كلمات …هيا علي الفهد

رفقا بالحيوان”

ممتعة هي المتابعة للبرامج التي تقدم عن الحيوانات، حين يهرب الفرد منا من أخبار تهز النفس والقلب عن الحروب الطاحنة في جميع القنوات العربية والفضائيات المختلفة، خاصة حين تكون المتابعة للأخبار جزءا من دراستي لمقرر في قسم الإعلام فيمل الفكر من تداعيات الاضطرابات في العالم أجمع، لذا الإنسان يرغب أحيانا في الابتعاد عن أمور تزعجه وتؤلم العقل والقلب معا.

برامج الحيوان وعالمه يشدك للتعرف على هذا الكائن الحي بكل أنواعه وسلوكياته. ما أريد قوله إن هذه البرامج توضح في أوقات كثيرة مدى عناية الآخرين بالحيوان والرأفة به. فترى كيفية الإنقاذ له ومراعاته والتصرف معه بعدالة ورحمة في مواقف متعددة وظروف صعبة لدرجة بكاء المنقذ في غالبية الأحيان. فترى المسعف كأنه أمام طفل في أزمة، لا أمام حيوان، ناسيا كل شيء متذكرا فقط أنه كائن حي يتأثر ويتألم ويعاني، بينما ترى في مستشفياتنا للأسف تعامل البعض مع المريض بحدة وإهمال وتصلب في المشاعر وتحجر في القلوب. إن الحيوان كائن حي ومن لا يرحم لا يرحم والرسول عليه أفضل الصلوات والسلام حذر المرأة من دخول النار فقط لحبسها القطة.

ونحن للأسف كمسلمين على الرغم من جمال الدين الإسلامي ومبادئه وتسامحه والرأفة التي تعلمناها من خلاله، وطيب قلب قدوتنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم لا نتعامل مع الحيوان بالصورة المطلوبة، ولا ننفذ أوامره سبحانه أو توصياته عليه الصلاة والسلام ونظن أنه كائن لا إحساس له ولا مشاعر لديه ولا يتألم ولا يفهم وبالتالي نقسو ونضرب ونحبس دون تعاطف أو رحمة، بينما الآخرون ترى التعامل الراقي في التعاطف مع الحيوان وفي طرق نقله وإسعافه. في سرعة تلبية النداء حين الحاجة لمساعدتهم فيما يخصه، في الأماكن المخصصة لإيواء الحيوانات، لتوفير جميع أنواع العلاج من دواء وأجهزة وخلافه، لإيجاد أسر تعنى بالحيوان الذي لا بيت له أو مالك، للعيادات الكاملة للحالات المرضية لديه، لمعاقبة أصحاب الحيوان حين يعملون على إيذائه لأمور كثيرة أقف خجلة أمامها حين أقارن بين معاملتهم للحيوان ومعاملتنا، للعناية بعلاجهم وعناية أطبائنا لذوي البشر لدينا.

كنت صغيرة حين كنت أتابع أبي ـ رحمه الله ـ ومعاملتـه لـ «الحمام،، الذي كان يعشقه ويلبي احتياجاته والخوف عليه والتألم لألمه والتحدث معه كما يحدث الصديق رفيقه، علّمنا هذا الرائع كيفية التعامل مع الحيوان وعلّمنا كيف نخاف الله فيه وعلّمنا كيف نتخذه رفيقا.

kalematnet@hotmail.com



0

 

قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد

” طبق من شاي  

” جلست. والخوف بعينيها. تتأمل فنجاني المقلوب . قالت يا ولدي لا تحزن..قالت يا ولدي لا تحزن “

لا أدري من أين قدمت هذه الأغنية القديمة وأخذت تدور في ذاكرتي عندما جلست هذه المرأة أمامنا نحن مجموعة النساء في شقة إحدانا. لم أكن أعرف عنها شيئاً ولم أعرف بقدومها كل ما أعرفه أنني دعيت لشرب الشاي عند إحداهن وكانت موجودة قبلي تمسك بطبق فيه شاي بورقة ونفله تطلب من إحداهن النية بتقريب الطبق من فمها لتحدثها عن أشياء حدثت وتحدث وستحدث مستقبلاً وأنا أناظرها مبتسمة ساخرة من كلا الطرفين فقد كذب المنجمون ولو صدقوا.

والأغنية الملعونة تدور بكلماتها ولحنها في مخيلة تعشق عبد الحليم. قالت للصديقة عن عودة الزوج المهاجر وطلاقه من الثانية وإحضار الأبناء لتقوم هي بالتربية.كانت قد تبسمت فرحاً للجزء الأول من الخبر وعبست من جزئه الآخر.

إنها تلج في بئر عميقة. تستنزف فيها كل مشاعرنا كنساء كسيرات أو تبكي فينا الأنثى الجريحة والمغدورة.

حين اقتربت من صديقة أخرى لنا مطلقة أخبرتها بما نعرفه جميعنا عنها تربية الابن الوحيد والاعتكاف إليه والعزوف عن الارتباط بآخر وعشق الرجال لها كإمرأة غاية في الجمال ومع الانتهاء من حديثها للثانية كانت نظراتنا قد أخذت منحنى آخر مختلفاً عن الضحك والمزاح وبدأ الخوف يعلق في العيون.

وحين دنت من الثالثة ذكرت لها أسباب عنوستها وكيف يغادر الرجال محطاتها الكثروعزوفهم عنها بسبب السحر الذي دفن قديماً تحت عتبة الباب حقداً للأسرة وكرها لها.

دخلت هذه المرأة بطبق الشاي الذي تحمله ويدور علينا في خصوصيات نعرف بعضها عن بعضنا ونجهل الآخر.لكن ما طل من أعيننا أيقن الأخريات أن هناك شيئاً قابعاً في تاريخ كل واحدة منا. فخفقت القلوب كما لو كنا في سباق.

اقتربت مني القلب داخلي يقفز وكلمات أغنية عبد الحليم تقفز في ذاكرتي وتتراقص أمام ناظري..الخوف مما ستقول والخوف من هؤلاء النسوة اللاتي يجهلن أموراً عديدة ولا يعرفن إلا أنني الزوجة المحبة للزوج والمعشوقة منه. هؤلاء النسوة اللاتي تحسد كل واحدة منهن حياتي ولطالما قلنها جاهلات العديد من المآسي التي عشتها ومررت بها وما زلت.

طاولتني الطبق.. ضحكت بصوت عال..رددت بصوت عال..

محال..محال

قالت صديقتي المطلقة بمكر..مما تخافين؟

تبسمت وأدرت وجهي عنها خشية إدراك ما هو مخفي.

حين هزتني العانس..لمياء لم التردد؟

الضحكة الساخرة صدرت للمرة الثانية مني.

قلت..أخشى على صلاتي..فمن أتى عرافة لن تقبل صلاته أربعين ليلة

علقت المطلقة قائلة..ولكنك لم تأتيها..أنت تواجدت بالصدفة في المكان الذي ضمك وإياها

مبرر غير مقنع..حديث النفس داخلي.

مرت لحظات صمت..الكل ينتظر مبادرتي . لكن الصمت طال حتى شعرت بملل الأخريات . ثم وجدت الطبق يغادرني حيث الصديقة الأكبر سناً فينا جميعاً.

أمسكت الطبق الممدود لها بيديها الاثنتين وتمتمت كما طلب منها لتعيده لصاحبته.

طالعتها المرأة وأخذت تحدثها عن مرض الزوج مستقبلاً وعن زواج الابنة الأخيرة في أسرتها وعن خلاف سيحدث في البيت مع زوجة الابن ليس معها بل مع إحدى بناتها ومغادرة الابن الساكن عندها مع زوجته بيت الأسرة بعد ذاك الخلاف وعن سفر ستسعد به. الصديقة تلك شعرت بنوع من الراحة حين قالت لها أن ابنك سيعود للبيت مرة أخرى ولكن بمفرده فزوجته قوية وصاحبة مشاكل.

انتهت دائرة النساء اللاتي مر عليهن طبق الشاي فتوجهت النظرات حيث أنا..والخوف قد سرى مني سريان الدم في العروق. هل أفضح نفسي في هذه القعدة؟

الفضول تملكني. هناك تساؤلات عديدة تتصارع داخلي عنه والرغبة في الوصول للإجابات بدأت تنتصر عندي.

قالت إحداهن.. لمياء هل ما زلت على إصرارك بالرفض؟

دون وعي مني صدرت ” ها “

ردت الأخرى..لا..أظن أنها بدأت تلين.

لترد الأولى مخاطبة تلك المرأة..ناوليها الطبق بسرعة قبل أن تعود لرفضها الأول.

قلت..ولكن عندي شرط؟

طالعتني الرفيقات..خير ما هو شرطك؟

…أن أكون بمفردي معها.

احتجت إحداهن قائلة ..ولكننا استمعنا لحديثها معاً.

قالت الأخرى ..هذا ظلم لا عدالة فيه

الأكبر سناً..أنت استمعت لأسرار كانت مخفية لكل واحدة فينا ومن حقنا أن نعرف ما سيقال لك.

قلت وقد حسمت أمري..هذا شرطي.

ردت العانس منهن..وأين المتعة في ذلك؟ خاصة حين تختبئين بعيداً عنا..؟

قلت بصوت حزين..لي أسبابي.

فقالت المطلقة..دعوها وكما ترغب.

حملت المرأة طبق الشاي حيث الغرفة الجانبية لاحقة بصاحبة الشقة دخلت خلفهما وأغلق الباب عليّ وعليها فقط.

جلست في مقابلتها طلبت مني حمل الطبق وذكر نيتي في كل ما أرغب في معرفته عن زوج وابن وابنه وعمل.

كان صوت الخوف داخلي يرتفع وله مساران الأول الخوف من الله في جلسة الشرك تلك والآخر مما سيظهر لي من وقائع لكن الفضول انتصر خاصة بعد كل ما مررت به من فتور في علاقة زوجية بنيت على حب وتحدي.

نظرت في وجهي..جامدة هي واثقة بكل ما تقول وتفعل

قالت..هناك آخر غير الزوج.

لم تصدر عني أي ردة فعل

أكملت..أنت امرأة نظيفة وصادقة وغير خبيثة..

قلت لذاتي..لو كنت أعلم أن الصدق سيضر لتعلمت الكذب ولو كنت أقدر أن أكون غير خبيثة لفعلت ولكن الطبع يغلب التطبع.

قالت..زوجك يحبك كثيراً ويحب الأولاد

تنهدت بعمق..لتكمل..ولكنه آذاك كثيراً..

طالعتها وداخلي يتساءل ما هذا الذي أسمع؟ كيف تعرف تلك بكل هذه الأمور من طبق وشاي وماء!!

..لقد لعب كثيراً في شبابك مع العديد من النساء.

لا أدري كيف منعت نفسي من البكاء

..وخسر الكثير الكثير من ماله عليهن

حقيقة أدركتها منذ سنوات ثلاث

لا أسألها ولا أتحاور معها أعطيتها حرية الكلام والصمت لفني تحت عباءته . حين قالت..أنت مكسورة. داخلك مكسور..لدرجة أنك ابتعدت عنه كثيراً.

صمتت لحظات وعيناها عالقة في طبقها وحركة الإصبع تبحث عن شيء ما بين أوراق الشاي السوداء..ثم رفعت رأسها طالعتني بنظرات حادة شعرت برهبة الموقف فاهتز البدن عندي وقالت بعد السكوت المفروض منها عليّ.. ” ما كو فراش ؟ ”

سؤال أسقطني في بئر الألم الحاد..قبل ثلاث سنوات كنت أتباهى به وبرغبته المستمرة لي..لم أقدر على الإجابة لكنها أدركت الإجابة فسألت: هل تنامين في غرفة ثانية؟

صمتي يشوبه الخجل والخوف والحسرة ووجدت نفسي عاجزة عن الرد أو الإجابة..بل وجدت نفسي مخنوقة ولا أقدر على التنفس الموقف أصعب من تحتمله نفس ضعيفة ونظيفة.

احترمت صمتي بل شعرت بتعاطف قوي منها إليّ..قالت لديك ابنه ستتزوج هذا العام.

شعرت أن هذا الخبر الجيد نوع من التعاطف معي أو حتى تخرجني من حالات القهر التي حبست داخلها.

طالعتها..تقاطيع وجهها تتراقص أمامي بفعل الدموع.داخلي يخبرني ربما زواج ابنتي رحمة لي ونهاية لأحزان طالت وامتدت.

حين سمعتها تقول..ما شاء الله حظها ممتاز.

قلت لنفسي..أتمنى أن يكون حظها أحسن من حظي وإن الله سيعوضني شيئاً مما فقدته في حياتي.

..زوجك حالياً أدرك حقيقة هي في صالحك.

مجرد النظر إليها دون طرح سؤال هو السؤال بذاته.

…أدرك أنه آلمك كثيراً فتاب..

دون وعي مني صدرت ابتسامة سخرية..والمثل المصري يسيطر على فكري ” ذيل الكلب عمره ما يتعدل “

..لقد شبع واكتفى

مجرد كلمة ” شبع ” أثارت عندي أنواعاً مختلفة من الاشمئزاز . هو شبع وساخة وأنا شبعت من الصبر.

..الآخر..

لا أدري كيف رفعت رأسي ناحيتها بصورة تكاد تفضح أمري..

…زين..أكملت ..وايد زين

لم أدخل معها في حوار عن ” الزين ” ولم أرد أن أفتح باباً أخجل مما هو خلفه..جاءني الآخر في وقت حاجتي وكسري..عوّض فيني كبرياء المرأة وأنوثة المغدورة..أشعرني بأني مرغوبة وجميلة بعد أن جرحني الزوج مع الأخريات والبعد العاطفي والجسدي عني..

أكملت تقول..ولكنك نظيفة..لم تخطئي ..لم تقابلي ما فعله بك بمثله..

تنهدت بقوة..

لتقول هي..الأمور ستغدو لصالحك.

وداخلي يقول..حتى تغدو الأمور لصالحي سيخسر هو كل شيء وسأخسر أنا نفسي.



0

 

 

قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد

” الصوت الذي اختفى “

حين اقتربت الساعة من العاشرة مساء كان الأب غاضباً لعدم تواجد خالد في البيت ..حاولت أن أهدأ من نفسه وان امتص غضبه وأسليه بعيداً عن صوت الجوع الذي يطالبه بالأكل والاستعداد للعشاء..

لأول مره يتأخر خالد عن موعد العشاء فنحن كأسرة تعودنا أن نكون معاً على المائدة في الساعة الثامنة والنصف..

حين استأذنني ابني الأصغر للذهاب للمجمع التجاري انزعجت أن لا أسمح له وهو السعيد بقيادة السيارة واستلام القيادة منذ أسبوع ..سعادته بالوصول لسن الشباب والمسئولية ..سعادته بسيارته الأولى واختياره..سعادته بالقيادة بمفرده دون وجودي أو وجود الأب أو الأخت الكبرى.

الأب يتململ على مقعده..يقلب في القنوات الفضائية دون رغبة أو راحة..وأنا أقترب من النافذة مراراً وصوت الخادمة خلفي..مدام أضع الطعام على الطاولة؟

انظر إليها مرة معاتبة حتى لا يفطن الأب للتأخير أكثر ومرات أطالعه هو..أنا أعلم جيداً أنه لن يتلذذ بالطعام دون وجودنا كلنا حوله..وبالرغم من هذا أسأل..

..عبد المحسن..هل أضع الطعام؟

يطالعني بنظرات استشف خلفها الرفض المؤدب..

يدير وجهه بعيداً عني..

تقترب البنت الكبرى..تمسح على شعيرات رفضت مغادرة الرأس..أبي..ما عاد في الرأس شعراً..

يسحب رأسها من تحت يدها ..مبتسماً..يعلم جيداً أنها محاولة لتهدئة الجو..

تنظر ابنتي ناحيتي..اتصل به؟

أرد مسرعة..لا..التحدث في الهاتف قد يشغله عن القيادة ..

الأب..وربما يوقفه رجل مرور..هم يحبون استيقاف الشباب لطيشهم..

أدنو أكثر من النافذة ..ألتحف الستارة خشية العورة يناديني عبد المحسن ..تعالي يا أم خالد ..اجلسي..دورانك هذا سيزيدك جوعاً.

أجلس بجانبه..كان الموضوع شيقاً على إحدى القنوات شد الأسرة حوله بضعاً من الدقائق..تسأل ابنتي..هل تعجبكما هذه القناة؟

يرد الأب..والله أحياناً تطرح موضوعات غاية في الأهمية ..

أعلق أنا..ولكنها مملة في بعض الأحيان..

يضحك عبد المحسن..ويعقب..أنتن لا تعجبكن البرامج الحوارية..

أرد..أي والله..صدقت ..

تعاود ابنتي المزح مع أبيها..فترفع الشعيرات القليلة عالياً..لماذا لا تقص هذه الشعيرات الطويلة..

يمازحها الأب ضاحكاً..دعيها حتى لا تسقط وأخسرها.

تصدر عني نظرة للساعة ..ينتبه الأب لناحية نظراتي .

تأخره أصابني بقلق مغلف بخوف..أقف..أظل واقفة مكاني برهة..أشعر بقلقه هو الآخر..أخاطب نفسي بصوت عال..لابد من الاتصال به..يعترض الأب..قد تشغله المكالمة عن الانتباه للطريق والسيارات..

تتفق الابنة معي..اتصلي أمي..تكمل متذمرة ..هو يعرف موعد العشاء فلماذا هذا التأخير.

اسأل الابنة أن تطاولني ” الموبايل ” أدير رقمه تمر ثوان..اسمعه على الطرف الأخر..نعم أمي..

..تأخرت يا حبيبي الكل ينتظرك على العشاء..

صوت الأب محتجاً بصوت حاد مرتفع..هذا استهتار بالوقت..

ارفع يدي ناحيته رافضة تعليقه..أكمل ..أين أنت يا خالد ..؟

..خرجت من المجمع وأنا في الدائري الخامس..

..انتبه للشارع..نحن في انتظارك على العشاء..

..آسف يا أمي ..كان معي صديقاً أشغلني بعض الوقت..

..لا يهم حبيبي..كم من الوقت أمامك؟

..من عشرين دقيقة إلى نصف الساعة..فالشوارع مزدحمة و…..

انقطعت المكالمة..أطالع شاشة هاتفي..الخلل ليس منه..

الأب مستفسراً..ماذا؟

..ربما ضعف في الشبكة ..أو خلل ما في هاتفه.

أعاود الاتصال..” الجهاز مغلق أو خارج منطقة التغطية”

أعاود للمرة الثانية..مازال الصوت الآلي يردد أن الجهاز مغلق..

شيء في الجو أرعبني ..واعتصر الفؤاد..أحس للأب بقشعريرة بدني..اقترب مني..يهمس بحنان..ما بك؟

التفت ناحيته..لا أدري..انقطع هاتفه فجأة..

..تحصل يا بنت الحلال..شركات لا تدل على جودة..

يسحبني حيث المقعد..والقناة الحوارية ..تمر دقائق صمت كأن الكل شده تفكيره لأبعد من اللحظة..

يرن هاتفي..أطالعه بسرعة ..ابتسم الأب..هذا خالد يتصل..

يرد الابتسامة لي ويقول..ألم أقل لك أنها الشبكة.

اضغط على الزر الأخضر..ها يا خالد لماذا انقطع الخط؟

الصوت القادم ليس صوت خالد..الصوت القادم يقول حدث حادث لصاحب الهاتف وقد توفي في الحال..



0

 

قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد

” عندما كنا نحضّر الأرواح “

أتذكر جيدًا كنا صبيه في عمر الرابعة عشر كانت لنا تطلعات صبيه حين دخل فردًا آخر إلى قائمة مجموعتنا ، أراد أن يلفت الانتباه لعنصر جديد على المجموعة قال أختي الكبيرة تحضر الأرواح لم ندرك بعد معنى تحضير الأرواح ضحكت ملئ فمي ذلك اليوم وقلت خرافات.

أصر هذا الزميل على الولوج في عالم مخيف أوائل السبعينات لم تكن أفلام الرعب منتشره كزماننا هذا اللهم إلا أفلام هتشكوك ولكم تسيطر السينما التفاعليه على المواضيع.

تناقشنا نحن المجموعه القديمه تساءلنا عن كيفية تحضير الأرواح وآليته وخطورته وتوقعنا أن الأمر قد يقضي علينا.

شدنا الموضوع ووضعنا في زاوية ضيقة محدودة التصرف وقلنا لنجرب قال أحدنا محال قد ينقلب السحر على الساحر.

قال الآخر ما هي الروح التي سنحضرها ؟

رد الجديد بعنجهية خير ، أختي قامت بتحضير روح جمال عبدالناصر .

رد واحد منا ماذا يحصل لو حضرت الروح فعلا ً ؟

سأل آخر بل ماذا يحدث لو لم تغادر هذه الروح ؟

كنت أكثرهم خوفـًا هذا بيتنا وهذه غرفتي التي أتقاسمها مع أخي الأصغر.

 تساءل طرف منا كيف تتم العمليه ؟

رد صاحب الفكره أحضر سلة كبيرة من القش وقلم رصاص وقطعة ورق كبير وشمعه ونطفئ الأنوار.

شعرنا بنوع من رجفة خوف تسري في عروقنا ، لكن استمرت الفكره مسيطرة قيد التنفيذ غرس خبيرنا القلم في وسط السلة بحيث يكون جانبه الذي يكتب يطل من الأسفل وقال من يمسك السلة معي ؟ تلفت كل منا ناحية الآخر كأنه يقول لن أكون أنا المجازف في لحظة التردد تلك دخلت أختي الكبرى يرافقها شريكي في الغرفه تساءلت عن الظلام الذي غطى أركان الوجود أخبرتنا بالفكرة وألحيت عليها بالبقاء وكأنني استمد بالقوة من فتاة قاربت عل العشرين لأجدها أكثر فزعًا مني قالت محال البقاء ومستحيل المشاركة وغادرت ليزيد الخوف داخلنا وداخلي أنا بالذات ، أخي الأصغر أصّر على البقاء حادثت نفسي قائلا ً يكفيني هو خاصة حين خاطبني ” أسد لي خدمة ” لم أدرك نوعية الخدمة المطلوبة مني إلا حين رد على سؤال صاحب الفكره ” ماذا سنسأل الروح ؟ ” فعاجله اسأل إن كنت سأنجح في الامتحان لمنتصف العام أم لا ؟ عرفت لخطتها ما كان ينوي عليه أحسست أن الأمر فيه افتقاد إلى التعقل وبدأت بتفقد وجوه الموجودين كان الخوف يطل من أعين على شفاه ابيضت حين أمسك كل منا بجانبي السلة وقف الباقون متفرجين وأخذت أنا بمجاراة ذاك الذي أغرى بالفكره كان الظلام يفرض نفسه خاصة مع إنزال الستارة حتى تزيد   سوادًا ولهيب الشمعة يتراقص ويزداد رقصًا مع أنفاسنا المتلاحقة والتي تكاد تطفئه.

التصق أخي بي أكثر وشعرت برعشة جسده حاولت إبعاده قدر الإمكان عني لكنه رفض الابتعاد  بكلمات وآيات قرآنية مخاطبًا روح جمال عبدالناصر ، يسأل هل حضرت الروح وإن حضرت تكتب نعم  شعرت بحركة السلة تدور والقلم يحاول النطق بنعم ولست أدري إن كان هو من يحركها أم هي فعلا ً حركة الروح التي حلـت .

ثم استنفر عن سؤال أخي إن كان سيجتاز الامتحان ردت كتابة بنعم فرح أخي بالجواب لدرجة أن الخوف غادره وصمت الآخرون يرفضون الاستفسار أو إلقاء أي سؤال حكاك السلة والقلم الرصاص جعلنا نبذل جهدًا أكبر أشرت على الزميل الماسك بالطرف الآخر أن نكف عن ذلك فاستجاب قائلا ً ” انصرفي أيتها الروح بأمان ” وكرر عبارته أكثر من مره حين كفت السلة عن الحركة أنزلناها وأضأنا النور سألنا الباقون عن شعوري نظرت لأخي كان فرحًا بالخبر فصمت وداخلي يسأل هل ما مررت به وهم أو واقع ؟

مرت أيام وأحداث هذه الليله لا تفارقني وكان أخي عند كل امتحان يطلب أن نحضر روحًا ليسألها عن النتيجه وبات لا يدخل امتحانًا إلا ونكرر هذه الجلسه قبله.

حتى كانت ليلة زارتنا فيها جارتنا التي تزوج عليها زوجها منذ أشهر معدودة كانت أمي تلف بها أرجاء البيت التجديدات التي تمت على غرفه وحين دخلت غرفتي مع أخي الأصغر كنا ثلاثة نحاول تحضير روح كطلب من أخي كالعادة استفسرت عن الأمر أخبرتها بما نفعل ضحكت أمي وقالت لعب يهال ، لكن الجارة المجروحة قالت هل تجيب الروح عن سؤالي ؟ قلنا ما هو ؟ قالت هل سيطلق الزوجة الجديده ؟

سألنا أمي السماح لنا بالمساعدة ولم تملك تمت إلحاح جارتنا إلا بمواكبة الأمر شعرنا بالفخر وأخذنا الغرور وحضرنا لها الروح التي أجابت بنعم وقالت إن تحقق الأمر سأعطى كل واحد منكم عشرة دنانير كاملة ، انتظرنا طويلا ً تحقيق ” النعم ” وماتت جارتنا بعد عدة سنوات من هذه الجلسة ولم يطلق الزوج زوجته الثانيه.



0

 

كلمات …هيا علي الفهد

الأب الذي لم يرحل”

وقفت متعجبة كيف مرت كل تلك السنوات على رحيلك يا أبي، كيف تيتم الأحفاد، كيف خسر كل منا سنده في هذه الدنيا، كيف ضعنا من بعدك.

كانت أول الأحزان وأعمقها وأكثرها وجعا حين غابت الابتسامة الحلوة التي تضيء دروبنا المعتمة، واختفى القلب الحنون المحب للكل دون تفرقة، والعقل الراجح الذي يقدم النصيحة من وراء خبرة حياتية، وثقافة دينية واللسان الرطب بذكر الله عز وجل وبالكلمة الطيبة لجميع الأبناء والأحفاد على حد السواء.

رحلت، ربما عن دنيا فانية لكن لحياة خالدة، رحلت لكن ظللت في القلوب والعقول والوجدان، رحلت لكن التوجيهات التي كنت تلقيها على مسامعي مازالت ترن في أرجاء المكان نسمعها تتكرر فنكررها على أبنائنا، مازال الكل يتحدث عنك، عن عدلك ومساواتك، عن وصلك وتواصلك، عن طيبك الذي لا يختلف عليه اثنان، عن تطبيقك لمبدأ صلة الرحم والتسامح، ووصل من انقطع.

صوتك محفور في مسامعي ومسامع أبنائي، نذكرك حين نتحدث عن حادثة مرت يوم كنت موجودا وصورتك ترفض السنين أن تنسينا إياها، أحيانا احتاجك خاصة حين تشتد بي الأحزان، حين تتقاذفني أمواج الغدر، وحين أتألم من أقرب الناس، أيها الحاضر الغائب في ذاكرتي وإن امتلأت الذاكرة بالآخرين تظل أنت المسيطر وأنت من يأخذ الجانب الأعظم منها.

السنوات مرت بكل ما فيها، بأفراحها وآلامها بحسناتها وسيئاتها، بكل الموجودين والراحلين، لكن سنين عمري توقفت عندك خاضعة لك راغبة فيك.

إلا أن ما يهون علينا غيابك وجود البيت الذي اخترته ورحلت عنه ووجود أحفاد واصلوا الدراسة كما نصحت وكما أمرت ووجود حفيد يحمل اسمك كما تمنيت ورغبت، نناديه أحيانا بـ «يبه علي» حتى تشعر القلوب الفارغة بحنانك ووجودك حتى نحس بالألفة ونلتمس الأمان.

أنت لم ترحل، صورتك بردائك العسكري تقف بشموخ في وسط غرفتي ألقي عليها تحية الصباح وتحية المساء واخبر الحفيد بالاسم الذي يحمله، أنت لم تغب فلك في كل زاوية مكان وفي كل مكان ظل، وفي ظل ذكراك نحتمي، وعلى ذكراك نعيش يا علي موسى الفهد ذكرى وفاتك التي تصادف 23 يناير.

kalematnet@hotmail.com



0