قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد

 

“يمهل ولا يهمل”

        دخلت من باب المدرسة العريض سلم ذو درجات خمس قابلها شعرت أن رأسها مثقل وأن أقدامها لم تعد قادرة على حمله..

وصلت للغرفة في زاوية الممر في الدور الأرضي دخلتها  (غرفة المعلمات ) ألقت بتحية الصباح على الحضور ونظرت للجدول المعلق على لوحة خشبية ذات خلفية فلينية.. حمدت ربها أن حصتها الثالثة ففكرها جد مشحون من مشاجرة البارحة معه ..

طلت رئيسة القسم عليهن حاملة دفتر خاص تبديل الحصص اقتربت منها نظرت إليه بلا مبالاة وكأن العين فقدت قدرتها على النظر لم يعجبها ما قرأته تبدلت الحصة الثالثة بالأولى .. واعترضت وقوبل اعتراضها بحدة من قبل رئيسة القسم .. أصرت هي على الرفض وأصرت الأخرى على تنفيذ الأمر وانتصرت.

حملت دفاترها حيث الصف في الدور العلوي شاردة الذهن مكسورة النفس وعلى مدى مسافة الطريق تلعن اختيار  مهنة التدريس وتحتج على كلام الرئيسة دخلت الفصل وكأنه اختلف عما كان عليه بالأمس .. كانت مرحة وطيبة مع طالباتها واليوم اختلف الحال .. نظرت الطالبات إليها بتعجب فهي لم تبادلهن ضحكا ولا مرحاً ولم تسألهن عن أحوالهن .. أعطت مادتها بصورة مملة رتيبة وخرجت حالما دق جرس الحصة ..

أرادت الاختلاء بالذات ولكن من الصعب في مهنة التدريس أن تختلي بنفسها.. رأت أن أفضل مكان هو مصلى المدرسة ولكن وجود معلمة مع طالباتها فيه حال دون ذلك فوجدت نفسها في المكتبة .. جلست في طاولة بعيدة عن مدخلها .. أسندت رأسها على كلتي يديها .. الصداع قوي وازيز المشاجرة يدق فيه واكتشاف خيانته لها أصعب من أن يحتمل..

.. لقد سمعتك تحدثها وأنت في صالة السراب

.. أنت متوهمة

.. متوهمة؟! والمسجات الغزلية التي تصلك يوميا منها ؟

.. هي من صديق

.. صديق ؟ انك والله لكذوب صفعه ما زالت تحسها على خدها الأيمن

.. لن احتمل ذلك

.. أنا لا أخون .. ما فيه زوج يراعي بيته أكثر مني

تتذكر كيف سخرت من عبارته تلك وكيف انزوت على مقعدها في غرفة النوم تبكي

.. لطالما احتملت خياناتك .. لكن الآن فاض بي .. تعبت .. لم أعد أحتمل

.. أنت مجنونة .. شكوكه

.. أنا شكوكه .. هل أكذب عين رأت أو أذن سمعت؟

.. وبعدين؟

.. أريد حلاً .. إما التوبة النصوح وإما الفراق

.. ما عندك سالفة

حمل وسادته ولحافه وغادر الغرفة لينام في الديوانية

تطالع أرفف الكتب الموضوعة بجانبها .. تقرأ عناوينها تريد أن تريح فكراً هدّه استرجاع حادثة الأمس وشجار البارحة

لم تره هذا الصباح

قلبت هاتفها النقال .. لم يتصل كعادته حين يصل لمكتبه .. ولم يصلها أي مسج منه يرن جرس المدرسة .. انتهت الحصة الثانية ومع رنينه يدق هاتفها .. ليدق قلبها معه رئيسة القسم تتساءل أين هي ؟ ولم يكن هو ليعتذر..

قررت العودة لغرفة المعلمات وإغلاق الموبايل نظرت إليها زميلتها متساءله .. ما بك ؟

أشاحت وجهها عنها وأخذت تقرأ في كتاب المدرسة المقرر..

ربما جهلت مضمونة ولم تعد تعي أهدافه ومفاهيمة كل ما تراه على صفاته صورته وخناقاته معها في الآونة الأخيرة .. تتذكر قوله لها .. لقد اعتذرت لك فماذا تنتظرين أكثر .. ؟

.. اعتذارك إن لم يصاحبه توبه وبعد عن هذا الدرب .. لا ينفع .

.. أوه .. أنت مملة وشكوكة الظاهر أنت من تخونيني.

تتنفس بعمق وألم لطالما أسقط ما يعيشه عليها دفاعاُ عن نفسه أو خير وسيلة للدفاع هو الهجوم ..

تعاود التنفس بألم مرة أخرى ..

لقد مللت .. هذا هو إحساسها الطاغي اليوم ولا بد من اتخاذ القرار للخلاص بما هي فيه ..

كلمات الصفحات تتراقص أمام عينيها لم تعد ترى ما فيها ولم تعد تدرك بما هي عليه ..

يتركني أو اتركه النتيجة واحدة ولكن لا بد من نهاية لحالات الضياع والحزن التي أعيشها معه ..

تنظر حيث دقات الباب .. العاملة تقف بيدها ورقة صغيرة تعرفها المعلمات جيداً مديرة المدرسة تطلب إحداهن .. لا تعير الأمر اهتماماً .. لكن صوت إحداهن يصل إليها إنها هي المطلوبة..

تسير حيث غرفة المديرة تشعر بضيق أكثر هي ليست بحاجة لأوامر من أحد وليست لديها القدرة لمقابلة ولي أمر أو تلقي شكوى لكن قانون العمل الذي لا مفر منه ..

تطرق باب مكتب المديرة .. وجهها يعطي أشارة لحدث ما ..

تشير إليها بالجلوس على المقعد القريب منها .. تسألها ..

.. لم هاتفك مغلق ؟

تتذكر كيف كانت رئيسة القسم تحض على إغلاقه فتجيب .. هي الأوامر يا ست هدى

.. لقد اتصلت أخت زوجك و .. مئات الأفكار أزدحمت لحظتها في العقل المنهك .. هل طلقني هل تزوج بأخرى هل ..

قطعت عليها المديرة استرسال الفكر ..

حين خاطبتها بصوت يشوبه حزن واضح

.. لقد حدث حادث لزوجك

رفعت رأسها ناحية مديرتها ..

.. وهو في المستشفى وحالته خطيرة

احست بنوع من الندم المغلف بتأنيب الضمير على زعله وخناقها معه ليلة البارحة ونومه منفرداً ..

.. تستطيعين الخروج

اسرعت أخذت حقيبتها وفتحت هاتفها المغلق كان عدد الاتصالات كبير اتصلت بأخته لم ترد أول مره عاودت الاتصال .. سمعتها على الجانب الآخر تبكي وتولول .. هل مات ؟ الفكرة التي علقت في الذهن وخاف اللسان من النطق بها ..

من وراء صوت النحيب تسأل أخته أين أنت تعالي بسرعة ..

المسافة من المدرسة للمستشفى طويلة بعض الشيء لكن ازدحام الطرقات أطالها أكثر .. كل ما فيها تحجر .. الدمع والقلب والعقل ..

ركنت سيارتها في أقرب موقف حملت جسدها المنهك حيث غرفة العمليات..

رأت أهله كلهم .. الأب والأم والأخوة والأخوات وأخيها الوحيد .. اقترب منها يضمها .. يشاركها أحساس الألم والخوف ..

.. متى حصل الحادث ؟

.. في الساعة التاسعة والنصف

.. كان من المفروض أن يكون في عمله هذه الساعة .. ما الذي اضطره للخروج منه ؟ أبعد وجهه عنها .. كأنه لا يريد لها أن تعرف شيئاً ما ..

لا تستطيع أن تبكي .. ليس انصافاً ما يحدث معها .

تقبل رأس أمه عطفاً على حالتها

تسأل .. كم مضى وهو في غرفة العمليات تجيب أخته .. أكثر من ساعة ونصف.

حتى الأفكار توقفت لديها .. وبات الصمت هو المسيطر . الصمت في الكلام والصمت في المشاعر .. فقد جرحها كثيراً لدرجة تبلد العواطف وغدت دوماً كمن يركض في دوائر الشك والحيرة .. ودوماً هو الخائن.

 تفيق على ذلك القادم من بعيد .. يعرف نفسه ويلقي بقنبلة المفاجأة التي تحدث دوياً مميتاً داخلها ..

أخذ الجميع يلتفت ناحيتها بصورة لا إرادية بأنهم ينتظرون منها تعليقا أو كأنما يعتذرون من حقيقة مزعجه .. يعيقها الخبر ويقطع عملية التنفس لديها ..

وسؤال أو حد يدور ويدور في مخيلتها هل وصل لهذه الدرجة من الدناءة .. أن يخرج مع إحداهن هكذا علناً أمام الناس متناسياً أنه قد يتعرف عليه أحد ..

تسحبها الذاكرة المتعبة للحظات الشجار وكيف إنتهت حين قالت له  (( أدعو الله أن يسقطك في شر أعمالك )).

ترى هل هذا الحادث هو ما دعوت الله فاستجاب في لحظة مرور ملاك

يقال أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب..

هو الآن في شر أعماله .. آلام جسد وفضيحة وخسارة مادية ومعنوية تخرجها أمه من الضياع أكثر في دوامه الذكرى العفنة .. حين قالت .. لا بد أن هناك خطأ ما ..

تنظر إليها بعطف وترد .. أي خطأ خالتي ؟ هذا رجل قانون يسأل عن تلك التي كانت معه وهي في حالة غيبوبة في الجناح الآخر للنساء..

تشعر برغبة في البكاء . تبكي يقترب الجميع منها متعاطفا معها .. يطمئنها أخوه .. هي أزمة وسيتغلب عليها بإذن الله ..

يظن أنها تبكي من أجله .. جاهلاً أنها تبكي منه ..

تبتعد عن الجميع تمسح دموعها وتحدث نفسها لا بد أن استعيد الثقة بنفسي .. وكل ما يحدث لي مكتوب علي.

تسأل في عنبر النساء عنها .. يشار بأنها تحت الملاحظة غائبة عن الوعي..

هل هو عقاب الرب .. ؟ خاصة حين دخلت مملكة محرمة وملك لأخرى..

آه الموضوع برمته يزعجني .. لا بد من الرحيل بعيداً .

تراهم على حالهم وقد أحاطوا بالطبيب

يتساءلون .. لا بد أنه حدث خطير .. منظرهم يشير لذلك

انتظرت فهي لا تريد العودة حيث هم ثم اقتربت بعد أن غادر الطبيب.

دنت أكثر. أمه منهاره والأخت تبكي بحرقة والوجوم غطى وجوه الأخوة الرجال .. فقد القدرة على المشي الإصابة  بالعمود الفقري .. سيبقى بقية عمره على كرسي متحرك ..

غادرت المستشفى.. الوصول حيث السيارة فيه مشقة .. والدوران في شوارع البلد  هروب من واقع وحادثة وخناقة مملة ..

تضع رأسها في حضن الأم .. تبكي .. الأم تظن أن البكاء للزوج الحبيب لكنها تخبرها بما حصل بينه وبينها..

.. تعبت يا أمي خياناته كثيرة .. وقد جرحني مراراً..

.. ولكنةالآن بحاجة إليك يا إبنتي أزمته كبيرة ودورك الوقوف بجانبه بعصبية ترد .. أقف معه ؟ الحادث حصل يا أمي ومعه أخرى

.. المرأة الأصيلة هي التي تقف بجانب زوجها في أزماته بغض النظر عن طبعه وتصرفاته

محتجه .. لا يمكن .. لا يمكن .. أنا قررت تركه بعد شجار أمس فما بالك بعد حادث اليوم

.. غلط يا أبنتي سيتكلم عنك الجميع..

أنا لم أرتكب خطأ .. الخطأ هو الذي يغطيه هو .. والله يمهل ولا يهمل ..

.. ما يجوز يا أبنتي الشماتة بمريض.

 أحست كأنها تغوص في محيط لا نهاية له وأنها وحيدة … امرأة مجروحة ..دخلت غرفتها القديمة .. تمددت على السرير رن هاتفها النقال .. رقم أخته

.. نعم ..

.. مابك .. ؟ أحمد يسأل عنك بعد أن أفاق.

تصمت لحظات طويلة

الأخت على الجانب الآخر تتنفس وصوت أنفاسها تعبرها دون أن تملك القدرة على التجاوب معها.

.. ما بك ؟

السؤال يعاد والإجابة مطحونة داخلها

أجيبي .. هل أنت هنا ؟

بثقل ترد .. نعم .. نعم

.. ألن تأتين ؟

.. لا

تعجبت أخته وهي الزوجة المغرمة

.. ماذا يحصل .. بربك

.. ألم تصل إليك الأخبار !!

كان معها .. مع الأخرى.

 بهدوء تطلب منها التعامل مع الموقف بعقلانية وتسامح

تعالي إلى المستشفى ولكل حادث حديث

.. لا ..

بعصبية تسأل .. ألن تقفي معه في أزمته ؟

.. لا

.. أين سيذهب أذن ؟!

.. خذيه في بيتك .. أو بيت أمه أو ..

تقاطعها وأين دورك أنت من كل هذا ؟

.. لا دور لي .. هو انتهى بالنسبة لي

.. تواجدك فيه علاج له

.. تواجدي فيه انتحار لكياني ..

استطاعت الخيانة أن تعطيها القوة لإغلاق الهاتف في وجه أخته قبل إنهاء حوار لا فائدة منه..

عاودت الاستلقاء على السرير القديم تصدر منها بسمة سخرية ..

أنانيه أخته ..

لم يقفوا معي في خناقاتي المتعددة معه أو في غدره والآن .. يطلبون مني الوقوف معه!!

تشعر كما لو خرجت من حفرة طمرت فيها طويلاً أعاقت التنفس لديها.

الباب يفتح ببطء يدخل الأخ .. وجهه عابس يقترب منها يمسك يدها وهي بالكاد تتنفس.

يحدثها بحنان واضح .. هل ما سمعته من أخته صحيح ؟

تنظر إليه بعنق ملوي دون التفوه بكلمة ..

.. حبيبتي .. دورك كبير وهو محتاج إليك الآن ..

تعاود النظر إليه دون النطق بشيء

.. خذي يوم .. يومين لإعادة التوازن لفكرك .. وبعدها لا بد من زيارته.

تعيد رأسها حيث هو

ويعيد هو حديثه سأكون إلى جانبك والقرار يفرض ذاته

.. لن أقف معه في أزمته سأطلب الطلاق وإن اضطررت لدخول المعركة وحدي .. فالقانون في صفي ولن أتراجع عن استرداد عافيتي بعد أن دمرها هو ..



0

 

قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد

 

نقطة بداية

نقطة نهاية

 

كان لزاما على أن اتخذ قراري..سواء كان بإرادتي أو أن الظروف الراهنة هي التي فرضته علي. فلعنة الفشل أخذت تحاوطني من كل جانب وسوء الاختيار هو المسيطر والقرار فاسد  تبدلت به كل طرائق التفكير وأصيبت المشاعر بتدمير فأصبحت تعيسه وأفرطت في حزن لا قرار له ولم تعد السعادة تنتبه لوجودي ومكاني وصرت أفتقد الفرح بكل درجاته وألوانه وأخذت الظروف تصعب أمام ناظري وفاتتني أمور عدة ولم أعد أطمح لشيء وتفاصيل النهاية عالقة في ذهني.

لذا قررت أن أكتب هذه الليلة أوضح مشاعري واضطرابي ولجبني آثرت أن أرسل ما أكتب ” لا يمليك ” قد تقرأه مباشرة وقد تراه صباحا وقد يختفي ما كتبت للهوك وتراه لاحقا..لكنه حديث النفس البشع والذي آلمني أسابيع عدة ولابد أن يصل إليك نوعا من الأنانية المقنعة حتى تشاركني يأسي ونزيف جرحي فربما تشعر بتأنيب الضمير مرة.

فالتفكير في صمت مزعج ولابد أن تشاركني فمن غير المعقول والمقبول أن تبدأ أنت فرحة جديدة وأدفن أنا في نهاية مسيطرة ومقررة علي ومفروضة..

كانت بدايتك معها بعد سنوات بدأتها معي ولظرف ما وفي وقت ما رحلت أنت لبدايتك وحاوطتني أنا نهايتي معك واستحالة أن تلتقي نقطة البداية بنقطة النهاية..

داخلي اليوم كميات حزن لا أدري من أين أتت أو كيف تجمعت..ربما لغدرك بي وربما لنهايتك معي وربما لبدايتك معها..لكني هنا وفي موقعي هذا أشم رائحة الظلم تؤذيني وتعيق عملية التنفس لدي..

كنت تخاطبني دوما بأن عشقك لي من النوع الأبدي..وأنك تملك لي حبا وحرصا يمتد للبحور كلها..للسماء والقاع للموت والحياة..وبعد سنوات عشر عشتها معك بكل تجاربها ولياليها وغرامها تأتي الأخرى لتسطو عليك تساعدها برغبة مغفلة وتمد لها أيدي تدل على مكر وخيانة ..فلا يمكن لأي امرأة  تأخذ رجلا إلا أن ساهم هو في ذلك..

أخبرتني في سنتي الأولى معك..قلت لي وأنت تجلس على ركبتك ساجدا لي..

..حبيبتي..انظري لقد جرحت إصبعي وسأمزجه بدمك..

وكتبته على ورقة أخذت شكل قلب وقلت أحبك للأبد..

لحظتها..تذكر..؟ ضحكت بطفولة نقية وفرحت من كل قلبي بحبك وقلبك..لم أكن أدرك بسنيني القليلة أن كل ذلك هراء..

ومثلما كان وقتها الفرح بيّن اليوم يا حبيب عمري الحزن بيّن..

مجرد التخيل أنك معها في فراش واحد تعيد على مسامعها نفس الآهات التي أسمعتني إياها..إن هذا غير منصف. البارحة ..فتحت خزانتك كانت تحتوي على بقايا ثياب متناثرة هنا وهناك أخذت قطعة قربتها من أنفي..أبحث في خباياها عن رائحتك ..عن وجودك عن آثارك قد يحملك الغرور اللحظة لأبعد من استمرار بعدك وقد تهزأ وقد  تريها ما كتبت وقد تتألم كما أريد ..لكن أعلم أن نفسي شاخت في بعدك..

أطالع في هذه اللحظة فلما وضع بالصدفة في قناة روتانا ” آسفة أرفض هذا الطلاق ” قد أكون شاهدته سابقا لكنه اليوم يستنزف طاقاتي وجعلني أتساءل هل لو رفعت قضية مثل مرفت أمين هل سأكسبها ؟ قد لا يكون الأمر سيئا لكن في مجتمعي قد يكون نهاية العالم سمعت أنك سافرت معها لنفس البلد الذي قضينا فيه شهر عسلنا الأول وزرناه فيما بعد مرارا استرجاعا لذكراه ترى ..لماذا اخترته لها ..هل تعيد التاريخ عندك ؟  هل هو أكثر إثارة للاهتمام لديك ؟ أم هل تبحث عني في زوايا مكانه وأطرافه وتراني في طرقاته؟

ربما ما أتساءل هو حلم عندي وأمل.

 

كنت تقول لي ..أحب عبثك وثرثرتك وضحكاتك..

كنت تحب فيني شغبي وهمساتي.

…آه يا حبيبتي لن يلد الزمان امرأة مثلك أين ذهبت تلك المرأة وكيف خنت وكيف أحببت فوقي وتزوجت علي؟!

الأسئلة عديدة ومتراكمة لدي ولا تجد لها أجوبة..

..أنت حبي الأبدي ولن تجلب لي أي امرأة سعادة كتلك التي جاءتني منك.

عبارات عدتها على مسامعي مرارا ..أين صارت اليوم؟

كان لي سحر قديم عليك..كيف فنى سحري أم هي كان لها سحرا أقوى..

يفترض بي أن أبعدك عن حياتي كما أبعدتني..فهل أقدر ؟ أنت عالق في ثنايا جسدي..في دمي..في عقلي..في هدب العين وطرفها في أناملي حين تكتب ولساني حين يتحدث..في دقات قلبي في نبضي ونفسي..في جلدي وتحت أظافري في حركات شعري وانبعاث رائحة جسدي ..أنت في قطرة ماء داخلي فكيف أنساك؟ وكيف أتخلص منك؟

إن استطعت البعد عني لأنك خلقت لك نقطة بداية فكيف أقدر أنا على البعد عنك بعد أن حصرتني في نقطة نهاية!!

كيف أقدر وأنت صرت في نور حياة وأنا أعيش في الظلام!!

هل ما حصل فيه عدالة..أن تخرج من دنياي لدنيا أخرى وأظل أنا وحيدة ..مقهورة..هل ” ايميلي ” هذا يفسد الأمر لديك؟

يحرك ضميرك؟ يجعلك تفكر لحظة بتبدل عواطفك وكيف تنقلت مني إليها؟

أرثى لحالي في ساعتي هذه فهل تدرك معنى أن أكون وحيدة؟ وحيدة إلا من ذكريات متواصلة لأحداث سنوات عشر..أجهل كيف محوتها من ذاكرتك..

جلوسي على جهاز حاسبي لساعات عدة أكتب لك وأتوقف وأفكر وأبكي..والبيت يلفني بصمته فابنتنا الوحيدة في بيت جدتها أردتها أن تغادر بيتا متهدما وأن لا تلمس معاناتي أو أن يطالها شيء من حزني وعصبيتي..وأن أجتر وحدي ذكرياته وأصوات حوائط تنطق بصوتك وحركات أبواب تضج منك.. وصور لك ولنا معا تسخر مني على جدران متألم..

تختنق في هذه اللحظة عواطفي داخلي..ومن خلال صورة لنا أخذناها منذ أشهر قلائل..طلبتها أنت..لمحت فيها نظرات حب وشغف صادرة منك إليّ ” أشهر قلائل ” هل يعقل أن تكون بعدها في أحضان أخرى؟!

حديثك يأتيني من خلالها..يخترق الورق والإطار والزجاج..يقول..

..التصوير معك يجلب لي سعادة واضحة فأنا أحب صورك وأعشق أن أكون بجانبك في كل صورة..

أين ذهب الأصل الآن..؟ ولماذا تخليت عني أن ما أتذكره يشبه السراب فأجلس منفردة أرثي لحالي..أكره في هذه اللحظة ذكرياتي معك..أكره أن أعيشها بمفردي..فكل ما أذكره لك يدل على حب وعطاء وتعامل راقي فكيف انتهيت من حياتي على غفلة مني..كيف تسربت بعيدا عني..ومتى ..وكيف؟! لم أشك بك يوما ولم ألاحظ لونا آخر لك..فمتى جاءت الأخرى ومتى سيطرت ومتى سحبتك بعيدا عني؟!

أريد أن أبرر لك غدرك بي..ولا أجد فأنا كنت الزوجة المحبوبة المخلصة..

طلباتك كانت أوامر عندي..رغباتك..كلامك..وقتي كله سخرته لك..اعتنائي بك بطعامك وملابسك وفراشك..برائحتي وشعري وهندامي..في استماعي لك وحديثي معك..كانت ضحكاتك تضج في البيت وعبارتك بأنك تحبني وبأنك راض عني..أين أنا الآن وما هو ذنبي؟!

حتى حين حدثتك عن رغبتي في الانجاب مرة أخرى قبل عدة سنوات..تذكر؟

..حبيبي..أمك حدثتني اليوم عن حملي ولماذا لا أنجب أخا أو أختا لابنتنا..وقد بلغت الأربع سنوات..

سألتني لحظتها عن رغبتي..

أجبتك..إن كنت تريد..أريد أنا..

علقت حتى أمومتي برغباتك..لكنك أجبتني..

..أنا يا عمري اكتفيت بفتاتين

وحين طالعتك ببراءة امرأة لم يدنسها الزمن

ضحكت عاليا وأجبت ردا على حيرتي..

…أنت واحدة وابنتي الأخرى

…ولكن أمك…

قاطعتني قائلا..هي رغبتي أنا ودعك من الآخرين..

هل سيكون لك أبناء من الأخرى؟!

هل ستقبل أن تغتال أمومتها مثلي وتتخلى عنها إرضاء لك..بل هل ستمارس معها نفس الرغبة؟

أسئلة عديدة متزاحمة تدور في فكري..فهل تجيب؟

أنظر للساعة في لحظتي تلك مرت ساعات أنا جالسة أناظر جهازي وأكتب لك وأشعر بصداع حاد يطوق رأسي من كل جوانبه ربما لقلة نومي مذ رحلت وربما من الشاشة والكتابة وربما من البكاء على نفسي وعمري الذي أضعته بغدرك..

قد أكون أهذي في محنتي وأخلط الأوراق وقد أمارس معك لعبة أريد من ورائها استردادك أشياء عدة جعلتني مترددة فلا تستاء تذكر حين نتجادل في أمر ما كنا نترك نهاية الشيء مفتوحة لكل منا حرية الاختيار فلا أفرض عليك شيئا كما لا تفرض علي شيء لكن اليوم فرضت علي بدايتك وفرضت علي نهايتي.. وانتزعتك الأخرى مني تماما فلا أدري متى تصلني ورقة طلاقي منك ولكن هل تظن أن الورقة هي النهاية؟!

حين تزوجنا بعد حلم جميل بيننا وضعت ورقة عقد زواجنا في يدي..قبلتها حيث أسمك فقلت لي : هل تظنين أن هذه الورقة هي التي جمعتنا؟

طالعتك بكل ألوان الحب المعروفة لدى الآخرين والغير معروفة وأكملت..

..لا..إن ما جمعنا معا محله هنا وهنا.

وأشرت حيث قلبي وعقلي .

اليوم أعي جيدا أن ورقة الطلاق ليست هي التي تملك القدرة على بعدي عنك..

فأنت محفور في ذات المكانين الذين أشرت لهما يوما ما..

قرأت ما كتبت مرات عدة حين انتهيت وترددت هل أرسل ما كتبت لأضعك في موقف حيرة وذكرى وتأنيب ضمير..أم إن ما سأفعله انتهاكا لكرامتي خاصة بعد أن انتهكتها أنت بتركي والزواج بأخرى..

أخذت أدور في زوايا الغرفة وحيدة..مجروحة..متعبة..ضعف زمن ما كتبت لك فيه وسؤال يضاف للمليون سؤال العالق في ذهني هل أرسل ما كتبت أم أمحوه وأبتعد..

يزداد بكائي داخلي متعاطفا مع بكاء العيون

 



0

 

قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد                            

 

“كان معي

 

فرحت جدا حين استلمت عملي هذا الصباح بعد تخرجي من الجامعة بتفوق ..جلست على مكتبي الجميل الذي يعانق الخليج باستحياء..وبدأت بارتشاف قهوة كنت أظن أنها تناسب الرجل الموظف لا الطالب ..حين أخرجني اتصالا منه..

سمعت صوته يغرد فرحا في الجانب الآخر..

..مبروك ولدي..ألف ..ألف مبروك..صمت فترة ..شعرت بغصة بكاء تخنقه فاحترمت صمته..

ثم أكمل ليقول..أعط مصدر رزقك وقتك وجل اهتمامك حتى يرضى الله عنك ويبارك لك فيه..

عدت مرة أخرى لفنجان قهوتي الذي برد ومع هذا أكملته..

أخذت أطالع المنظر من خلال الزجاج..والسيارات العديدة العابرة..لأتساءل أين تذهب؟

ثم سحبتني ذكرياتي بعيدا..فكل ما وصلت إليه بفضل أبي وحرصه واهتمامه ذلك الرجل العظيم المقيد مذ ولدت بكرسي متحرك بعد حادث أليم حصل له في الجامعة كنت في الخامسة من عمري فرحا به وبكرسيه المتحرك خاصة حين يضعني في حضنه ويلف بي داخل صالات البيت الفسيحة كنت أضحك من قلبي وكانت أمي تبتسم حين تسمع ضحكاتي..

كنت أراه مختلفا..عظيما فأشبهه بالرجل الوطواط أو الخارق ..وأحاوره عن سبب تفرده..كنت ألمح دمعات قريبة من الجفن لكن لم أكن أعيها..

وحين أخبرته وأنا في السادسة من عمري عن رغبتي بأن أكون شبيها له..

لحظتها قفز في مكانه متألما وضمنني بقوة مرددا..لا..إن شاء الله لا..

لم أدرك لحظتها أسباب فزعه..لكنه كان دائما قريبا مني وقريبا جدا..

يشاركني حتى تطلعات التافهه ويساندني ويخاف علي بشكل أحببته وتمنيت استمرار يته كنت أراه في كل مناسبة ذاكرا لها متفردا فيها ومبدعا في مفاجأته..

حتى في أحلامي أراه مختلفا شبيها للشمس في ضوئها وعظمتها..وفي القمر في رقته وهدوءه وفي رذاذ المطر في عفويته وفي نسمات بدايات الشتاء في رائحته كل طلباتي كانت مجابة المستحيل منها والممكن..

سمعت عمي الأكبر ذات مرة يحدثه قائلا ستفسده في دلالك هذا..تذكر أنه صبي..

كان يبتسم وينظر ناحيتي بفخر يشع لمعانا في عينه..فيقول..

سيكون رجلا..ورجلا ناجحا وطيبا ويعتمد عليه..

أفقت من رحلة ذكرياتي حين قدم العامل يأخذ كوب القهوة من أمامي..

فأردد داخلي..صدقت يا حبيبي ولم أخيب ظنك..

تشدني ذكرياتي معه..أعوام الفخر به للأسف اتخذت مسارا مختلفا حين وصلت لسن العاشرة..رأيت رفاق المدرسة يسألون عنه وعن أسباب جلوسه على كرسيه بشبه تندر وسخرية ورأيت في عيون أبناء الجيران استهزاء أثار في داخلي أحزانا كثيرة وأدركت أنه فعلا مختلفا لكنه اختلاف لا يدعو للفخر..

بدأت أستحي منه وأرفض أن يأتي إلى المدرسة لأخذي ..استجاب لرغبتي فقال..على راحتك يا ابني..سأجد لك سائقا يكون تحت أمرك..

كنت أشعر بتأنيب الضمير داخلي فصرت ذو وجهين..

وجه ابتعد فيه عنه حين أكون خارج البيت..ووجه أتقرب منه بشكل جنوني حين أكون داخله ..وتقبل هذا العظيم تصرفي..

سمعت أمي مره تعاتبه على صبره علي وأنها ستكلمني وتحذرني من هذه التصرفات التي تحرجه..لكنه رد عليها بعظمته..

..دعيه..لا تؤلميه أكثر..إنه يعاني أكثر مني..فمعاناته مزدوجة ما بين حبه لي ونظرة المجتمع..

رن الهاتف في مكتبي..كان المسئول عن القسم يسأل ويطلب أن أتدرب على يد فلان ..أعد لي جدولا حفظته وأنه سيبدأ منذ الغد..

أخذت ألعب بسلسلة  المفاتيح التي أحضرها لي منذ أشهر قلائل ..كان ثمنها غاليا جدا كمكانتي عنده..

كانت عبارة عن مجموعة أرقام تصل للخمسة ..لتحملني ذكرياتي في مركبها حين عدت باكيا من المدرسة الابتدائية بكى معي دون أن يدرك سببا لبكائي مجرد مشاركة ..

فأخبرته أن معلم الرياضيات أنبني على جهلي بجدول الضرب..لحظتها مكث معي أياما طوال شارحا ومدربا ومعلما بأسلوب يفوق قدرة معلم الرياضيات حتى غدوت متمكنا ومتفوقا في هذه المادة فصفقت لي معلمي وأعطاني هدية في حصته وسألني..

..هل أحضر لك أبوك معلما خاصا في الرياضيات؟

وكنت قد أجبته بفخر وإعزاز..لا..ولكنه أبي..

ابتسم المعلم وربت على ظهري..

تنهدت بعمق ” آه ” لو عادت الأيام يا حبي لما خجلت منك ولا آلمتك يوما يرن هاتفي النقال..كان هو على الخط الآخر..

..ها..بشر كيف مر يومك؟ تمنيت لو قلت له أن يومي كله كان معك وأنت فقط..

أود في هذه اللحظة أن أجلس على ركبتي أقبل يديه..أنظر لعينيه..أضع رأسي في حجره ..أن أشعر بالأمان فالأمان لا يكون إلا معه وأن أمارس معه حوارا وأتحدث معه برقه تناسب رقة عواطفه.

صوته يأتيني من الجانب الآخر مرتعشا يستفسر عن سبب الصمت..أسارع بالرد منعا لقلقه..

..يوم جديد وغريب علي..

تعاود الراحة زائرة ومعانقة لصوته فيقول ..ألم يقم أحد بتكليفك بشيء؟

..لا..لا أفعل شيئا يذكر..

..لا عليك.. غدا لن تجد وقتا من كثرة الأعباء..

يغلق السماعة وأراهن نفسي أنه سيعاود الاتصال بعد ساعة من الآن.

لتعاود ذكرياتي معه لعبتها للمرة المليون..كنت دائما أتأمل حركاته داخل البيت..تفرده عندما كان يشدني صغيرا ويحرجني في فترة بلوغي..وتناقضات داخلي لاختلافه عن كل أباء الأصدقاء..

لدرجة ناقشت أمي ذات ليله ..كيف قبلت الزواج به..

..هو أفضل من كثيرين

..الإعاقة يا حبيبي ليست جسدية فقط..

قد يكون الرجل سليما..متعافيا لكن إعاقته داخله.

تساؤلات لحظتها ما المقصود

ردت بحنان قد يكون الرجل بخيلا..أو سكيرا..أو عاطلا أو له علاقات عدة مع نساء أخريات وقد يكون عنيفا في تربيته متوحدا في قراراته مع أبنائه وقد يكون…تصمت أمي لحظتها حين لمحت الدموع تنهمر من عيني..ضمتني وقالت: أبوك أفضل من كثيرين..

نعم أدركت مع مرور الوقت أنه أفضل من كثيرين وحاولت مرارا أن أمحو أي أثر لإعاقته على حياتي ولم أعد أنا المكتئب تجرني ذكرياتي وتسحبني لعالم قديم حيث الطفولة..حين اشترى لي سلة وكرة وطلب مني التنافس..تعجبت وتساءلت” هل يقدر”؟

أخذت الموقف على أنه لا تنافس وإني أنا الفائز لا محال ولم أعط اللعبة حقها حتى بهرني بقدرة وتفوقه ومهارته وكيف يدير كرسيه بحركات خفيفة متتابعة مرة لليمين ومرة لليسار وأخرى للأمام والخلف ليفوز بعدة نقاط ويتركني صفر اليدين..هنا بدأت اضغط وأمارس قوانين الطفل المشاغب ومكره وكنا نضحك  ونضحك ليضج الحوش معنا ضحكا وعشقا سررت به وعشقت صوته والصوت القادم إليّ من عجلات كرسيه وأخذني التمعن في إرادته لأن أكون مثله ذو إرادة..

يرن الهاتف تخيلته هو..لكنها الوالدة هل حنت إليّ أم ترك لها هذه المرة فرصة السؤال..

..ما هي أخبار العمل؟ تضحك ضحكها يعطي دلالة قاطعة لتواجده وحضوره لاحظت ذلك من خلال نبرة الصوت وتردده فسألت..هل هو بجانبك..؟

تعاود الضحك لترد” نعم “

أضحك من مكاني وأسأل مجددا ..وهل هو الذي طلب منك السؤال؟

الضحك لديها يأخذ منعطفا أكثر حضورا لتردد..نعم..نعم..نعم

..ولماذا لم يتصل هو؟

حديثها يحمل جدية معينة هذه المره فتقول..

لاحظت حرجا عنده للاتصال بك..ففعلت.

..وهل يخجل مني أنا؟

..يرى أنه من الصعب أن يتصل كل ساعة قد ترى اتصاله بلا هدف.

أغلقت الأم الخط..وسؤال أخذ يلح علي ويظهر في الجو..ماذا سيفعل لو تزوجت وتركت البيت ..!!

أطرده من فكري..لا يمكن أن أترك البيت أبدا..أبدا..سأظل لصيقا به عمري الآتي وعمره الباقي.

   



0

 

 

قصة قصيرة…هيا علي الفهد                            

 

 

“زائرة غريبة”

 

يضج الحزن فينا أحيانا فيعتصر الأفئدة ويصلب الروح فنرى الكون كله عبارة عن حالة ضبابية لا نور خلفها أو بعدها..

صحوت على صوت جرس الباب .. طالعت الساعة ..مازال الوقت مبكرا جدا على زيارة أو تفقد من نوع ما..عبرت المسافة مابين غرفة نومي والباب الخارجي..مجرد خطوات..فشقتي الزوجية صغيرة كسنواتي القليلة التي تعدت العشرين بثلاث ..لم تمر سوى أشهر قليلة قد غادرت بيت العائلة الكبير..وزوجي منذ يومين غادر لمملكة البحرين منتسبا لجامعة هناك حيث شهادته العليا..فتحت الباب وأنا نصف نائمة..فالشمس تطل من نافذة الشقة خجلة من إيقاظي..لطيفة ..خفيفة ..كانت تقف في وسط الباب ربما تكبرني بسنوات قلائل..وجه عابس يعلن عدائية لا أعرف أسبابها..خاطبتني بعنف سائلة هل أنت هديل؟!

وقبل أن ينطق اللسان بالإجابة دفعتني ناحية كتفي بعنف واضح ودخلت الشقة وسط ارتباك مني وتعثر..

صارت فجأة في وسط الصالة التفت خلفي متعجبة وخائفة تركت الباب على فتحته وبقيت قريبة منه ..وسألت بعبط ..من أنت ؟

سمعت ضحكة مجلجلة تهز المكان وتهز جسدي معه ..لتسأل ..هل أنت الساكنة الجديدة؟

هززت رأسي دون إصدار أي صوت وقلت بصوت خافت يكاد لا يسمع” نعم “

رأيتها تجلس على مقعدي المفضل قبالة النافذة الكبيرة..تهز رجلها اليمين..وتطقطق أصابعها ..أدارت رأسها حيث أنا..نظرت إلي نظرات فاحصة ..بجامتي الوردية وقدماي الحافيتان وشعري الأسود الطويل الذي عانق منتصف الظهر لدي..

ثم سالت ..سؤالا لا أعرف سببه ولا أدري لماذا طرح في هذا الظرف العجيب..من أين اشتريت بجامتك؟

أخذت أطالع بجامتي..لا شيء فيها يلفت النظر..فزوجي غائب والجو يقترب ببرودته من فصل الشتاء..لذا إرتديتها بكم طويل وبنطلون أطول..ولونها يجرني لمراهقة لم تبتعد عني بعيدا..

بعد الإجابة عن السؤال أثار غضبها..فصرخت بي..ما بك صانته لماذا لا تتكلمين معي؟!

رعشة جسدي فضحت خوفا مرسوما على وجهي ظهر جليا في نبرة الصوت والتردد..

فحاولت استماعها بأدب ملحوظ..مقدمة..والله ما تغلى عليج”

ابتسمت حين سمعت عبارتي تلك..فشعرت بنوع من الراحة حرك أقدامي لأجلس مقعد قريب من الباب..

عاودت هي هز الرجل اليمنى..وقالت آمره إياي..

…أريد كوبا من الشاي..

دخلت المطبخ الصغير الذي يأخذ مكانه وسط الصالة أدرت الغلاية وصنعت لها كوبها من الشاي على عجالة مني التفت بعد أن وضعته في صينية وحملتها وإذا هي تقف بجانبي خفت كثيرا..وخاطر أوحد يدور في بالي..لا يمكن أن تكون هذه طبيعية..

رأيتها تغادره وتعود لمكانها حيث النافذة ..وضعت كوب الشاي أمامها متابعة السير حيث مقعدي بجانب الباب المفتوح الذي يشعرني بالأمان..

جلست أطالعها وهي ترتشف من كوب الشاي الذي أعددته ..جميلة..

رشيقة وإن كانت ملابسها غير مناسبة لصباح مبكر..كما أن مكياجها مبالغ فيه بعض الشيء..وجودها صامته لاهية بالشاي حملني لظنون كثيرة هل لها علاقة بزوجي؟ أخرجتني من أفكار حاوطتني حين سألت ..أين زوجك؟ سؤالها حرك المزيد من الشكوك عندي..فلم أجب بل بادرتها بسؤال كان لزاما علي أن أسأله مذ طرقت بابي..من أنت؟!

طالعتني بنظرات حادة ولم تجب..أشعرني تجاهلها إياي بغضب..فوقفت وقلت لها..أرجوك..أريد أن أنام..استمر صمتها يحيط بي..لأكمل..لو سمحت إذا فرغت من شرب الشاي غادري..لم تعرني أدنى انتباه..فصرخت بها بشجاعة تولدت لدي..الله يخليك أنا بحاجة للنوم من الممكن أن تعيدي الزيارة مساء..

اقتربت من عتبة الباب الخارجي للشقة..نظرت خلفي كانت ما تزال في مقعدها..

شعرت أنني في مأزق لا أحسد عليه..ودارت بي خاطره افقدتني شجاعتي الأخيرة..ربما تكون لصة أو خارجة عن القانون ربما تعرف أخباري فاختارت الوقت الذي لا يكون زوجي فيه..

ربما هي مجنونة أو..أو..

أفكار كثيرة أخرستها باقترابها مني..وتفوهت بعبارة بهدوء ملحوظ..مو عيب تطردين ضيفتك..

هدوءها علق بي وأثر في مساراتي فقلت..ولكنه الوقت غير المناسب..أريد أن أعود للنوم..

عادت مرة أخرى للجلوس في المقعد الذي اختارته ..أخذت أتنفس بغضب ملحوظ..خرجت خارج الشقة نظرت للشقة المقابلة لي..أصابتني رغبة واضحة بطرق الباب على جيراني..ولكني خفت من رد الفعل لديهم..فالوقت مازال مبكرا ..وأنا لا علاقة لي بأي من أفرادها منذ سكنت هذا المبنى..

عدت مرة أخرى للداخل لمحت هاتف البيت فكرت بالاتصال بأهلي والاستعانة بهم..أمي أو أبي أو أحد أخوتي..

ولكني تمهلت..ماذا أقول لهم فهي مجرد زائرة لم يصدر منها ما يدعو لإثارة قلق الأهل..

“أف” صدرت مني دون إرادة..وجلست للمرة العاشرة في مقعدي قرب الباب ..مرت دقائق صمت مفروضة فلا توجد أية لغة للحوار بيننا..والأمر برمته لا يشجع على إدارته..

تمتد الدقائق للاقتراب من ربع الساعة..حين أخذت تدور بين زوايا المكان تتفحص هذا وذاك..بصمت غريب وهدوء أغرب..

حدثت نفسي لابد أن أعالج الأمر..فالنوم كاد أن يفارقني وأخذ التعب والإرهاق بالإضافة لحالة الخوف كل ذلك يؤثر علي ويفقدني قدرا كبيرا من أعصابي ..

دنت مني فأخرجتني من حديث الروح ووضعت يديها على طرفي الكرسي لمحت           كما أنها أخذت تتصرف بغرابة أكثر لم أعد أظن إن في الأمر شيء غير طبيعي بل تيقنت فلا بد من إصلاح الأمر وإخراجها من الشقة ..علقت عيني مع عينها بنظرات طال أمدها فتوقف القلب عن النبض حينا وحبس النفس لدي ..وأخذني الخوف لمتاهاته المظلمة..

تنفست بعمق حين ابتعدت قليلا عن مقعدي ..واقتربت من باب الشقة تمنيت لو تكون هندي قوة لأدفعها خارجها ..ولكنها وقفت قبل ذلك..وقبل أن تدنو بأي خطوة وجدت نفسي ألقي بجسدي كله خارج الشقة قبلها..

حينها سمعت خطوات أقدام تصعد الدرج وتقترب منا..كان يعلو وجهها وجوما من نوع ما..نظرت إلي ببجامتي وقدمي الحافية وشحوب الوجه ورعشة الجسد فبادرتني قائلة..

…متأسفة يا ابنتي..

جهلت سبب الأسف ولكنها أزالت عني حيرتي بقولها..

لا أدري متى خرجت من الشقة..

أدركت حينها أن لها علاقة بهذه الزائرة الغريبة ..أخذت أطالع زائرتي وهي تنظر للمرأة الأخرى..

..أنظري ..أمي..هذه هديل جارتنا الجديدة..

فأزاحت الأم آثار الدهشة والاستغراب مني..

..لقد تحدثنا أمس كثيرا عنك أنا وزوجي فقد عرفنا أسمك من حارس المبنى وعرفنا أنك عروسا جديدة ..وابنتي كانت حاضرة حديثنا..خاصة حين طلب مني زوجي زيارتك عند سفر زوجك وإن كنت بحاجة لشيء..

مازلت على صمتي بل إن صح التعبير على خوفي فلم أعلق على كلام الأم أو حتى أشكرها..

نظرت لمن تقف على عتبة بابي ..أتساءل بنظرات تطرح السؤال قبل اللسان..حين سمعت تنهدات الأم..هذه ابنتي الكبرى تعيش حالة غير طبيعية منذ سنوات عدة..ولكن لا تخافي يا ابنتي إنها غير مؤذية..

مدت الأم يدها ناحية الابنة ومدت الابنة اليد طواعية وسحبتها حيث الأدوار التحتية..

دخلت الشقة بسرعة وأغلقت الباب علي..وألقيت بجسدي على سريري..شعرت برغبة بالبكاء ..حين رن هاتف البيت وكان زوجي كعادته يلقي علي تحية الصباح قبل الذهاب للجامعة..شعر بأن هناك تحول ما..سأل وأجبت وطلبت تغيير المكان حال عودته..



0

 

قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد

 

” أن تكون لامرأة أخرى “

 

لأول مره أشعر بالأسى على نفسي وحزني طال مداه. ولأول مره أقف عاجزا عن اتخاذ قرار يعيد لي توازني المفقود ويجعلني أرى وفق رؤية سليمة وواضحة ومحددة الأركان .. إن الرجل منا حين يفقد منطقية تفكيره يشعره كأنه الأبله الذي يفتح فاهه  دون سيطرة فلا هو القادر على التنفس بسلامة ولا هو القادر على الكلام..

أعلم جيدا أنه كان قراري ..وقراري وحدي في البعد عن حبيبة سجدت لها حبا وعشقا والزواج من قريبة لي دون رغبة بها أو هياما فيها..

قد يقال أن العقلانية في الزواج ودراسته من كل جوانبه هو النجاة من غرق محتوم وموت مقرون بعذاب ..فكان التعقل لا الحب وكان الفكر لا القلب هو من قام بتحديد مساراتي..

اليوم وبعد مرور أشهر على فراق معشوقة والاقتران بامرأة كل ما يربطني بها عقد ومأذون ..احساس الضياع والبله هو المسيطر على  تفكيري..

تركت من أحب بإرادتي لأسباب عدة..فهي أميرة بكل مقاييس الامارة بالجمال والرقة والأناقة والرقي..في نبرة الصوت وأحكام المنطق في الحديث ..في المشي والكلام والبسمة والضحكة..في بقايا العطر المصنوع وامتزاجه بعطر الجسد..في البراءة في المشاعر والبراءة في النقاش ..في الطيبة الباقية رغم السنين والتجارب..في مرح الطفولة ودلع الصبا واغراء المرأة ورجولية الحكم واتخاذ القرار..هي الكاملة والكمال لله عزوجل..

هل أنا مجنون حتى أفرط بكل ذلك ..ربما..لكنه ضيق ذات اليد..فلا شهادتي تعادل ما تملكه هي..ولا شأن أسرتي وعائلتي تنافس ما تنتمي هي إليه..ولا المادة قادرة على التنافس معها..أحيانا أتعجب من مبادلتها لي العشق والوله المجنون..وأشعر بنوع من الزهو والغرور لتعلقها بي دون رجال كثر يحيطون بها..شعرت بنيران الالم تحيط بي من كل حدب وصوب حين قابلتها وأخبرتها بقراري ..

وقفت صامته منصته واغرورقت عيناها..وآه من عينيها..جمال الكون كله مرسوم فيهما بسعته وخيوط الأهداب الممتدة وبريق الروح والحياة..

انتظرت..وانتظرت حتى أكملت حديثي..غير مقتنعة  بما أقول أو مستوعبه لقرار ظالم مجنون ..شعرت بها وكأن للصمت ضجيج وكأن للاستسلام سياط تعبرني من كل جانب..لتسحقني بغضب معلن..

صمت برهة بعدها..طالعتها بكل ما للحب من عيون ونظرة..بادلتني الصمت بمثله ثم سألت..وبعدين؟

طلبت من أختي أن تخطب لي بنت خالي..

لم أتجرأ بعدها للنظر صوبها..علقت عيناي في فضاء أجوف..

لكن للنحيب صدى شعرت بصوت البكاء القادم من داخلها..تخنقه بكبرياء وعزة نفس ..

كلمة وحيدة ألقتها واقفة ومغادرة للمكان..” ماشي “

شعرت بغضب داخلي..أردتها أن تصرخ..ترفض..تتشاجر..حتى لو عاتبت..الغضب الذي كان لزاما أن تكون هي مصدره..طالعتها من زجاج المكان تسير حيث سيارتها المركونة في الموقف وتغادر..غادرت في تلك اللحظة روحي من جسدي ..جلست أبكي..أتوجع وحدي احتضر..

أتذكر كيف طالعت حولي..عدد كبير من الفتيات..لكن كل هؤلاء النساء لا يوازينها. وشعرت بضيق المكان كصندوق تابوتي يخنقني..ومرت الشهور لا أدري كيف مرت..ولا أدري كيف عاشت هي مأساة الفراق..واليوم يفترسني ندم يمنع عني الحياة..

دخلت ذات مرة زوجتي علي في مكتبي الذي أختبأ فيه عنها..أرادت أن تفتح للحوار طريقا يربطنا..ولكنه سد من قبلي..

شعرت بنوع من الغضب اعتلاها وعصبية أرتني جانبا آخر من شخصيتها حطم فيني الأمل..

..مستحيل أن أصبر على ذلك..

عبارة قالتها على عجالة تدل على تسرع في اتخاذ القرار..أرادت البوح بشيء نظرت إليها..كان لزاما أن تكمل حديثها..نحن في أول أيامنا وتعاملني هكذا؟

تعجبت من قرار يعطي دلالة واضحة على ضيق أفق..وسألت..

..كيف عاملتك!!

لم أدع لها فرصة الرد وأكملت..هل ضربتك أو منعتك من شيء؟

هل اكتشفت حديثي مع أخرى؟ هل بخلت عليك أو خرجت وتركتك؟

صمتت لحظات..

أكملت السؤال ب ” ها ” ؟

أفاقت من اتخاذ الحديث لمسار فيه حده..فحاولت معالجة الأمر قليلا حين قالت..لا.. ولكنك بعيد عني..

..من المفروض أن يتقرب للآخر ! أنا ..أم أنت؟

تركت المكان لحظتها..الرجل حين يحب لا تشده أي أخرى ..ومن الصعب أن يحب الأخرى..

أصبحت عملية التنفس عندي صعبه..فأنا مخنوق..وصدري يضيق بي..

لجأت لأختي المقربة..والتي سعت للخطبة حين طلبت..

أخبرتها بأن لا رغبة بي لهذه الزوجة..

اندهشت وتساءلت..أجبت على كل سؤال..ما اقتنعت..وأعلنتها أن ما يحدث سيسبب مشكلة داخل العائلة..وختمت نقاش طال وامتد لساعات حين قالت..عط نفسك فرصه وحاول التقرب من زوجتك..

لكن الأيام لا تنصف..وازدادت المسافة سعة بيننا..والشوق للحبيبة عطل كل مسارات العقل أو الصبر..

عندما جلست ذات ليلة معها أريد أن أصحح بعضا من الوضع الخاطئ بيننا..جررتها لحوار تعشقه النساء حين طالعت معها برنامجا عن حواء لاكتشف الجهل الآخر لها حتى في حوار النسوة..فأقرر تغيير القناة ليطالعني عبد الله رويشد برائعته( ضمني بشوق واحضني ) عندها ضاق بي المكان أو أنا ضقت به لتضج جدران الغرفة بي فيحتويني شعور المرارة ويعتلي جسدي العاشق رعشة وخفقة العشق فيغدو الواقع رهيبا فلابد أن أتولى الأمر وأصحح وضعا اقترب من الجنون والانفجار..

خرجت في سيارتي ..راقبت بيتها..سيارتها الحبيبة موجوده اذن هي الأخرى موجوده..انتظرت في زاوية الشارع كمراهق يخطئ التصرف..مرت الساعه الأولى..رتيبة..كئيبه..لتطل علي من بعيد..ملاك أرضي ينير مساحته التي ينزل بها..ركبت سيارتها وانطلقت لأنطلق خلفها حتى خرجت من محيط منطقة سكنها..اقتربت حينها منها..كانت تتحدث في هاتفها النقال وتضحك شعرت بغيره مدمرة..اقتربت أكثر تعمدت أن تراني ..اختفت الضحكة طلبت منها أن أكلمها..طلبت اللقاء..تساءلت بصوت تطل من خلفه أحزان الدنيا كلها ..أخبرها بحاجتي لذلك اللقاء ..تطلب أن أسير خلفها..تقف عند مقهى من مقاهي السالمية ..ننزل نجلس على إحدى الطاولات..

نظرت إلي بدهشة واستفسار..شعرت باقتراب دمعة تفر قهرا مني..أدخل في الموضوع مباشرة قائلا..

..أود الاعتذار

تصمت هي منتظرة أن أكمل

أشعر برغبة في الاسترخاء..استند على ظهر المقعد..

تطالعني بنظراتها المحببة إلي..لكن اختفى فيها بريق الوله والحب

..أريد أن أعيد ما انقطع

مازالت على صمتها منتظرة المزيد..

..لابد أن أطلق زوجتي..ولابد من الزواج منك..فأنت حب العمر وعشقه الأبدي..

الصمت مازال يطويها..

..لا يمكن أن أكرر خطأي وأخسرك..دعيني أتولى ذلك..

تطالعني بنظرات تجردت من الحياة..لكن لابد من استمرار الكلام ولأكن أكثر شجاعة ..فأقول ..

..أنا أحبك ولن أحب غيرك..قراري ظلمني قبل أن يظلمك.

أتنفس بصعوبة وأكمل..

..أنت معي حتى في فراشي معها..حتى في حميميتي معها..

أنا لا أرى سواك ولا أسمع إلا صوتك ولا أشم إلا عطرك..

الصمت يفرض ذاته منها..أنظر إليها..تطالعني بنظرات طفلة ضائعة مشردة..أبعد عيني عن وجهها ..أطالع السيارات المتراصة في الشارع..أنظر للوجوه العابره دون إدراك ملانحها أعبر بنظراتي أطراف الشارع الآخر..أعانق أرصفته هروبا وخوفا وأعود حيث هي مازالت تطالعني بنظرات الطفلة التائهه..تنتظر المزيد من الحديث..وهي مازالت عالقة في صمتها.. أتوسل إليها حين قلت..”أرجوك..

تستفسر عبر النظرات ما وراء الأرجوك دون أن تتفوه بأدنى كلمة..تستمر في الانتظار ..شعرت برغبة في الصراخ..في البكاء..في العناق معها والاقتراب أكثر من رائحتها..شعرت بأني أسير نوبة قلبية..

أعاود الحديث مجبرا..أتوسل إليك ” الضرب في الميت حرام”

أراها تندهش من عبارتي تلك..وتزيح نظراتها عني لألمح دمعة خجلة علقت في طرف العين..مددت احدى يدي نحوها..ذعرت وأبعدت جسدها كله لآخر المقعد,,

ولم يعد أمامي خيارات..احساسي بالذنب أفقدني القدرة على الاعتذار أكثر وأشعرني بالكثير من الألم..وبأن اعتذاري أصبح مع صمتها أكثر سخافة..

مرت دقائق كأنها الدهر كله ..منتظرا ردها ..تعليقها ..تسامحها..منتظرا قرارها..

التقت الأعين التشابه بينهما..الدموع الخفية في كل منهما..ولأول مره ألاحظ ما هز عندي الجسد كله..” دبلة ” في اليد اليمنى.

أدركت ما لاحظته..هنا فقط بدأت الحديث..

..تعرف ماذا يعني أن تكون لامرأة أخرى؟!

لم تنتظر مني إجابة..حين أكملت تقول..

..تركتني أشهر طويلة ..وحيدة..مصدومة دون أن تسأل عني..دون أن تكلف نفسك عناء معرفة حالي أو ادراك ما خلفته بي من جروح.

أشهر صعبة لم تنظر للوراء..لتاريخ بيننا وحب وعلاقة..

ابتعدت وكأن القرار لك وحدك وأنك الطرف الأوحد في هذه العلاقة دون مراعاة لمشاعري وكرامتي..

أقاطعها ..أرجوك..

..أرجوك أنت..اتركني لحالي..ستكون بمفردك..

لو ارتحت لها أو اعجبتك..أو سعدت بها ومعها..هل كنت سترجع لي..أو تذكرني؟!

..أنت لا تفهمين..حبك يحتويني حتى لو كنت مع أجمل نساء الدنيا..

تمر لحظات خيم السكوت علينا..حين بادرتها بسؤالي ..ما قصة” الدبلة”؟

..رجل آخر دخل الحياة بعد أن غادرتها أنت..

آه ..إن ما تقوله صعب..وصعب أن أفقدها للمرة الثانية..

أحاول جاهدا أن أثير عطفها..أن اثنيها عن خطبة قد تفشل كما فشل زواجي..

..اسمعيني حبيبتي..لا تكرري غلطتي..قد لا تقدرين على الاستمرار معه مثلما لم أقدر على الاستمرار معها..

تقاطعني بحدة..الوضع مختلف..أنت اخترت البعد عني برغبتك وإرادتك..وفرضت علي الفراق..تألمت لغدرك كثيرا..وجاء هو..فلملم جروحي..وعبر بي بعيدا عن آثار قرارك..ولم أتدخل في حياتك..لذا لا تتدخل في حياتي دعني أعيش تجربتي بعيدا عنك..

..أخاف عليك من الفشل والألم والندم..

..لا أعتقد أنه سيكون أشد من ألمي وندمي معك..

..أرجوك..لا تحكمي علي بالإعدام

..نحن انتهينا مذ كان قرارك..فعد إليها..لا خيار لديك فهي قدرك..وهي الباقية لك..

..أنت..

تقاطعني بوقوفها..لتتركني جالسا وتغادر دون النظر ناحيتي..لقد أخطأت القرار وأخطأت البعد عنها..فكان الندم الذي نهشني ليتركني مجرد هيكل لا روح فيه..



0