قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد

 

” نوايا شريرة “

 

          حين تعينت هذه الجديدة في نفس قسمي وجدت منافسا منها إليّ من نوع غير عادي ..فقد تخرجت بتفوق كما أنها ذات جمال مبهر..وتملك من الذكاء أعلاه ومؤدبه بشكل أخجل أنا منه..يعني باختصار كانت شبه كاملة ونشاطها يفوق الوصف..وحسن تصرفها يشد انتباه العديدين..

شعرت بغيرة لم أحس بها من قبل..نار في جوفي أعاقت أي مشاعر ايجابية ناحيتها..خاصة حين انبهر بها زميلنا في ذات المكتب..

كنت أتمنى لو أدرك جزءاً من نقاط ضعفها حتى أدخل في محاربتها منه..ولكني عجزت..وزاد تفوقها علي في كل شيء ..في حديثها الذي يشد غالبية رجال الإدارة..في ضحكتها التي جذبت زميلنا المشترك..في نشاطها وجهدها وحضورها المبكر الذي أشاد به مديرنا في معاملتها الراقية للمراجعين..تفوقت وبقوه وبدون منافسة تذكر مني..

بدأت أترصد لها لعلها تخطئ أو تقصر على مدى أشهر العمل دون جدوى ..ووجدت أن صبري أخذ في النفاذ وحالة من العصبية احتوتني والتحمل يفوق قدرتي..

اقتربت منها ذات مره ..قلت لها..أماني..ألا تملين العمل على نفس الوتيرة من النشاط؟

تبسمت برقة وقالت..هو الإخلاص في العمل الذي أمرنا به الله عزوجل..

إجابة صفعتني بها..لأرد بصوت هامس ..هذا و الله الكمال بذاته..

طالعتني بنظرات تستفسر عبرها عما قلت وتتساءل أنها لم تسمع ما أقول..ولكني تركتها خارجة من المكان أسخر من نفسي..

زميلنا يتقرب منها بشكل مستمر وأرى في عينيه حباً وهياماً ولطالما أعجبني وحاولت معه لكنه كان يتعامل معي بثقل ورزانه..

تمنيت لو تخطئ يوماً ما في مهمة ما أو تتأخر أو تتغيب حتى أخبر المدير بأي زلة منها..لكنها تفوقت علي ولم تقصر في أي عمل يوكل إليها..

حتى كان يوم..وجدتها ترفع تنورتها تحت المكتب وقد كان خالياً إلا منا نحن الاثنتين ..لم أدرك ماذا تفعل حتى ألقت بشيء ما في سلة المهملات وغادرت حيث الممر قفزت من مكاني سريعاً لألقي نظره على ما ألقيّ كان عبارة عن إبرة لعلاج السكر..تعجبت..أفي مثل عمرها؟! التفت خلفي وإذا هي تقف حاملة قطعة خبز وكوب عصير طالعتني بنظرات هادئة وأجابت ..نسيت أن آخذ علاجي في المنزل هذا الصباح..

شعرت بنوع من الخجل من ذاتي وكأنها بهدوئها هذا تؤدب فيني تطفلي..كرهتها أكثر ..وحقدت عليها بشكل مباشر وأظهرت لها مشاعر الحسد مع الأيام..فلاذت بالصمت واختفت خلف الهدوء..ولم يظهر عليها أي تأثير سلبي لما بت أفعله بها..

جلست ذات يوم على مكتبي وقد احتواني غضب عتيق يكفي لتدمير كلينا وبرزت في رأسي فكرة مجنونة ..لو إني عاقبتها بمرضها..

بت أتخيل لو أضع لها كميات كبيرة من السكر تكفي لرفعه دون أن تملك فترة للعلاج وتدخل في غيبوبة تقضي عليها أو على النفيض أحرمها من وجبة الظهيرة التي اعتادت أن تأخذها كل يوم في المكتب حماية لنفسها من هبوط السكر لأغلق الباب مثلاً ولا أترك لها فرصة الخروج..

تبسمت بيني وبين نفسي على ما فكرت به..لأكمل وسوسة الشيطان في جوفي..أي شيء يزيحها من دربي ..يكفي أنها استأثرت بغالبية موظفي الإدارة رجالاً كانوا أو نساء..وكل هذا التفوق في العمل والنجاح في عقد علاقات ودية مع الغير..والجمال المبهر الساطع كأشعة شمس لا تحجبها غيوم..والضحكة التي تفتح ألف قلب وقلب..والتعامل الراقي لنفس مطمئنة صافية نقية..أشياء عدة جعلتها متفردة أدمت فؤادي العليل وأصابتني بألوان شتى من أحقاد منوعه خاصة حين دخلت بعلاقة حب مع زميل مكتبنا والذي حاولت مراراً شد انتباهه أو الاستئثار به دون فائدة..

الشيطان مازال مسيطراً والرغبة في إزاحتها من دربي مستمرة من نقطة الضعف لديها ” المرض “.

ماذا أفعل..هل أنفذ؟ ظل السؤال مسيطراً.



0

 

قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد

بمناسبة يوم التحرير

” دمار “

 

صعب أن تبدأ برحلة حدد  موعد نهايتها منذ زمن بعيد..جلست في غرفتها فقد شارفت على عامها الخامس والثلاثون امرأة تناستها فترات المراهقة والصبا وعبرت مباشرة إلى كهولة مبكرة..

صوت أبيها يعبرها حزينا..مكسورا..حين أخبرها أن هذه هي فرصتها الأخيرة للزواج..

أرمل ذلك القادم إليها في الخمسينات من عمره أبناؤه غادروا حضنه إلى أحضان أخرى والزوجة فارقته بعد مرض وخانته قدرته على التعامل مع وحدة مفروضة عليه فكان لا بد من ارتباط ثان ..

وهي كيف تقبل؟! الدمار داخلها أكبر من أن ينسى أو أن يمر..

تشعر برغبة في البكاء..فلطالما تقدم إليها العديد ولطالما رفضت لذات السبب..لكنها اليوم وحيدة مع أب قارب على الرحيل في نهاية محتومة..من سيقف معها ومن سيمد لها يد الوصل؟!

أبوها يلح وبصورة مستمرة مذ قدوم الأخير للارتباط بها..

العقل شبه متوقف..لأسباب تمتد في عمق الزمن لثماني عشر سنه..لبدايات الغزو العراقي على الكويت..تتنهد بعمق..تجذب غطاء السرير ..تجره حيث هي..

تشعر ببرودة تسري في جسد نحيل..لم يأت أوان تشغيل التكييف والجو معتدل ..فمن أين أتت تلك البرودة تدرك تماما إنها مجرد الذكرى..

تستند على ظهر المقعد الأسود كسواد عالمها منذ عام 90 تشعر برغبة في الصراخ..ضاع العمر سدى بسبب ظلم ودمار..

تعود لتلك الأيام بدايات أشهر الغزو العراقي..كان البيت يضم الأم والأب والأخ وهي..

أخوها شاب في العشرينات من عمره..مفعّم حيوية وحياة وتدرب على بطولات أعطيت له في مناهج الدولة على مدى سنين عمره حتى تخرج..فترعرع على حب الوطن “حب الوطن فرض عليّ” كان يردد دائما مقطع هذه الأغنية الوطنية رفض فكرة الاستعمار لوطن مسالم من جار غادر..رفض أن تسلب أرض البلد وتدمر..رفض أن يضيع عالمه عبر خريطة وطنه..ثورة الشباب ومقاومة الأبطال ..أطاحت بقوة العدو وبهرته..قلة الشباب أمام ملايين من العسكريين حتى عرف العدو دوره ومكانه وبيته..

تتقلب حيث هي..كأن مجرد الولوج في نفق الأزمة يطعنها من جديد ويؤلمها بشدة..ولا تقدر على التعامل مع الحادثة دون وجع..تنظر للأضواء ترقص أمامها تفقدها المزيد من القدرة على التحمل وكأن الدمار في الجوار مازال يتشاجر معها وكأن البكاء الداخلي يفرغ بركانه فيها..وكأن الماضي مازال حاضرا ومستقبلا..لا تستطيع أن تأمل في تجاوزه..

مجموعة من الجنود تفوق الثلاثين طوقوا البيت وتسلقوا جدرانه وأسواره..وعيون الشر تنطق بها نظراتهم وبوادر العنف في صوت وكلمة ويد وسلاح..رفسوا الباب الداخلي للغرفة تشابكت الأصوات والأوامر والصراخ..لم يستطع أي كان أن يفهم ما يقال أو يعي ما يجري ..التوت هي بجانب أمها ووقف الأب في الأمام..والكل يصرخ في ذات الصوت وذات اللحظة ” وين محمد ” كان محمد قد اخفي في الغرفة الصغيرة فوق أحد حمامات البيت بعد اتصال من جيران الشارع الكل يخبر البيت الذي بجانبه أن هناك تفتيش..الكل كان يحب الآخرين ويخاف عليه ويحذره..لكن العنف الذي غلف جنود العدو والغدر الذي تعاملوا به وتفكيرهم المنحرف جعل قائدهم يجرني حيث أنا..يمزق كل قطعة ملابس مرت على جسدي ..أمي صرخت بعنف الأمومة وخوف الأم..وأبي حاول الامساك بي وجري ولكن إلى أين؟ ضرب بعصا أحدهم فتكوم دون أن يقدر على الحراك..واغتصبت بكل شراسة الرجال أو الحيوانات إن صح التعبير من أربعة أو خمسة..لست أدري بكي أبي في مكانه ووضعت أمي يدها على رأسها واختلطت عندي روائح الدم والعرق والعفن..

وحين وضع القائد طرف بندقيته على رأس والدي صرخ أخي حيث هو..” لا ” من حنجرة باكية وقلب مفجوع..نزل دون النظر إلي حتى لا يشعر بتأنيب ضمير يزيده وجعا..سحب وحاولت أمي سحبه من الطرف الآخر وأخذ منذ ذلك الحين ولم يعد..

تفيق من لحظات الذكرى المدمرة..باكية..ماتت الأم بعد التحرير بسنوات قلائل..

لكني صحوت على صدمة أفظع من الاغتصاب..فكان حملي..

من هو الأب ؟ يكفي أن يكون مجرما قذرا..

ووضعته صبيا..بعد التحرير ببضع أشهر..لم أنظر إليه أو أطالعه ..يكفي أشهر الحمل وابتعاد نظرات أبي عني وصوت نحيبه ليلا..جعل كل مافي داخلي يرفضه قبل أن يولد..

أخذته أمي بعيدا..لم أسأل أين..كان يراودني في فترة النفاس حلم غريب أراه فيه شابا مبتسما خلف حزن معتوه..عزلت نفسي عن الحياة..كان رأسي يعج بآلاف من التساؤلات عن مصير مجهول لكلينا..أنا وهو..وبدأت التعّود على أن لا مستقبل لي بالزواج..تقدم لي كذا واحد كنوع من الشهامة وإن ما حدث لا ذنب لي فيه لكن مجرد التخيل للأزمة وللدمار الذي لحق بي كنت أرفض وهذه هي المرة الأولى التي يصر فيها أبي علي..ربما لشعوره بدنو أجله وربما خوفا علي من غد غير محدد الملامح.

ولأول مرة منذ سنوات يعود ذات الحلم من جديد..لابن لم أعرفه ولم أتقرب منه..فكان القرار..

تحمل نفسها..تطرق باب غرفة الأب..تلمح حزنا مازال معقودا في نظراته ..تجلس بجانبه بعد أن تقبل جبينه..يبتسم إليها بحنان يسأل : وافقت ؟

تهز رأسها بالنفي..نفسي ترفض الفكرة يا الغالي..

..ولكن..يصمت برهة..العمر انتهى يا ابنتي ..يكمل..وقد خنقته عبرات..

..أردت التحدث إليك بشأن قرار فكرت به..

طالعها بحنان بالغ..طالعته محدثة نفسها..أنا محظوظة بوالد مثله..

مرت لحظات صمت مفروضة على الاثنين..حين أمرها بالمضي قدما فيما أرادت الحديث عنه..

لم تنظر ناحيته هذه المرة..خشيت ردود فعل عنيفه قد تصدر منه..وقالت..أريد التعرف على ابني..الصمت استمر..أكملت باعدة ناظريها عن ناحيته..اليوم عمره ثماني عشره عاما أريده رجلي الذي يساندني ..ومهما قلنا..يظل هو قطعة مني..

يمر عليها نحيب الأب الذي حاول إخفائه..ليسأل..هل تقدرين؟

…لقد تربى هنا..في بلدي الطيب..في دور الرعاية..أكيد يتحدث لهجتي..ويعرف خريطة بلدي..لذا فأنت القادر على إحضاره لي..فهل تعرفه؟

…نعم…استمرت أمك بزيارته حتى توفت..لكن منذ وفاتها لا أعرف عنه شيئا..

..هل هذا هو قرا رك الأخير؟

..نعم يا أبي..شعرت براحة منعت عني الشعور بالألم مذ فكرت باللجوء إليه..

ينهض الأب من مكانه..غدا صباحا سأذهب حيث هو وأخبر المسئولين بالقرار..هكذا قال الأب ..وأكمل..للدولة قانون تطبقه مع هؤلاء فلا أدري ما هو لكن سأحضره إليك بإذن الله..

خرج الأب من غرفته..ظلت هي فترة..شعرت أنها مدعومة من أب قد لا يؤيد قرارها..تنفست بعمق أحست بنوع من الطمأنينة داخلها..خاطبت داخلها..يكفيني من هذه الدنيا ابن لم أعرفه يكون سندا لي..



0

 

 خواطر ….بقلم هيا علي الفهد

 

” ذكرى “

 

أنا مجرد ذكرى

حلوه كانت

أو مرّه..

تظل ذكرى

انتهى العشق بجره..

خذاه السيل

والمطر ما مره..

أنا مجرد ذكرى..

القلب يموت بالهجر

واللوم ما نفع

وما ارتفع قدره..

لاهوب القايله

دخل في الصدر

وفي الصدر حرّه..

أنا مجرد ذكرى..

عمر بيننا ضاع

سنين مرت

هباء

وحب راح عمره..

أنا مجرد ذكرى..

عطيت وما بخلت

لكن أنت

اتضح غدره..

شي داخل

الروح

أسود انفضح سره..

منو أنا !

ومنو أنت !

أنت ظلام في بحره..

وأنا مجرد .. ذكرى ..



0

 

خواطر ….بقلم هيا علي الفهد

 

” رغبة امرأة “

 

أريد أن أحب

وأن أكون عاشقا ومعشوقاً

وأن يقف زماني عندك..

أريد أن أكون

فراشة لا تحط إلا

على هامتك أو على يدك..

اربد أن تكون لي

وحدي دون نساء الكون

مميزة أكون لديك..

أريد أن تحبني

بقلب لم يعرف الوله قبلاً

تعرق منه ثنايا خديك..

أريد أن تراني

بلون جديد..برائحة

لم تعرفها رئتيك..

أريد أن أكون الأولى

والأخيرة وامرأة بألف وجه

تضمها بين خافقيك..

أريد أن تكون لي وحدي

رجلاً احتمى به

رجلاً تضمني في عينيك..

فهل تقبل يا فارسي

وهل ترضي بأنانية

امرأة ارتمت بين قدميك؟!



0

 

 

قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد

” تجارب نسائية “

 

وقف يتأمل فقد ملّ حياة أصبحت وضيعه..مملة شاقه بجفافها وعنادها..منذ بضع أشهر كان يعيش مع زوجته تحت مظلة سقف وحيد..مجبر على معاشرة امرأة لم يعشق فيها الرائحة أو العبث بشعر وقسمات وجه..كان يراها بروداً اشتق من علبة التجميد صمته وصقيعه فأدرك إن الاستمرار سيرهق الاثنين معاً هو وهي فكان القرار بالانفصال كحل وهروب..

حمد ربه إن لم يكن هناك رابط يقيده بها..لا ابن لا ابنه لا ذكرى حلوه تشده حيث هي..

يدرك بغريزته إن الرجل إذا لم يعشق المرأة من الليلة الأولى فلن يعشقها أبداً ..فكان ذاك حاله..

هي المرأة الأولى التي اغتصبت عذرية رجل داخله..فكانت العلاقة زوج وزوجة كنوع من التكاثر لا أكثر من ذلك اتحدا بورقة لا بعاطفة وانفصلا بورقة احتوت كلمة واحدة تقطع كل خطوط الرجعة..

أفكاره مسمومه فاليوم يستعرض كل من جئنه في حياته ليتحكمن بقلب رجل مغلف برداء طفل لم يشخ ولكنه شاخ..

عندما خرج هذا الصباح آثر الهروب لمخيم في البر فالبر في شهر فبراير قمة الجمال هنا..لعل الصحراء تمتص بعضا من عبرات الروح أو صراخ القلب..

إن فكرة المرأة الأولى ووجودها والفترة التي ظلت معه والفترة التي أعقبتها للرحيل استنزفت أنواعاً شتى من المشاعر..

جلس بجانب الخيمة ممسكاً بقطعة من عصاة صغيرة..خط كلمات على الرمال مسحها بذات الطرف يحدث نفسه ..آه كم أتوق إلى الأمان..

إن ما مر به من أحداث أيقن أنها حماقات رجل لا تجارب له فالمرأة الأولى منحها أملاً لم تعيه فعاش على غير رغبة منه بها حتى يقرر متى ينفصل فكان..

خرج مجروحاً من تجربة فاشلة..لم تحاول أن تكسبه ولم تحاول أن تتمسك به ولم تحاول أن تعطيه تجربة حلوه لرجل دون مغامرات ..ولم تستفد من صفحاته البيضاء عن المرأة..

حتى أصابه ذعر حطم داخله كبرياء الرجل..ودخلت الأخرى حياته..امرأة مفعمة بالحب..بعبق الأنثى الحقيقية .. ببراءة الطفولة المخفية فرضت بقاؤها وقالت سأعتني بك فصار وجودها أسلوباً علاجياً مقرراً واستطاعت بذكاء استغلال كل مساحات المشاعر والرغبة فباتت هي انعكاس للروح وصار حديثها هو المفضل والجدال معها لم يأخذ يوماً صفة الفظ ودخلت إلى العميق من النفس والعقل والقلب..

يتذكر حين قابلها أول مرة.. جلس معها في كبينة المطعم شعر بالشبع قبل البدء بالطعام..أمسك يدها اليمنى ابتسم قبلّ كل طرف لكل إصبع.. ضحك قائلاً.. اقرأ لك كفك؟

طالعته بانبهار ووله وسألت.. هل تعرف؟ أجاب ” نعم ” صدقته.. أخذ يحدثها عن خط الحب والعمر.. ويمر على الكف بعشق ويضحك .. نظرت إليه بحب عبر جسده كله ليهتز معه .. حتى قال  ” صدقت ؟ اتسعت العيون لديها ليعلو الوجه لون أحمر اقتبسه من الجوري.. لتسأل وهل تمزح؟

قال.. هي حجة لأمسك اليد واشم رائحة عبيرها..

لحظتها اقترب أكثر منها.. لمس الجبهة بشفتيه .. دنا أكثر من الخد واقترب من الشفتين .. أحس بالفرق بين أن يقبل امرأة بلا رغبة وامرأة اقترب منها والقلب يصرخ دقاً..

ولكن الزمن فصله عنها..حين رفضته الأم ..ترفض أن يأخذ ابنتها رجل مطلق وهي البكر..حاول وحاولت وكان البعد لتتزوج من آخر دون أن يكون لديه تجربة امرأة أولى ..

كانت صفعة من الزمن حين ابتعدت وعقد مع الفشل صفقة أن تبتعد امرأتان عن دربه الأولى برغبته والثانية مفروض عليه ومن كان منذ زمن قليل بلا تجارب مع النساء..صار ذو تجارب فاشلة عبثت بدنياه ومشاعره وتركت داخله شروخاً مؤلمة لتدخل الثالثة نفقاً بات ذو تجارب..عالم خرج من دنيا الوعي إلى اللاوعي..كانت امرأة مختلفة اختارها بنفسه من المرة الأولى لتصير الزوجة الثانية وينفض غبار فشله مع الأخرتين وكان لابد من تصليح الأمر حتى لا يكون أقل حظاً من رجال يعرفهم..

اختلاف الثالثة جاء من منظور تجاربها فهي مطلقة للمرة الثانية.. وقد تصبح تجربتها ذات حد ايجابي فتنفعه وقد تكون من زاوية أخرى تعلق بسلبيات الفشل فتلقي به في عاصفة لا نهاية لها..

رؤية للموضوع إما تقذف به لشاطئ الأمان وإما الغرق في سوء الاختيار..

ولم يستطع هو مضاهاة تمرغها في طرق التعامل..لكن المفجع ما طل عليه من خلف كل ذلك ” بلاهتها ” كانت محدودة التفكير واللغة ..فغدا الأمر شاقاً من جميع النواحي..لتطل عليه أمه معاتبة :

..أرأيت ؟ من الخطأ الارتباط بامرأة تزوجت مرتين.. يشده الصمت للجانب الخلفي من العقل..لتكمل هي ..

..تجاربها الفاشلة لابد وأن تنعكس على كل شيء فيها..حياتها ..تفكيرها..تصرفاتها..كلامها..

الصمت مازال يعيقه عن عملية النطق أو التعليق..

..لا تأخذ ما قالته على أنه صواب..فإن كان الزوج الأول على خطأ فهل من المعقول الثاني كذلك؟!

ينظر لأمه بألم انحدر به  للدرك الأسفل من الفشل..ولا يعلق والأم تستمر في عتاب جارح..

..لو أعطيت نفسك فرصة الحب والتعرف عن قرب للزوجة القادمة ولم تتسرع..

كلام أمه على جانب كبير من الصحة وشحنة إضافية من حزن خفي طوقته..

ليتحول الصوت القادم من حنجرة الأم لحنان وخوف عليه فتقول ..الحب يا عزيزي يذلل عقبات شتى خاصة بعد فشل الاختيار الأول..

مجرد الذكرى المسحوبة حيث حبيبته الوحيدة يجعل قلبه يقفز حيث هو..أصابت أمه للتو بيت القصيد..ولكن ما الحيلة..

تطل الزوجة عليه..تلح عليه أن يطلب ما يريد لتنفذ رغبة في إرضاء رجل جريح وحماية لامرأة لم تعد لها فرص أخرى بالارتباط برجل..

يطالعها فالأمر شاق وشبه مستحيل لعلاقة ناجحة فالمرأة الذكية  هي التي تدرك ما يرغبه رفيقها دون سؤال..

 يصحو من رحلة ذكريات مؤلمة ..يتنهد..يدور حول الخيمة كاد يسقط حين تعثر بأحد حبالها..يعاود الجلوس مرة أخرى على الرمل..العصا مازالت بيده..أحرف اسم الحبيبة تطل عليه متحدية  إياه..مادَ ً له لسان العبث بجرأة لينطق كل حرف فيها قائلاً ” اتحداك ” يتخيل قربها من زوجها..ويدها الرقيقة عالقة بين يديه أخذت الغيرة بالنيل منه حتى استنزفت طاقات التحمل لديه..من المفيد في هذه اللحظة اللجوء لصوتها..يتصل بها..يسمع الصوت الجميل من الطرف الآخر..” ألو “

..احتاج إليك.. عبارة يتيمة أطلقت لديه كل مشاعر الحاجة ..يرتجف صوتها..لترد.. من المفيد أن لا تتصل..

..ولكني غير قادر على أن أطرد ذكراك من مخيلتي .

الصوت يزداد ارتعاشاً..لتقول..لابد من تنحيتي.. صمت مؤقت يظلل الحديث..صوت نفسها يعبره..يصل إليه..يخدره يشعر بنوع من الاستمتاع ..يسأل..هل حياتك معه آمنة..؟!

يسمعها تبكي..أنا أحببتك بقدر حبك لي..

..لمَ لمْ ترفضيه؟

..لم أقدر

..وما الحل ؟

لا تجيب تغلق الخط..يعاود الاتصال..يأتيه الصوت الجاف ” الجهاز مغلق أو خارج نطاق التغطية”

يصحو على غبار متطاير..يدخل العين..تنزل الدموع..نوعان مختلفان للبكاء..يطالع اسمها المحفور على الرمال..أحرف راقصة بدأت بالابتعاد عن الناظر..

يدق هاتفه..يدق القلب ظاناً إنها هي ..لكن الزوجة تتفقده..لا يأبه للسؤال أو الجواب..

الخلاف كبير بين فكر وآخر وقلب ومثيله..



0