي شاردة الذهن مكسورة النفس وعلى مدى مسافة الطريق تلعن اختيار مهنة التدريس وتحتج على كلام الرئيسة دخلت الفصل وكأنه اختلف عما كان عليه بالأمس .. كانت مرحة وطيبة مع طالباتها واليوم اختلف الحال .. نظرت الطالبات إليها بتعجب فهي لم تبادلهن ضحكا ولا مرحاً ولم تسألهن عن أحوالهن .. أعطت مادتها بصورة مملة رتيبة وخرجت حالما دق جرس الحصة ..
أرادت الاختلاء بالذات ولكن من الصعب في مهنة التدريس أن تختلي بنفسها.. رأت أن أفضل مكان هو مصلى المدرسة ولكن وجود معلمة مع طالباتها فيه حال دون ذلك فوجدت نفسها في المكتبة .. جلست في طاولة بعيدة عن مدخلها .. أسندت رأسها على كلتي يديها .. الصداع قوي وازيز المشاجرة يدق فيه واكتشاف خيانته لها أصعب من أن يحتمل..
.. لقد سمعتك تحدثها وأنت في صالة السراب
.. أنت متوهمة
.. متوهمة؟! والمسجات الغزلية التي تصلك يوميا منها ؟
.. هي من صديق
.. صديق ؟ انك والله لكذوب صفعه ما زالت تحسها على خدها الأيمن
.. لن احتمل ذلك
.. أنا لا أخون .. ما فيه زوج يراعي بيته أكثر مني
تتذكر كيف سخرت من عبارته تلك وكيف انزوت على مقعدها في غرفة النوم تبكي
.. لطالما احتملت خياناتك .. لكن الآن فاض بي .. تعبت .. لم أعد أحتمل
.. أنت مجنونة .. شكوكه
.. أنا شكوكه .. هل أكذب عين رأت أو أذن سمعت؟
.. وبعدين؟
.. أريد حلاً .. إما التوبة النصوح وإما الفراق
.. ما عندك سالفة
حمل وسادته ولحافه وغادر الغرفة لينام في الديوانية
تطالع أرفف الكتب الموضوعة بجانبها .. تقرأ عناوينها تريد أن تريح فكراً هدّه استرجاع حادثة الأمس وشجار البارحة
لم تره هذا الصباح
قلبت هاتفها النقال .. لم يتصل كعادته حين يصل لمكتبه .. ولم يصلها أي مسج منه يرن جرس المدرسة .. انتهت الحصة الثانية ومع رنينه يدق هاتفها .. ليدق قلبها معه رئيسة القسم تتساءل أين هي ؟ ولم يكن هو ليعتذر..
قررت العودة لغرفة المعلمات وإغلاق الموبايل نظرت إليها زميلتها متساءله .. ما بك ؟
أشاحت وجهها عنها وأخذت تقرأ في كتاب المدرسة المقرر..
ربما جهلت مضمونة ولم تعد تعي أهدافه ومفاهيمة كل ما تراه على صفاته صورته وخناقاته معها في الآونة الأخيرة .. تتذكر قوله لها .. لقد اعتذرت لك فماذا تنتظرين أكثر .. ؟
.. اعتذارك إن لم يصاحبه توبه وبعد عن هذا الدرب .. لا ينفع .
.. أوه .. أنت مملة وشكوكة الظاهر أنت من تخونيني.
تتنفس بعمق وألم لطالما أسقط ما يعيشه عليها دفاعاُ عن نفسه أو خير وسيلة للدفاع هو الهجوم ..
تعاود التنفس بألم مرة أخرى ..
لقد مللت .. هذا هو إحساسها الطاغي اليوم ولا بد من اتخاذ القرار للخلاص بما هي فيه ..
كلمات الصفحات تتراقص أمام عينيها لم تعد ترى ما فيها ولم تعد تدرك بما هي عليه ..
يتركني أو اتركه النتيجة واحدة ولكن لا بد من نهاية لحالات الضياع والحزن التي أعيشها معه ..
تنظر حيث دقات الباب .. العاملة تقف بيدها ورقة صغيرة تعرفها المعلمات جيداً مديرة المدرسة تطلب إحداهن .. لا تعير الأمر اهتماماً .. لكن صوت إحداهن يصل إليها إنها هي المطلوبة..
تسير حيث غرفة المديرة تشعر بضيق أكثر هي ليست بحاجة لأوامر من أحد وليست لديها القدرة لمقابلة ولي أمر أو تلقي شكوى لكن قانون العمل الذي لا مفر منه ..
تطرق باب مكتب المديرة .. وجهها يعطي أشارة لحدث ما ..
تشير إليها بالجلوس على المقعد القريب منها .. تسألها ..
.. لم هاتفك مغلق ؟
تتذكر كيف كانت رئيسة القسم تحض على إغلاقه فتجيب .. هي الأوامر يا ست هدى
.. لقد اتصلت أخت زوجك و .. مئات الأفكار أزدحمت لحظتها في العقل المنهك .. هل طلقني هل تزوج بأخرى هل ..
قطعت عليها المديرة استرسال الفكر ..
حين خاطبتها بصوت يشوبه حزن واضح
.. لقد حدث حادث لزوجك
رفعت رأسها ناحية مديرتها ..
.. وهو في المستشفى وحالته خطيرة
احست بنوع من الندم المغلف بتأنيب الضمير على زعله وخناقها معه ليلة البارحة ونومه منفرداً ..
.. تستطيعين الخروج
اسرعت أخذت حقيبتها وفتحت هاتفها المغلق كان عدد الاتصالات كبير اتصلت بأخته لم ترد أول مره عاودت الاتصال .. سمعتها على الجانب الآخر تبكي وتولول .. هل مات ؟ الفكرة التي علقت في الذهن وخاف اللسان من النطق بها ..
من وراء صوت النحيب تسأل أخته أين أنت تعالي بسرعة ..
المسافة من المدرسة للمستشفى طويلة بعض الشيء لكن ازدحام الطرقات أطالها أكثر .. كل ما فيها تحجر .. الدمع والقلب والعقل ..
ركنت سيارتها في أقرب موقف حملت جسدها المنهك حيث غرفة العمليات..
رأت أهله كلهم .. الأب والأم والأخوة والأخوات وأخيها الوحيد .. اقترب منها يضمها .. يشاركها أحساس الألم والخوف ..
.. متى حصل الحادث ؟
.. في الساعة التاسعة والنصف
.. كان من المفروض أن يكون في عمله هذه الساعة .. ما الذي اضطره للخروج منه ؟ أبعد وجهه عنها .. كأنه لا يريد لها أن تعرف شيئاً ما ..
لا تستطيع أن تبكي .. ليس انصافاً ما يحدث معها .
تقبل رأس أمه عطفاً على حالتها
تسأل .. كم مضى وهو في غرفة العمليات تجيب أخته .. أكثر من ساعة ونصف.
حتى الأفكار توقفت لديها .. وبات الصمت هو المسيطر . الصمت في الكلام والصمت في المشاعر .. فقد جرحها كثيراً لدرجة تبلد العواطف وغدت دوماً كمن يركض في دوائر الشك والحيرة .. ودوماً هو الخائن.
تفيق على ذلك القادم من بعيد .. يعرف نفسه ويلقي بقنبلة المفاجأة التي تحدث دوياً مميتاً داخلها ..
أخذ الجميع يلتفت ناحيتها بصورة لا إرادية بأنهم ينتظرون منها تعليقا أو كأنما يعتذرون من حقيقة مزعجه .. يعيقها الخبر ويقطع عملية التنفس لديها ..
وسؤال أو حد يدور ويدور في مخيلتها هل وصل لهذه الدرجة من الدناءة .. أن يخرج مع إحداهن هكذا علناً أمام الناس متناسياً أنه قد يتعرف عليه أحد ..
تسحبها الذاكرة المتعبة للحظات الشجار وكيف إنتهت حين قالت له (( أدعو الله أن يسقطك في شر أعمالك )).
ترى هل هذا الحادث هو ما دعوت الله فاستجاب في لحظة مرور ملاك
يقال أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب..
هو الآن في شر أعماله .. آلام جسد وفضيحة وخسارة مادية ومعنوية تخرجها أمه من الضياع أكثر في دوامه الذكرى العفنة .. حين قالت .. لا بد أن هناك خطأ ما ..
تنظر إليها بعطف وترد .. أي خطأ خالتي ؟ هذا رجل قانون يسأل عن تلك التي كانت معه وهي في حالة غيبوبة في الجناح الآخر للنساء..
تشعر برغبة في البكاء . تبكي يقترب الجميع منها متعاطفا معها .. يطمئنها أخوه .. هي أزمة وسيتغلب عليها بإذن الله ..
يظن أنها تبكي من أجله .. جاهلاً أنها تبكي منه ..
تبتعد عن الجميع تمسح دموعها وتحدث نفسها لا بد أن استعيد الثقة بنفسي .. وكل ما يحدث لي مكتوب علي.
تسأل في عنبر النساء عنها .. يشار بأنها تحت الملاحظة غائبة عن الوعي..
هل هو عقاب الرب .. ؟ خاصة حين دخلت مملكة محرمة وملك لأخرى..
آه الموضوع برمته يزعجني .. لا بد من الرحيل بعيداً .
تراهم على حالهم وقد أحاطوا بالطبيب
يتساءلون .. لا بد أنه حدث خطير .. منظرهم يشير لذلك
انتظرت فهي لا تريد العودة حيث هم ثم اقتربت بعد أن غادر الطبيب.
دنت أكثر. أمه منهاره والأخت تبكي بحرقة والوجوم غطى وجوه الأخوة الرجال .. فقد القدرة على المشي الإصابة بالعمود الفقري .. سيبقى بقية عمره على كرسي متحرك ..
غادرت المستشفى.. الوصول حيث السيارة فيه مشقة .. والدوران في شوارع البلد هروب من واقع وحادثة وخناقة مملة ..
تضع رأسها في حضن الأم .. تبكي .. الأم تظن أن البكاء للزوج الحبيب لكنها تخبرها بما حصل بينه وبينها..
.. تعبت يا أمي خياناته كثيرة .. وقد جرحني مراراً..
.. ولكنةالآن بحاجة إليك يا إبنتي أزمته كبيرة ودورك الوقوف بجانبه بعصبية ترد .. أقف معه ؟ الحادث حصل يا أمي ومعه أخرى
.. المرأة الأصيلة هي التي تقف بجانب زوجها في أزماته بغض النظر عن طبعه وتصرفاته
محتجه .. لا يمكن .. لا يمكن .. أنا قررت تركه بعد شجار أمس فما بالك بعد حادث اليوم
.. غلط يا أبنتي سيتكلم عنك الجميع..
أنا لم أرتكب خطأ .. الخطأ هو الذي يغطيه هو .. والله يمهل ولا يهمل ..
.. ما يجوز يا أبنتي الشماتة بمريض.
أحست كأنها تغوص في محيط لا نهاية له وأنها وحيدة … امرأة مجروحة ..دخلت غرفتها القديمة .. تمددت على السرير رن هاتفها النقال .. رقم أخته
.. نعم ..
.. مابك .. ؟ أحمد يسأل عنك بعد أن أفاق.
تصمت لحظات طويلة
الأخت على الجانب الآخر تتنفس وصوت أنفاسها تعبرها دون أن تملك القدرة على التجاوب معها.
.. ما بك ؟
السؤال يعاد والإجابة مطحونة داخلها
أجيبي .. هل أنت هنا ؟
بثقل ترد .. نعم .. نعم
.. ألن تأتين ؟
.. لا
تعجبت أخته وهي الزوجة المغرمة
.. ماذا يحصل .. بربك
.. ألم تصل إليك الأخبار !!
كان معها .. مع الأخرى.
بهدوء تطلب منها التعامل مع الموقف بعقلانية وتسامح
تعالي إلى المستشفى ولكل حادث حديث
.. لا ..
بعصبية تسأل .. ألن تقفي معه في أزمته ؟
.. لا
.. أين سيذهب أذن ؟!
.. خذيه في بيتك .. أو بيت أمه أو ..
تقاطعها وأين دورك أنت من كل هذا ؟
.. لا دور لي .. هو انتهى بالنسبة لي
.. تواجدك فيه علاج له
.. تواجدي فيه انتحار لكياني ..
استطاعت الخيانة أن تعطيها القوة لإغلاق الهاتف في وجه أخته قبل إنهاء حوار لا فائدة منه..
عاودت الاستلقاء على السرير القديم تصدر منها بسمة سخرية ..
أنانيه أخته ..
لم يقفوا معي في خناقاتي المتعددة معه أو في غدره والآن .. يطلبون مني الوقوف معه!!
تشعر كما لو خرجت من حفرة طمرت فيها طويلاً أعاقت التنفس لديها.
الباب يفتح ببطء يدخل الأخ .. وجهه عابس يقترب منها يمسك يدها وهي بالكاد تتنفس.
يحدثها بحنان واضح .. هل ما سمعته من أخته صحيح ؟
تنظر إليه بعنق ملوي دون التفوه بكلمة ..
.. حبيبتي .. دورك كبير وهو محتاج إليك الآن ..
تعاود النظر إليه دون النطق بشيء
.. خذي يوم .. يومين لإعادة التوازن لفكرك .. وبعدها لا بد من زيارته.
تعيد رأسها حيث هو
ويعيد هو حديثه سأكون إلى جانبك والقرار يفرض ذاته
.. لن أقف معه في أزمته سأطلب الطلاق وإن اضطررت لدخول المعركة وحدي .. فالقانون في صفي ولن أتراجع عن استرداد عافيتي بعد أن دمرها هو ..
0