قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد
” وابتسمت “
كان المطار يعج باناس من مختلف الجنسيات..الكل يلهث إما حاملا أغراضه أو يجر عربة ملئت بحقائب مختلفة الأحجام أو يسير خلف عامل جر له عربته..المطار ضاق برواده في هذه الفترة من أشهر السنة..فإجازات المدارس وبدء العطلة الصيفية وتوقيت الإجازات الدورية انصب في اشهر قلائل أقلقت موظفي المطار فضاقوا به وضاق بهم..
وأنا حملت حقيبتي وأردت المغادرة ليس حبًا بالسفر بقدر ما هو حبًا بالهروب..قرار الطلاق المعلق منذ أشهر والمفروض عليّ من قبله أشبه بجبل جديد يريد أن يلتف حول عنقي ليشنق الحياة داخلي..وأصوات الإخوة الذكور مازالت تصل إليّ منذ اسبوع أصوات غاضبة تستمد من قيادتها لقطيع الإناث القوة وتعتد بالولاية..
كان صوت الأخ الأوسط الأكثر حمقاً وحدّة..أكيد الخطأ منك..ما من رجل ينوي طلاق زوجته إلا لأخطاء ارتكبتها..
جاهلاً أن الزوج أحب أخرى وأراد مواصلة حياته معها..هو لم يخيّرني بالبقاء..هو أمر بالتسريح..
صوت الأخ الأصغر..يردد..ملعونة انت منذ أن كنت صغيرة..
كانت آراؤهم تحطم فيني كبرياء امرأة مغدورة ومرفوضة..
أصحو من ذاكرتي الهرمة حين صدمني احدهم..
..آسف..أختي
لم ابالي بالرغم من الألم الذي شعرت به في كتفي جراء الصدام استمر هو في سيره فترة ثم التفت ناحيتي وهز رأسه متأسفاً..
للمرة الثانية يسألني العامل على أي طيران؟
ارد بصوت خافت..الخطوط الكويتية..
لا ادري كيف قطعت كاونتر الجوازات ولم اعلق على مزاح الضابط حين قال..تذهبين إلى لندن!!ألا تخافين من انتشار مرض انفلونزا الخنازير..
جلست في ساحة المقاهي..طلبت فنجان قهوة..وبدأت اقلب في مجموعة مجلات قد اشتريتها حين لمحته يبتسم من بعيد..ذاك الذي صدمني منذ ساعة..
تعاود الذكريات لعبتها..احتجاج الأخوة الذكور..كيف تسافرين بمفردك..
..هي الحاجة للراحة و الهدوء..
حين رد الأخ الأصغر..والله حاله..ماذا سيقول الناس عنّا؟
وصرخ الأوسط..لن تسافري..انسي
وأمي كانت تختبئ خلف الصمت خشية الأبناء وإن رغبت في تحقيق طلبي عطفًا وشفقة.
لكنه الأخ الأكبر..ملاذي الأوحد..تفهم الحاجة وأمر فكانت الرحلة..
أتنفس بعمق وفنجان قهوتي نفذ..اطلب آخرًا..وابتسامة ذاك مازالت مرسومة وأنا في متاهة الألم والشعور بالظلم.
حين وصلني الصوت الآمر بالذهاب إلى البوابة 25 استعدادًا لدخول الطائرة المتجهة إلى لندن..كانت البوابة تبعد عن المقهى مسافة طويلة..حين رأيته يمشي معي في ذات المسار وابتسامته ما زالت على وجهه الذي لم اعي قسماته أو خطوطه..لم أكن مستوعبة بعد وجوده والموقف برمته لا يدعو لملاحقة أو غزل..
حين دخل معي البوابة أدركت وجهته وعرفت سر ابتسامته..جلست على أول مقعد انتظارًا لدخول الطائرة..دنا مني في لحظة جلوسي مبتسمًا وقال..
..اعتذر عما لحق بك من ألم جّراء اصطدامي بك..شعرت بالملل من ابتسامته وتكرار أسفه..لذا لم أجبه فلم أكن على استعداد للاستماع لمزيد من الاعتذارات وتمنيت لو يأتيني اتصالاً منه يعتذر على قرار الطلاق ويعتذر عن الألم الذي سببه لي..لقبلت وسامحت ورجعت له..لكن هاتفي لم يرن سوى مره واحدة من أمي تستفسر عن موعد الرحلة إن كانت في موعدها.
ما زال ينظر صوبي ذلك المبتسم دائمًا..
عندما دخلنا الطائرة قد سبقني إليها..شعرت بالراحة بعض الشيء أني تخلصت منه..قلبّت ” البوردتغ ” بين يدي لأعرف رقم الكرسي..وحين وصلت قابلني بابتسامته كان جالسًا في الكرسي الأوسط..توقفت برهة عنده مندهشة فمقعدي بجانب النافذة..حين استعجلتني المضيفة للجلوس لأفسح الطريق للركاب الآخرين..خرج هو ليتركني ادخل حيث مكاني..والابتسامة المعهودة منه زادت اتساعًا.
فتحت حقيبتي وأخرجت ال ” آي بود ” لأسد أذنيّ وانشغل عن جرح مازال ينزف..لم تكن لدي أية فكرة عن نهاية ما أنا فيه.
مرت النصف ساعة الأولى وأنا واضعة رأسي قريبًا من النافذة وقد احترم جاري صاحب الابتسامة الدائمة خصوصيتي..والرحلة الطويلة إلى لندن..حين رفعت السماعة عن أذني ليبادرني قائلاً..خيرًا فعلت..المسافة بعيدة ولا بد من التحدث مع احد ما..
قلت..ولكنك أخطأت الرفيق يا أخ..
..لماذا ؟
..صحبتي ليست مرحة..فلست في حالة طيبة للتحاور ولن تجد بي التعويض المناسب للوحدة.
..هل أقدر على قراءة إحدى مجلاتك؟
هززت رأسي بالقبول وخيّرته بين ما أملك..اختار فطاولته إياها..
قلبّ فيها على عجالة..كأنه الطفل الذي تستهويه الصور فقط ولا يقدر على القراءة..حين توقف عند قصيدة للشاعرة سعاد الصباح وعلقّ..في إشعارها حب وإخلاص لزوج غائب..
طالعته مرة ونظرت للقصيدة مرات أحاول القراءة دون أن أشد انتباهه لما أفعل..فلم يكن الشعر يستهويني.
لكنه فاجأني بسؤال غبي حين قال..ما هذا العبوس المسيطر على وجهك؟
طالعته وقد ازداد بسبب تطفله لأرد سريعًا وما هذه الابتسامة العبيطة المستمرة على شفتيك؟
لم يكن رد فعله عنيفًا كما كان لدي..بل رأيته يضحك بصوت عال وددت لو صرخت في وجهه ولكن لا ينفع الصراخ..
وعاد يقلب صفحات المجلة المعطاة..بدأت أتفحصه من زاوية أخرى ولكن كان وسيمًا ذو لحية منسقة وشعر شبه طويل وجسم رشيق وقامة طويلة بمعنى آخر..كان ممن يلفت نظر الفتيات..حاولت أن استكشف ما إذا كان متزوجًا أو خاطبًا من خلال يديه..لكن ليس هذا دليلاً فغالبية الرجال يرفضون ارتداء خاتم الزواج أو الخطبة..
لأكن حاسمة وأسأل..فعرفت انه مازال عازبًا..
أخذنا الحديث لعمل كل منا..أجبته إني ربة بيت..أعني كنت ربة بيت فقد تزوجت قبل التخرج بعامين..
سألني عن زواجي..أخبرته إنني في الطريق للانفصال بعد زواج دام أربعة أعوام دون أبناء..
فتحت له قلبي..وعرفت عنه كل شيء..وسألته عن ابتسامته فأجاب..هي عادة..عوّدت نفسي عليها حتى أمنع أعصابي من التحطم على صخور الحياة..
ابتسمت لتعليقه فابتسم أكثر ونظر لساعته وقال..مرت أربع ساعات حتى استطعت رؤية ابتسامتك..ياه
زادت ابتسامتي سعة قلت تعوّدت أنا على الهدوء الإجباري فلا أخت لي حتى امرح معها وأمي كذلك جادة لأنها وحيدة أبويها..و
قاطعني حين قال ليس بالإمكان تبرير عبوسك الدائم..
سكت برهه..ثم سأل ..أين تسكنين في لندن..؟!
..في شارع اكسفورد.. كمبرلاند
ضحك بصوت نبّه من هم حوالينا وقال..أنا أيضًا..تصوري..أنا أيضًا..
سكت للمرة الثانية وتكلم بجدية قائلاً..ربما هو القدر الذي جمع سأكون لك مرشدًا في بلاد الانجليز فأنا درست فيها و أزورها دائمًا..
شعرت بنوع من الطمأنينة ونهاية لحالة القلق فأنا نادرًا ما أسافر ولأول مره أسافر بمفردي..وجوده أضفى نوعًا من التشويق على رحلة هروب جافة ومخيفة..وابتسمت..
0