قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد
” وحده مفروضة “
كنت جالسة مع ابنتيّ أسماء وشيماء في المقهى في “الأفنيوز مول” حين لمحت ابنة عمي التي تكبرني بكذا سنة تتسوق بمفردها لمحتني عن بعد وجاءت لتلقي التحية فدعوتها لارتشاف كوب شاي أو فنجان قهوة فاستجابت بسرعة..رأيت في عينيها حزنًا مخفيًا وسألتها عن سببه فباحت لي بمكنون قلبها كيف تشعر بالوحدة واضطراها للتسوق بمفردها..غادرت ابنة عمي بعد ذلك مكاني أنا وابنتيّ..فتحدثت من وراء دموعي عن حالها وتمنيت ألا أكون في وضعها..فابنة عمي أنجبت ثلاث بنات فكيف لا تجد احداهن الوقت للتسوق معها ؟ أجابت أسماء ابنتي الكبرى..لا تخافي يا أمي لن تمري بمثل ما مرت به ابنة عمك..
وابتسمت شيماء على استيحاء لي موافقة اختها الرأي..فرحت بمشاعر الاثنتين وحدّثت نفسي بأن تعبي وتضحيتي لهما لم يضع هباء منشورًا..ومر العام..تزوجت أسماء وظلت شيماء في بيتي منتظرة النصيب..
شعرت بحاجتي يومًا للخروج..وتعللت أسماء بارتباطها بزوج وبيت واعتذرت شيماء لتعب ودراسة..
ورفضت الخروج بمفردي..باتت غرفتي تحتويني أيامًا متتالية لانشغال الأولى وتعب البنت الثانية..وكأم كنت ابرر رفض الابنتين بالخروج معي..
الوحدة خنقت داخلي كل مشاعر المرأة وأخذت مني نصيبًا كبيرًا من الحيوية..وصار الجلوس أمام التلفاز هو كل ما أملك حتى زاد وزني بضعًا..
التقاعد من جهة والطلاق من جهة أخرى حطما فيني آخر رغبة في الانطلاق..خاصة تضحيتي في سبيل الاثنتين ورفضي الزواج مرة أخرى وقلة الصديقات من ناحية ثانية رغبة مني في البقاء بجانب ابنتي ليلاً ونهارًا..
كنت أهوى الذهاب للسينما..اتصلت بأسماء اطلب منها مشاركتي فلمًا فقالت..أوه..أمي أنا متعبة..لتذهب شيماء معك..طرقت باب غرفة شيماء..كنت اسمعها تضحك وتثرثر من خلال الموبايل..عبست حين فتحت الباب..سألتها الذهاب معي..فأجابت بكلمات قليلة كأنها ترفض الحوار معي..أمي..لا أريد الذهاب..شعرت بغصة تخنقني فأغلقت الباب ليعود صوتها يصل اليّ مرحًا مع الطرف الآخر..
وقلت لنفسي..لا داعي للذهاب..فالفضائيات جلبت للبيت أحدث الأفلام..حينما أردت شراء حاجة ملحة للبيت..أخبرت أسماء إن كان بالإمكان إحضارها..ردت بإنشاء الله..لكن اليوم امتد لأيام دون أن تجلب ما أردت لي..اتصلت بصديقتي ذات مرة..ناشدتها الخروج..اعتذرت بأن هذا اليوم هو للخروج مع الأبناء..وجميع الأبناء لا يتخلفون يومًا عن هذا اليوم..
وحين سافر زوج ابنتي..سألتها المبيت عندنا..
..أسماء..لم لا تأتين للنوم عندنا؟
..أمي..صعب علي الحضور
..لماذا..؟ هل هي أوامر زوجك؟
.. لا..
..فلماذا إذاً..؟
.. سأحمل ملابسي وأدواتي و …..
قاطعتها بعصبية..أي حاجيات تتحدثين عنها..!! أنت لا أولاد لديك بعد..
رفضت هي واختنقت أنا..
أكاد لا أفهم ما أمر به فأنا أتحدث لنفسي أكثر ما أتحدث لابنتي..
تساءلت..ما الجرم الذي ارتكبته حتى أعاني ما أعانيه..وصورة ابنة عمي وهي تتجول داخل المول الكبير وحيدة..تائهة..لا تغيب عن ذهني..
إن الشعور بالوحدة بوجوده البنات يخيف داخلي الإحساس بالأمان ويطرده خارج نطاقي فكأنما أعيش جو حالك يثير فيني حزنًا نتيجة وحده مفروضة..مسجونة في زاوية باردة الأرضية نادرة الهواء..رأتني ابنتي شيماء ذات مرة اجلس على المقعد ولا شيء في يدي ولا شيء أمامي..أطيل النظر إلى الفضاء..اتعلق بالسكون..اقتربت مني..فقد هالها ما رأت من منظر كئيب.. جلست على حافة مقعدي..لم أطالع ناحيتها..وضعت يدها على كتفي ولم أحرّك ساكنًا..سألت..ما بك..أمي..ولم أرد
عاودت النداء..أمي..أمي
طلعتها بنظرات تائهة..قالت..مابك..
رددت..لا عليك..
سألت..منظرك غريب
قلت.. كآبه سن اليأس..
صدقت وانصرفت..تمنيت لو تبعتها..لو صرخت وقلت اهذا جزائي..اهذا مردود تضحيتي..جمود لايطاق..ووحدة قاتلة..أنهكتني وحدتي..واغترابي داخل بيتي..ربما هي غلطتي لأن محور حياتي كله كان هما..أسماء وشيماء..فقلت لابد أن اتحرر من ارتباطي بهما واعتمادي عليهما..
خرجت ذات مرة منذ الساعة العاشرة صباحًا..ولم اعد للغداء..اتصلت شيماء بعد الساعة الرابعة تستفسر عن مكاني..ضحكت حين نظرت للساعة..هي تعود في الساعة الثانية..
وبدأت اخرج يوميًا للغداء خارج البيت..أو للعشاء..بمفردي أو أي من المعارف..بدأت ابتعد عن البنتين أبكاني الشوق لهما لكن أي منهما لم تسأل أو تتساءل..حتى التقيته صدفة في أحد المراكز التجارية..وقف قبالتي وابتسم قال….
هند؟ قلت نعم..قال لم تتغيري
عرفت إنه ترّمل مبكرًا..وعرف إني حرة بطلاق..
وصرنا نلتقي مرارًا مرة على موعد للغداء أو العشاء ومرة في دور السينما ومرات في مقهى..
ادخل سرورًا مختلفًا داخل نفس هدّها الشعور بالوحدة والفراغ..وغيّر نظام حياتي..شعرت بانطلاقه سن العشرين ومرحه وأدخل في قلبي ولهًا لم أعرفه بالسابق وتعلقت به..
وصار طريقي أشبه ببستان فيه أزهار من كل لون..لم تلاحظ أي من البنتين ما طرأ من تغيير عليّ ولم تتساءل إحداهن عن انشغالي عنهما أو عن ملابس مختلفة أو عطر نافذ.
حتى خاطبني بشيء داخله..ورغبة بالارتباط بي..لحظتها شعرت بشيء من الخوف والرهبة وإحساس بالتردد..هل أوافق على بدء حياة جديدة ؟!
وهل لدىّ القدرة على ذلك؟
كنت أجيب ذاتي بأني امرأة ناضجة ووحيدة ومن حقي اختيار حياتي وملء فراغ كبير داخل قلب بارد.
طلبتهما..جلست قابلتهما..احتارتا بالصمت الذي لفني ساعات عن الموضوع الهام الذي جمعتهما من أجله..وكان لابد من المواجهة..قلت أن أمكما مازالت مرغوبة..كنت قد رأيت في عين أسماء اللامبالاة ولمحت الرفض في وجه شيماء تغير وجه أسماء ودون أن تظهر موافقة كاملة ردت (كيفك) والثانية قالت بقوة مستحيل..ماذا سيقول عنك الآخرون..؟!
تركتهما دون تعليق واسترجعت صورة ابنة عمي ووحدتي أمام التلفاز وخاطبت نفسي..الابنة الأولى تزوجت وانشغلت والثانية على وشك الزواج وهي مشغولة عني قبله..وهذا القادم ليدخل أيامي الباقية هو رحمة من الله..يسندني حين الحاجة..ويملأ الفراغ المفروض عليّ ويغذي القلب والروح..فقبلت..
0