قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد
” لقاء “
لمحته جالسا في زاوية المطعم يمسك ملفا أخضر اللون يقلب في أوراقه ويدّون بضع كلمات على ورقة موضوعة أمامه كان فنجان القهوة باردا أما قد شربه وانتهى وإما قد تناساه لسبب ما..
كان قد كبر في العمر سنوات أطول من المعتاد واختفى البريق الذي كان فيما مضى يطل شعاعا من عينيه ولمحت شفتيه اعتصرا حزنا فضاق الفم بهما..
أخذت تقلب صفحات الماضي في عقل منهك..كم مضى من السنين على آخر لقاء معه..قد يكون عشرا أو بضع سنوات أكثر من العشر..لكن الذي أدركته أن هذه السنوات غيرّت منه وبدلّت فيه..
كان أحد دكاترة الكلية التي درست فيها وكان مثار إعجاب طالباتها وهي إحداهن..لكن لم تدرك أن للسنين أثارا حتى رأته..
لم يلتفت ناحيتها كما لم يلتفت لأي من المتواجدين..فقد كان ملفه شغله الشاغل ..ارتشفت كوب الشاي فقد انتهت من تناول غدائها..ترددت في القاء التحية عليه..فحالة الوجوم التي تعتريه لم تدفعها للتقدم نحوه وشدتها للبقاء فترة لمراقبته..حين رن هاتفها المحمول..كانت صديقتها على الجانب الآخر منه تسأل عن مكان تواجدها حتى يتسنى لها القدوم..كما اتفقتا منذ فترة لكن الآن لا ترغب في ملاقاتها فقد شدها الآخر حيث هو فأجابت: لقد تأخرت يا منار..وأنا قد تناولت طعامي وسأغادر عاجلا..
الصديقة تعاتب من جانبها..ولكننا اتفقنا وقد رتبت أمور البقاء معك..
..لقد تأخر الوقت قليلا..وسأغادر المكان..
الصديقة تحتد في الكلام أكثر..تصرفك غريب ومزعج ولا أدري سببه..
..لا يوجد شيء عزيزتي ولكن..
تقاطعها بعصبية واضحة..أنا لم أتأخر عليك ولكنها مزاجية منك..
وأغلقت الهاتف من جانب بعد أن اتخذت جانب الزعل..
معها حق..تخاطب نفسها..ماذا دهاني حتى أتصرف هكذا..
تعاود النظر حيث هو..لم يرفع طرفا ناحية أي كان غير الملف والورقة..
ما هو العمل الذي يجعله ينهمك بهذه الصورة؟! سؤال دار في فكر احتار من موقف صامت منه.
ترددت للمرة الثانية هل تذهب حيث هو أم سيغدو تصرفها تطفلا؟ وهل سيتعرف عليها ويتذكر طالبة من عدة طالبات كنّ حوله..
السؤال أضعف الموقف لديها وجعلها تتردد أكثر مما كانت عليه لكن ما طل من عينيه حين رفعهما أثار في عقلها كذا سؤال عن حزن لا محدود وهو الذي كان يتصف بمرح طفولي وشقاوة في النقاش عفوية..
الزمن غيّر وبقسوة..هذا ما دار في خلدها..تلفتت يمينا ويسارا لعل حركة الرأس الصادرة عنها تشده نحوها..ولكنه عاد للملف والورقة..
كوب الشاي انتصف دون أن تكمله فقد نسته دون إدراك منها والرغبة مازالت ملحّة للذهاب حيث هو..تكلم نفسها بهمس ” مو مهم إذا اعتبرني متطفلة” وإذا لم يتذكرك..سؤال صادر من الداخل..والإجابة الأسرع سأعرّفه بنفسي..
تحرك المقعد للخلف يصدر صوتا مزعجا بعض الشيء يطالعها رجال الطاولة الخلفية بغضب..تنظر إليه..لم يلفت نظره الازعاج الذي أحدثته وقد كانت تتمنى..تقف مترددة يدنو النادل منها يسأل..هل يحضر فاتورة الحساب؟ تخبره أنها ستعود لطاولتها..يبتعد هو وتقترب هي حيث دكتور الجامعة تقف برهه قريبة وقريبة جدا من طاولته..تزداد الدهشة لديها لم تلفت انتباهه..تسحب الكرسي الخالي عند طاولته..لقد أدرك أخيرا وجودها..رفع الرأس حيث هو..ابتسمت..لم يرد الابتسامة لها..
..اشلونك دكتور؟
يهز الرأس كإجابة مختصرة..وينتظر التعريف عن شخصها..
تسأل وقد زالت الابتسامة عنها..هل تتذكرني دكتور؟
تطول فترة صمته..تقطعها..أنا ريهام أحمد..
تصمت فترة..لا رد فعل بانت عليه..تكمل..طالبتك في الكلية منذ سنوات..
يعاود النظر لورقته..طالباتي كثر..هكذا أجاب وقد احتد في الكلام..
تذكره بموقف حصل بينهما..يرفع الرأس مرة أخرى حيث هي يصمت قليلا ليرد..نعم..نعم.
انتظرت أن يدعوها للجلوس..ولكنه لم يفعل..سحبت الكرسي ثانية وجلست..عاود النظر إليها..بادرته بسؤال..لم أعرفك حزينا هكذا..فلماذا؟
الصمت يفرض وجوده..لتكمل ملاحظتها..وقد كبرت سريعا..تصدر عنه زفرة حارة..أدرك بعدها أن في الموضوع شيء خفي..
تنظر للورقة التي دوّن عليها ملحوظاته..قرأت بضع عبارات..لا شيء مهم..ربما من أجل أشغال الفكر والوقت لا أكثر..
تسأل..ماذا حدث؟ يتعجب من إزاحة الحواجز بينها وبينه..ولكنها لا تعر ذلك اهتماما..
..الدنيا لا تستحق منا كل هذا الألم..
التنهيدة تعاود الظهور..
..نعم..أنا أصغر منك سنا..لكنها نصيحة فقد كنا نراك ضاحكا على الدوام وكانت محاضراتك ممتعة لأنك تغلفها بحس فكاهي..
..أزمة وستمر..يجيب باختصار
..لا شيء يدعو للحزن
..الموت يدعو للحزن
إجابة أزعجتها..لتسأل..من مات ومن فقدت؟
يطرق بأطراف أنامله حافة الطاولة..” زوجتي ”
..الله يرحمها
ليردد بعدها..الله يرحمها ويجعل مثواها الجنة ” آمين ” تردد بعده ” آمين ” العمر لك إن شاء الله
..العمر توقف مذ غادرت هي
..العمر لا يتوقف بمغادرة أي كان
يحتد بإجابته..وما أدراك
..لقد فقدت الأم والأب وبين الأولى والثاني سنوات قلائل
..الزوجة تترك فراغا كبيرا
..والوالدان يتركان فراغا أكبر..لكنها ليست نهاية الدنيا..الحياة تستمر
يطالعها..وكأنه يسأل من أين قدمت هذه حتى تحاسبني على حزني.
تخرجه من طاحونة الفكر..لتسأل ..وهل لديك أولاد؟
..بنتان
..فيهما البركة..والبنت أم ثانية
..مسئولية البنات كبيرة
..تزوج بأخرى لتكون أما لهما
..لا بديل للأم..ولا بديل لزوجة حبيبه
تعجبت وتساءلت وهل يوجد رجل يفكر هكذا
آه..صدرت عنها دون إرادة ..فرق كبير بينه وبين زوج تركته لعلاقاته المتعددة.
الصمت طال بينهما والحزن هو المشترك..حزنه للذكرى التي أطلت من حديثه معها..وحزنها لمقارنة ظالمه بين زوج خائن ودكتور وفي لذكرى راحله يقطع الصمت من جانبه ويستأذنها المغادرة..
يحمل ملفه وورقته ويغادر لتعود هي حيث الطاولة المنتظرة..
تشعر بحزن غلّف القلب والعقل معا.. ترفع هاتفها تعيد رقم آخر من اتصل ..صديقتها منار..
تقول..أنا أنتظرك في ذات المطعم..تعالي
0