قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد
” عزلة “
كنت أظن أني تفردت في قراري ..فأحسست بأنواع شتى من صراعات الضمير الداخلي..مره يعنفني لحالة اللامعقول التي أعيشها مع زوجي..ومرات يلقي بي في دهاليز الندم..وكنت دوما أقع فريسة الصراع ما بين حق وباطل وحرام وحلال حين قررت هجره والمبيت في غرفة منفصلة بعيدة عن داره..
حتى كان ذلك الاستقبال الذي دعيت إليه..كان مجلسا حافلا بنساء من مختلف الطبقات والمستويات..منهن المتدينة والتي تنادي بالعقاب ومنهن السافره التي تطالب بحقوق المرأة السياسية ومنهن التي تركع وتستجيب للزوج في كل ما يطلب وتلك المتمردة ربما بحق وربما دون حق..أشكال لنسوة تعددت الأفكار والمبادئ واختلفت طرق الحياة والتعامل مع الطرف الآخر..
طوقني الصمت فترات عدة بعد أن اتخذت قرار البعد عنه حين ملني صبري ومللت صبري عليه..ولم يكن قرار الطلاق ممكنا خوفا على ابنه طافت العشرين بأشهر وتطلب من الأسر ذات الشباب..وعلى ابن مراهق بحاجة لسنوات حتى يتعدى سنين الخطر..
عندما غادرت أغلبية المدعوات..كنا قلائل تربطنا علاقات قوية امتدت سنوات طوال.استرجعنا في قعدتنا تلك حوار الأخريات حين بادرت مريم قائلة..هل رأيت ملابس فوزية؟ وجهت حديثها لي وقبل أن أجيب قالت..إنها تبالغ في متابعة الموضة..
هززت رأسي بالموافقة وإن لم أر فوزية مبالغة فيما ارتدت ..ولكنه الشعور بالغثيان مما أنا فيه..
حتى صرخت آمنة..هل قرأتن الجرايد اليوم؟
مازالت الأسئلة ترتد حيث أنا..وكأنها تعلم عدم قدرتي على النطق أو الرد..
تساءلت عبر هزات من رأسي..ما وراء الجرايد..
فأجابت مريم على سؤالها المطروح..هل تقصدين حقوق المرأة السياسية:؟ فردت آمنة..وهل هناك ما هو أهم؟
نظرت أنا للجانب الآخر..ثقل رأسي المحموم لا يترك لدي فرصة الخوض في مواضيع نقاش بحاجة لفهم وعقلانية وتجاوب..
الصوت للحوار يختفي تدريجيا عن مستوى الفهم والادراك عندي..ولم أعد أعي ما يقال إلا همهمات تدور في أفق معتوه لا توصلني لشيء والضجيج الأقوى.صراخه هو حين عزلت مكاني عن مكان مشترك لكلينا امتد سنوات..
.أنت موصاحيه..قرار يدل على جنون وضيق أفق..
كان الصمت ملاذي..عادتي دائما..فأنا لا أملك القدرة على التصدي أو الخناق..
.ماذا سيقول ابني حين يرى فعلتك تلك..؟
الصمت عندي غطاء لخوف وتربية قديمة داخلي بأن لا أواجه ولا أعترض..
..بل كيف ستنظر ابنتي لنا؟ هل فكرت في ذلك..أم هي أنانيتك .
تضغط مريم على يدي قائلة..نوال..ما بك..لا تبتعدي عنا كثيرا بفكرك.
أحاول النظر حيث النسوة..لا أدري متى خرجن من موضوع حقوق المرأة للمرور على عقلية الرجل وفكره وتصرفاته..صحوت على ما كانت تقوله بدريه..والله..المفروض أن يقال أن الرجال هم ناقصين عقل..لا النساء..
شعرت برغبة في طرح سؤال..لم أدر عمقه..حتى كانت ردة الفعل..
..ما رأيكن فيمن تعزل نفسها عن الزوج؟
ردت آمنه على سؤالي بسؤال..أي عزل تقصدين؟
لتعلق مريم..هل المقصود أن لا…لا تكمل عبارتها..ولكنها غطّت فمها بكفيها ففهمنا ما قصدت.
لا أدع لهن الإطالة فيما سألن..أقصد العزل في الغرف..
بدرية..يعني لكل واحد حجرته الخاصة؟ أصلا هذا مطبق في الأسر الأرستقراطية لدينا وفي غالبية بيوت المشاهير بالذات..
آمنة ..ولكننا في الكويت..البلد المسلمة.لا أعتقد يا نوال أنه أمرا منطقيا أو سليما..تربينا هكذا.غرفة الأب والأم..لا غرفة الأم وغرفة الأب..
مريم..ولكن فكرة أن يكون للمرأة خصوصيتها ..تفتح التلفاز متى شاءت تقرأ على ضوء كامل حين تريد ..تتقلب على سرير دون خشية ازعاج زوج..تضحك بصوت عال حين أنهت عبارتها..
بدرية..ولكن بعد فترة ستمل..سيصبح الفراش باردا
تقاطعها مريم..لا..لا لابد من ايجاد غرفة محايدة حتى يظل الفراش ساخنا..تضحك الأخريات من تعليقها..
آمنة..أعرف العديد من النساء من اتخذن هذه الخطوة..لأسباب عدة ولكن هن يعطين الزوج فرصة الفرار والخيانة..
تسأل مريم..كيف..؟
آمنة..بقاؤه وحده يجعله يفكر في أخريات..يغازل أخريات عبر هاتفه النائم معه..يعطي الفرصة للأخريات للدخول حيث هو وإن كن بعيدات .
كلام هزّني من الداخل..أثار في داخلي مليون علامة استفهام..أيقظ فيني الضمير الذي غفا لفترة..
الصمت طال وامتد لفترة..وكأن كل واحدة فيهن تراجع أمرا داخليا لديها..حتى سألت بدرية بنوع من الجدية..نوال..ما حكاية ما قلتيه؟
نوال..أي واحد فيهم؟
بدرية..موضوع عزلك عن زوجك.
نوال ..ولكنني لم أقل أني عزلت..
تنظر بدرية ناحيتي بريبه..لترد..كل ما أثرتيه يدل على ذلك..
أنظر للوجوه التي تطالعني في شك يؤكد ما علقت بدرية عليه..
أصمت لحظة ..أتنهد بحرقة..أبكي داخلي ليعلن خارجي ما أنا فيه..
تربت الأقرب منهن على كتفي ..تسأل الأخرى مابك ؟
تعلق الثالثة..هناك شيء عالق في دنيتك..
تسأل بدرية ..هل عزلت؟
أجيب عبر هزات رتيبة من رأس مثقل بالأفكار..
مريم ببراءة تردد..لماذا؟ لماذا؟
تنظر الأخريات حيث هي..تستحي من السؤال المطروح..تعاود بدرية النظر ناحيتي..لك أعذارك ..وهذا قرارك وحدك ..لكن اعلمي يا صاحبتي أنه خطأ تقع فيه بعض النسوة..
تعلق آمنة ..كلنا يا نوال فكرنا ذات يوم في العزل..للظروف التي نمر فيها مع أزواجنا..للملل العالق فينا من حياتنا..لاكتئاب يمر بنا..لعصبية تسيطر علينا..لكننا أبداً لا ننفذ..
بدرية..إن كانت ظروفك صعبة ..فاعزلي..ليوم..ليومين..حتى الأسبوع لكن لا تطيلي..
الصمت المحموم سيطر عليّ..اخرس في داخلي الرغبة والفكرة..
آمنة..تأكدي العزل ليس حلاً..بل بداية لمشكلة أخرى.
أطالعها بنظرات متساءلة..لتعلق مريم..العزل عنه..سيبعدك أكثر ويبعده عنك..وتزداد الفجوة دون حل للعالق بينكما..
بدرية..اجلسي معه..ناقشي ما يزعجك..اصرخي..تخانقي معه..لكن لا تصمتي وتحبسي ذاتك في غرفة معزولة..
مريم..طالعي برنامج الدكتورة فوز والله فيه العديد من الحلول لمشاكل المرأة..
آمنة ضاحكة..” شفتو البرنامج الأسبوع الماضي ” ؟
تضحك الأخريات..لترد مريم..نعم..وأكيد وجدت ما يضحكك فيه..
تستمر آمنة في ضحكها..
تنظر بدرية ناحيتي..عالجي ما أنت فيه…….بحكمه..
مريم تقول..تعالو أنا محتاجه آكل حلو..
الأخريات..أنت لا تشبعي أبداً..سمنتك هذه..تقاطعهن الله يأمرنا بالتمتع بنعمه..
تسحب بدرية يدي..تعالي..وانسي..
0