قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد
” نسخة مكررة “
أوقفت سيارتها في مواقف الفنار..ودخلت حيث المجمع التجاري الذي يتصف بالهدوء..هي بحاجة لهدوء..هدنه مع حركة الأعصاب واضطراب المشاعر داخلها..حين أحبته أرادت من خلال هذه العلاقة الهروب من ماضي اتصف بالغباء واتشح بالسواد وخرجت من تجربة فاشلة أعطت الانطباع السيئ لعلاقة الزوج بزوجته وتيقنت أنه من المستحيل أن يلتقي الرجل مع الوفاء في نقطة واحده..
جلست في إحدى مقاهي المجمع في الدور العلوي..تطل من مكان يشبه البلكون على الدور الأدنى تراقب في موقعها هذا حركة الرواد القلائل الذين اتخذوا منه مهرباً من المجمعات المزعجة حجماً وحضوراً..
لمحت زوجين من بعيد يمسك كل منهما بيد الآخر..ويبتسمان..لأول مرة أدركت أن هناك من الأزواج من له القدرة على التبسم في وجه الآخر..وحدثت نفسها عبر قنوات اللاسمع ..لماذا حظها رديء بينما تملك بعض النسوة حسن الحظ مع الزوج؟
وأخذت تتذكر مقطع أغنية للخالدة ” العيب فينا يا بحبايبنا ” إن اندفاعها لزوج وهبته الروح والجسد والإخلاص بعد علاقة حب ..ورحلة زواج استمرت كذا سنه واكتشاف قاهر لعلاقة له مع أخرى وانتهاء العمر بنهاية مؤلمة معه كل ذلك جعل الآخر يدخل في هدوء وسلاسة داخل أعماق حياتها بحكم وجوده في نفس القسم.
مد لها يداً لم تنظر للفشل إلا أنه بداية حياة لا نهاية لها.. تصحو من توارد الخواطر داخل العقل المنهك بوقوف النادل بجانبها يسأل عن الطلب..تقلب القائمة بين يديها دون أن تستوعب ما وجد فيها..
يتململ النادل فالوقت طال..وهي جل ما تراه صفحة بيضاء تحوطها غشاوة رمادية صدرت من عين هدها البكاء والسهر..
تناوله القائمة وتسأل ” إبريق شاي لو سمحت ” يمتعض النادل أبعد كل هذا الوقت يكون هذا الطلب..
لا تعيره أدنى انتباه..
تصدر عنها زفرة حارة من داخل الصدر ..” سأجد سبيلاً ” تتحدث بصوت مرتفع بعض الشيء..
تبدأ بشرب الشاي من الكوب الأبيض الموضوع أمامها على الطاولة..بدأت باسترداد ذكرياتها مع الآخر..
كيف دخل مكتبها ذات يوم حين انتشر خبر طلاقها من الزوج ….لا تحزني ..أنت ألف من الرجال من يتمنى وجودك معه..طالعته لحظتها بعين حاوطها الاستغراب لانتهاز الفرص..ليكمل هو..وأنا واحد منهم..
لم تتذمر أو تعترض على عبارته التي أنهى بها حديثه ذاك..
بل شعرت باسترداد العافية ..فالجرح مفتوح وإن كانت هي التي سعت للانفصال..وهذا بدأ بمعالجة الجرح في حينه رحمة من الإله اعتبرت وجوده ولم يترك لها فرصة التألم أو الشعور بالخسارة..
وبدأت رحلة حب جديدة ردت لها الاعتبار وداوت الكبرياء المجروح..
لأول مره مذ عملت معه تتابع ما يقال عنه ولأول مره منذ سنوات زمالة تدرك تعلق الأخريات به..ربما لمركزه أو لثقافته أو لوسامته..أسباب عدة تجمعت لتشكل دون جوان القسم..
وأحست بغريزة الأنثى أنه مطلوب لكل نساء الإدارة..
بدأ الحب ينمو داخلها تجاهه..حب رفعها به عالياً بكميات من الثقة كبيرة أوجدها في أنوثتها وجمالها وأناقتها وحديث المرأة وضحكات الطفلة..
وعبرتّ ذات مره عن غيرتها من إحداهن..
وكيف ضحك من تفكير عاشقة غيورة وقال..دعك منها..
لكن الغيرة اشتعلت خناقاً بينهما..حمل المصحف وأقسم بأن لا شيء يربط بينه وبين الأخرى..
وحوصرت هي في مواقف أثارت الشك أكثر من الغيرة..
لكنها تقوقعت داخل عذابها وأخرست المعركة داخلها ما بين عقل وقلب..
لتطل ثانية جاءت تفرض وجودها معه وتعترض طريقها..وسرت إشاعات وهمسات عن علاقته بها..فواجهته وأنكر واحتد وغضب …هل ستصدقين كل ما يقال عني؟
آثرت السكوت حتى لا تشتعل ناراً بينه وبينها..ودعته يكمل..الإدارة هنا لا تملك إلا التحدث عن الآخرين ..
داخلها يقول..لا دخان بدون نار..
تعاود ارتشاف الشاي تشعر بحرارته داخل حلقها..آه..ضربتان على الرأس توجع..هل حظها العاثر يضعها في دروب رجال لا يعرفون الإخلاص..
تتذكر حديث زميلة لها عنه..تصدقين..علي….
تلمح زميلتها كيف تغير لون الوجه..فتساءلت عن السبب..
وكيف أخبرتها بحسن تصرف أبعدها عن شك الزميلة..لتسأل من علي؟
..علي بدر..
هزت رأسها..لتكمل الزميلة..دخلت عليه مكتبه وكانت عنده امرأة من خارج الإدارة..وكان في موقف مريب..و…الكلام وقتها لم يعد يصل إليها..القلب موجوع ..هل أساءت الاختيار للمرة الثانية؟
تصحو من ذكرياتها وقد تنبهت لدمعة أخذت موقعها على الخد..مسحتها على عجالة..المكان لا يسمح للبكاء..ويجدر بها الانتباه والسيطرة على مشاعر مجنونة مضطربة..لتخاطب النفس” ما الذي انتظره ” ؟ إن ما يحصل معي ظلم..
واجهته وأنكر كالعادة..وتساءلت..لماذا لم تنتبه لأخلاقياته قبل التورط معه بعلاقة حددت مسارها في دروب الفشل..
هو يشبه الآخر..صفات مشتركة ما بين حبيب آتٍ وزوج غادر محيط حياتها..كلاهما كذوب ولديه القدرة على تمثيل شيء مختلف وكلاهما يخون وله علاقات عده..وكلاهما سمعتهما سيئة في مجال العمل..وكلاهما طاعن لكرامتها ومغتصب لعالم الحب والقلوب..
الصدمة في الأول قوّتها والصدمة في الثاني شلتها..وتجربتان تركت في الروح ندوباً لا تنمحي..
وقف قبالتها مدافعاً عن نفسه باستماته حين سمعته يخاطب أخرى بوله مزيف على الهاتف..تيقنت بعدها بأن لا فائدة منه..
وأدركت الخطأ الذي وقعت فيه وتيقنت سوء الحظ مع الرجال وسخرت من وفاء يطوق العقل والقلب لديها لمن تزوجت ولمن أحبت وما هو إلا نسخة مكررة للرجل الأول..واليوم قررت قطع العلاقة والخروج بأقل خسائر حين أخبرته صباح اليوم بانتهاء ما بدأ..
..لا فائدة ..العلاقة فاشلة
..ماذا تريدين مني ؟ إن كان زواجي بك يعطيك الأمان فغداً أتقدم طالباً يدك..!!
..وهل الزواج ينهي حالة الصراع داخلي..؟ أو يقضي على شكي بك؟
..وماذا أكثر؟
..هناك ما هو أهم؟ الإخلاص لي
..أنا مخلص وأتحدى كائن كان
نفس الكلام سمعته من الزوج ونفس العبارات..وتشابه بينهما كبير..
صحت من رحلة الألم..على ذلك الذي جلس في الطاولة المقابلة يبتسم ويردد رقم هاتفه النقال..
ابتسمت ليس ترحيباً به..بل سخرية من قوانين الذكور..
0