قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد
“ 53″
وقفت عند شباك المستشفى الخاص بإصابات العظام بعدما ناولته البطاقة المدنية طاولني الورقه التي تسمح لي بالدخول إلى الطبيب تفحصتها حالما اتخذت مقعدي في قاعة الانتظار طالعت الرقم الذي خصص للعمر ” 53 ” صدرت عني ابتسامة مقرونه بضحكة تهكم ، وتذكرت كنا في الماضي نسأل عن العمر فكنا نملك حرية التغيير والتخفي حسب المزاج والرغبة وعادة ما نقلل بضع سنوات وكأننا نخفى الحقيقة عن أنفسنا أولاً اليوم لم نعد نملك الفرصه تلك .
الرقم رسم أمام ناظري عشرات من التساؤلات المرة ، كم سنه سأعيش بعدها ؟ وكيف مرت كل تلك السنوات عن غفلة منا وهل شخنا وظهرت على وجوهنا علامات التقدم في السن ؟! مع إن غالبية من يعرف العمر الحقيقي لي يستنكر.
قاعة الانتظار مملة ولحظات الانتظار أكثر مللاً وهذه الإصابة القديمة قدمي عاودت الظهور مع أول وقعة لي ، ومنظر المرضى المؤلم في مستشفى الرازي للعظام الشباب الذين كسرت عظامهم جنون القيادة وأزيز الدراجات النارية ، وتلميذات المرحلة المتوسطة لا أدري كيف هشمت عظامهن وعمال على أسّرة بيضاء تسحب أو مقاعد تجر أشكال مهولة ومخيفة ، ورائحة الجبس الذي يدير الرأس ويقلب الأمعاء وأصوات الأحذية المتزاحمة وخناقات الأمهات مع العمال وبكاء الأطفال وأنين الكبار.
مناظر تعطل رغبة الفرح في الصدر فيضيق وتذرف العيون دموعًا متألمة، وأنا أجّر القدم الموجوعة أغير مكاني طمعًا بلحظات سكينه وهدوء وتجنبًا لمنظر يشعل في النفس نيران كآبه وتراقص الرقمين 53 يدور معي يسيطر على فكري يسحبني للماضي أين رحلت سنين عمري وكيف مرت ، والخوف من الغد لأعّد مع خوفي السنين الباقية لي في الحياة جدي توفى في أوائل السبعين من عمره وجدتي ربما زاد عمرها بضع سنوات عنه ، وأبي حين رحل كان في منتصف السبعينات نحن عائلة لا تعيش أكثر من السبعين بقليل .
أعود كطفل تعلم مهارة العد أمامي عشرين عامًا من الحياة قد تزيد قليلاً أو تقل كثيرًا وظروفي الأخيرة ربما لا تدع لي مزيدًا من العمر ، أشعر بهزة يدها على يدي اليمنى تفيقني هذه الجالسة بجانبي من رحله جنونية كئيبة أنظر إليها امرأة في السبعين تسأل كم وصل الرقم أرد عليها 39
تطاولني الورقة
وأنا كم رقمي أنظر لورقتها أنت رقمك يا خاله 45
لتسأل يعني بعد ؟
نعم وأنا بعدك مباشره سأخبرك إذا جاء دورك.
أصمت فتحترم صمتي حين سمعتها تتمتم بمفردات لم أدركها وأتساءل أين أبناؤها؟
تعاود التمتمة أسأل تكلميني ؟
والله لا أدري أين ذهب السائق كان معي.
يزداد تطفلي حدّه جئت معه بمفردك ؟
تطأطئ الرأس نعم.
وأين الأبناء ؟
تتنهد بحرقه قائله الكل مشغول
هالني ما سمعت هل ينشغل الأبناء عنا في مرضنا وعجزنا !!
انظر للورقة بين يدي سنوات قلائل وسأكون مثلها في عمرها في حالتها والسؤال الأهبل الذي يطل عليّ ساخرًا هل سينشغل الأبناء عني ؟
تسحبني ذاكرتي للوراء مازلت أسمع اعتراض أختي الأكبر حين ذهبنا سويًا لطبيب المستوصف سألني كم عمرك قلت 15 عامًا اعترضت أختي لأني قلته بالضبط قالت سيعرف عمري الحقيقي الآن والأخت تكبرني بسنوات سبع لم أكن أعي ما تقصده كنت سعيدة أن أشعر الآخرين بأني كبرت وما عدت طفله.
ترى هل تملك اليوم أختي أن تغير من عمرها أو تنقصه بضعًا ؟ الآلية تغيرت نحن لم نعد نسأل عن العمر الآلة تستخرجه بالضبط.
أفقت من رحلة الذاكرة المنهكة لذاتها مازالت التي بجانبي تسأل عن الرقم لأرد لم يأت دورك يا خالة ، وأنا ألعن الأبناء في سري كيف انشغلوا عنها اليوم .
السائق الهندي يقترب منها تعاتبه بهدوء ” وين رحت ” يعود السائق يحمل كوبين من الشاي يعطيني واحدًا أطالعه متسائلة ترد هي أشربي يا ابنتي لابد إنك متعبه من الانتظار وهذا الزحام أشكرها على طيبه تفرض نفسها تسألني عن السبب أخبرها بسقوط تعرضت له زاد من إصابتي القديمه تنصحني مذكره أياي بالعمر الذي مر عظامنا هشة والسقوط يدمرنا ” ديري بالك “.
الأرقام الالكترونية تناديها أذكرها بدورها تسحب عباءتها خلفها والسائق يمسك يدها أسخر داخلي أين محارمها ؟!
أعاود حديث الذات كيف سأشرح للدكتور عن سقوطي كوب الشاي برد بين يدي أقف بصعوبة حيث سلة المهملات أقرر لن أعود لمكاني سأظل واقفة حتى يحين دوري أراها تخرج ورقمي يطل علي تقول لي سلامات إن شاء الله أرد عليها ” ما تشوفين شر ” أطرق باب الغرفة تأذن لي الممرضة بالدخول ، وحين جلست بادرني الطبيب متسائلاً عن سبب الزيارة أخبره عن حالتي ينصح عمرك 53 يعني أنتِ معرضة للعديد من الأمور يصر على تذكيري في هذا العمر يجب أن تكوني حذرة صمتي فيه نوع من الاعتراض لكنه يستمر يجب أن تغيري من نوعية حذائك أتنهد بألم ليكمل انقطاع الدورة يزيد الأمر سوءًا أهز رأسي ربما هو اعتراض أكثر منه موافقة على ما يقوله .
مازال مصرًا على إشعاري بسنيني المتراكمه ، هناك أيضًا احتمال وجود خشونة ماذا يقصد هذا الطبيب إننا يجب أن نوضع على رف النسيان انتظارًا لأن يأخذ الله أمانته .
أصحو على عبارته في مثل عفي مثل عمرك كوني حذرة نعم نعم أخيرًا ملكت القدرة على إطلاق لساني بالحديث والرد .
مد يده بورقة وردية اللون وهو يقول على العموم قبل أن نقرر لا بد من عمل أشعة.
صوت التذمر داخلي يقول تقرر؟ أنت قررت وانتهيت كأنك تقول إن العمر انتهى.
0