قصة قصيرة …. بقلم هيا علي الفهد

” البكاء ندماً “

كان الزعل بيننا امتد لأكثر من سنة. لم أستطع أن أتحمل ذلك الاتصال من زوجها ليخبرني بوفاتها..هكذا فجأة ماتت دون مقدمات دون الرجوع لبعضنا البعض دون التسامح المفروض من أخ لأخته.

دموعي تنهمر وأنا واقف في المقبرة ..ذلك الحشد الكبير من الرجال بعضهم من أفراد العائلة والبعض الآخر أعرفه بالشكل جيراناً كانوا أو أصدقاء لكن الكم الكبير أجهل الصورة والاسم.

ألقيت على وجهها النظرة الأخيرة حين نزلت للقبر. ودعتها ولكن بعد فوات الآوان . انهمرت دموعي كما لم أعهد نفسي بالبكاء وعلا صوت النحيب حتى حاول ابني إسكاتي بحنان رأفة بحالي وبأني الإنسان المؤمن بقضاء الله..كنت أبكي ندماً على إغضابي لها ومقاطعتي إياها كل تلك الأشهر الطويلة . تمنيت لو عادت الأيام للوراء قليلاً وصالحتها وحدّثتها ورافقتها.

حين اصطفينا لتلقى العزاء في المقبرة كان أغلبية الرجال يبكون. لأول مرة أشهد بكاء رجال بهذا الشكل والذي هزّني أكثر بكاء هؤلاء الذين أجهلهم أسماً وشكلاً. يقترب الواحد منهم مني يضمني بحنان بالغ وتصدر عنه كلمة وحيدة ” طيبة ” .

عرفت فيما بعد غالبيتهم هم رفقاء عمل لها. وحّز في نفسي أن يعرفها الغريب أكثر مني.

كنت أعي طيبتها واختلافها عن بقية الأخوات فلم تكن تطلب منا شيئاً كما لم يصدر عنها يوماً أذى لأحد بل كانت سريعة الاستجابة لطلباتنا حتى وإن لم تقدر وكانت من النوع الذي يؤثرنا على نفسها.

رفعت رأسي أدرته ناحية قبرها . صوت البكاء داخلي يعلو ليسمعه كل من حولي لم أقدر على السيطرة على نفسي أو أحكام الضمير الذي اقترب من الجنون حتى خاطبني أحدهم ” استغفر الله وادع لها بالثبات والمغفرة “.

ثم أكمل الثاني ” تصبّر يا أخي عسى أن تكون خاتمة الأحزان ” .

أطرقت برأسي للأرض..طالعت أقدام من هم بجانبي حاولت أن أشغل الفكر بحذاء ونعال ..حركت ذرات الرمال تحتي. حفرت بحذائي الأرض..دحرجت الحصاة القريبة. وطابور المعزين لا يتوقف وكلمة ” طيبة ” يرددها الأغلبية.

عرفها الغريب وتعامل معها وفق هذا المبدأ وأنا أخوها من أمها وأبيها تناسيت هذه الطيبة وعاملتها بقسوة واضحة  لدرجة أن قسوتي فرضتها علي زوجة وابن.

حاولت أن استرجع أسباب الزعل..تاريخه..لم أعد أذكر أي شيء عنه.

حين حدثتني زوجتي عن دعوة الأخت لها للعشاء في بيتها. رفضت وعاندت وأمرت بالمقاطعة وكانت الزوجة أقسى مني تعمدت أن تجرحها وتخبر الأسرة برفضي الدعوة حتى وصلها الخبر..لم تعاتبني ولكن وصلتني رسالة يتيمة منها على هاتفي النقال تحتوي على ” حسبي الله ونعم الوكيل ” لم أستوعب تلك العبارة من جانب الدين بل أثرت مشكلة أكبر لدى الأسرة وقلت أنها تدعو عليّ وعلى أسرتي . وثرت لأيام شاركتني الزوجة العنف والتجريح بها حتى وصلني كيف بكت وكيف تألمت وكيف خرجت من البيت دون حجاب ومع هذا لم يصحو الضمير الغافي.

ما باله اليوم يؤنبني ؟ هل لأنها رحلت دون عودة؟ هل لأني أدركت مدى طيبها ورقيها؟ هل لأني عرفت مكانتها لدى الآخرين؟ هل لأن الآخرين عرفوها أكثر مني ؟

صدرت الآه مني بعنف وقوة. خاطبني أحدهم ” تعوّذ من الشيطان ”

أنت مَنْ مِنَ الأخوة ؟

رفعت رأسي نحوه وقلت..حمد..

قال بعد تنهيدة حارة ..كنت الأعز..وأكمل مسيرته..

النار أشتعلت أكثر في جوفي..ذاك الغريب يعرف مشاعرها أكثر مني..تتحدث معه عن حبها لي. تخبره عن مكانتي في نفسها تقول له إني الأعز..الأعز

الآه تزداد عنفاً وحدّه فأفترش التراب وياليتني قبلّت التراب الذي طواها..يحاول رفعي الأخ الذي على يميني ..يصرخ بي..حمد..حمد الرجال في بقية الصفوف يهللون والآخرون يرددون لا حول ولا قوة إلا بالله ..يظن رجال المقبرة إني أبكيها من الفراق أو أبكي حزناً عليها..ولكني أبكي ندماً على ما فعلته بها..على خصام لأسباب تافهه..على إني حرمتها منّا . على إني منعت دخولها بيت العائلة . على إني حاربتها بقوة ومنعت الزوجة والأبن زيارتها..لم أكن أظن أنها ستموت صغيرة ظننت أن العمر سيمتد وسيكون اللقاء والعودة.

افتراشي للأرض طال وضعت يديّ الاثنتين على رأسي قال كبير الأخوة ( دعوه ) . يعلم ما في داخلي وبأن الندم ينهش فيني الضمير والعقل والفؤاد..

يمر المعزون وحالما يصلون عندي يكبّر البعض منهم ويدعو البعض لي بالصبر ولها بالرحمة وأنا الأخ ” الأعّز ” لم أرحمها. حين انفضّ العزاء وغادر الجميع المقبرة آثرت البقاء لحظات عند قبرها الرطب..بكيت بالرغم من نصيحة الناس لنا بأن البكاء يعذّب الميت..حدثتها بجنون طلبت منها أن تسامحني وأن تغفر لي تمنيت من كل قلبي لو ردت عليّ من تحت التراب  لتقول سامحتك..حلمت لو أنها كانت بجانبي تبتسم كعادتها ولكنه الحلم الذي لن يتحقق..ازداد بكائي بندم على ما فعلته معها كنت أظن أن العمر ممتداً بي وبها ولم أدرك أن سنة العذاب والفراق كانت هي السنة الأخيرة عندها.



0

 

قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد

 

” شخير “

 

في السابق كنت أخجل أن تراني الخادمة نائمة في الصالة على الكنبة فكنت ألملم حاجياتي بعد صلاة الفجر مباشرة وأرتب المقاعد قبل أن تستيقظ. منذ فترة لم أعد أبالي فهل يخجل الإنسان من غيره أكثر مما يخجل من نفسه!!

مرت أشهر عديدة حين بدأ بطردي من غرفة النوم بإدعاء أن لي شخيراً يزعجه. لم أظن أني من هؤلاء النسوة اللاتي يعلو شخيرهن أثناء النوم فأنا شابة وعلى حد علمي أن الشخير يرافق كبيرات السن أو صاحبات أمراض معينة كالجيوب أو السكر.

كان تفكيري قد اتخذ منحى آخر غير هذا الادعاء ربما أنه واقع في حب أخرى ترفض وجودي وتستغل سيطرتها فتطردني من قربه أو أنه مسحور لدرجة أنه ربط عني لكني لم أعد قادرة على التفكير بمنطق لتبرير رفضه النوم بجانبي.

البرد هذه الليلة قارص والصالة المفتوحة تجعل له مكاناً في جسدي النحيل وهذه الكنبة بدأت تدخل آلاماً في عظامي كما أن الوسادة تتحرك تحت رأسي باستمرار وبدأت أشعر بوجع رقبتي.

اعترضت ذات مره على نومي خارج الغرفة ولكنه لم يعر اعتراضي أدنى اهتمام حاولت أن أنقل شكواي لأمي لكني سأدرك أن حرصها الشديد علي ستنقله خبراً مفزعاً للأخوة الذكور وبالتالي سيتم الاصطدام بزوجي.

قلت لأصبر ربما هي فترة وستعدي وسيتألم لوضعي ويرفضه أو يحن قلبه علي ولكن الأيام غدت أسابيع وها هي الأسابيع تعلق بالشهور وهو لا يهتم.

الخادمة ترمقني بنظرات تساؤل أو ثماته لست أدري. أعتدل في جلستي . رقبتي تؤلمني. تصدر عني آه دون دراية مني. تعاود الخادمة الالتفات ناحيتي. ملعونة هذه الآلام .

حين اتخذت مقعدي خلف مكتبي كان الألم مازال مستمراً زاد هذا الصباح بفضل النومة غير المريحة على كنبتي الجلدية الحمراء. تساءلت زميلتي.

…ما بك ربا ؟

…لا أدري رقبتي تؤلمني

…ربما وسادتك بحاجة لتغيير..اسمعي هناك نوعاً من الوسادات يفيد لمثل حالتك . تباع في الأسواق وإن كانت غالية بعض الشيء ولكن الصحة أغلى.

رددت عليها دون النظر صوبها..نعم..نعم

اقتربت من مكتبي بعد أن أخرجت شيئاً من حقيبة اليد ..طاولتني إياها كان شريطاً من البنادول قالت..ربا خذيه سيخفف آلامك مؤقتاً .

دخلت الحمام عند عودتي للشقة أردت أخذ حماماً قد يخفف الوجع مكثت فترة تحت رحمة المياه المتساقطة والمندفعة بقوة ركزت على مكان الألم أدرت المقبض باتجاه المياه الساخنة شعرت ببعض الراحة.

جلست على كنبتي..قدمت الخادمة تسأل ..هل تأكلين؟

فزوجي لا يعود قبل الخامسة . طالعت ساعة الحائط كانت قد اقتربت من الثالثة حدثت نفسي لأنام قليلاً أريح جسداً موجوعاً.

قفزت الفكرة في رأسي ..سحبت نفسي وقد أمسكت رقبتي بيديّ الاثنتين ودخلت لفراشي القديم. شعرت بحاجة لتمدد على سرير عريض مددت يديّ للأعلى..ياه شعور مريح افتقدته منذ مدة.

تقلبت مره ومرتين أنا لم أتعود على نوم الظهيرة ولكنها الحاجة.

استعرضت في وسط السرير ..اقتربت من وسادته.رائحته عالقة فيها. قربتها أكثر من أنفي . اشتقت إليه وإلى رائحته .لماذا هو لم يشتاق إليّ؟! ألا يؤنبه ضميره وأنا أنام في الصالة . كنت أنتظره في الليالي الأولى أن يأتي ويعتذر ويسحبني حيث فراشي ولكنه لم يفعل حتى ملني الانتظار ويأست.

عدت للجلوس على كنبتي كأني تعودت عليها ولم تعد ترق لي نومة السرير .

أخذت أقلب قنوات التلفاز كان الفلم لهاني رمزي ” محامي خلع ” يضع المسجل يحاول أن يسجل لنفسه أثناء نومه هل يشخر أم لا. استثارتني هذه الفكرة الهزلية قلت..هل أفعل ؟

على الأقل سأبرر له تصرفه . أو أصل للحقيقة .. تخمرت الفكرة ساعات في فكري حتى بعد عودته. انتظرت قدوم الليل لأنفذ في الصباح فعلت كما فعل هاني رمزي أدار مسجلته حتى أدرك حقيقة الأمر..أدرتها أنا أبحث عن الحقيقة..أعدت الاستماع للشريط المسجل الصامت مرة أخرى في السيارة . أعدت التسجيل الليلة الثانية مع الابقاء على التلفاز. شككت فقد كان الأول صامتاً لدرجة أني قلت ربما هو لم يسجل أو كان خرباً في المرة الثانية استمعت لبرامج التلفزيون  الليلية ولم أسمع شخيري.

أيقنت أن الموضوع ليس الشخير.

حين دخل سريره لينام اقتربت بكل ثقة أعدت وسادتي محلها استلقيت بجانبه نظر إليّ بازدراء يتساءل..هل ستنامين هنا الليلة؟

أجبته بإصرار..نعم..لم أعد أحتمل النوم على الكنبة..

قال ولكن شخيرك سيزعجني.

قلت ببرود..ما فيه مشكلة..نام أنت في الخارج.

استغرب موقفي..رأيته يحمل وسادته ويخرج

في الصباح كان يشتكي سوء النومة وفي المساء كان يضع وسادته بجانبي..أدرت ظهري وابتسمت.



0

 

قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد

 

” طبق من شاي ”

” جلست. والخوف بعينيها. تتأمل فنجاني المقلوب . قالت يا ولدي لا تحزن..قالت يا ولدي لا تحزن “

لا أدري من أين قدمت هذه الأغنية القديمة وأخذت تدور في ذاكرتي عندما جلست هذه المرأة أمامنا نحن مجموعة النساء في شقة إحدانا. لم أكن أعرف عنها شيئاً ولم أعرف بقدومها كل ما أعرفه أنني دعيت لشرب الشاي عند إحداهن وكانت موجودة قبلي تمسك بطبق فيه شاي بورقة ونفله تطلب من إحداهن النية بتقريب الطبق من فمها لتحدثها عن أشياء حدثت وتحدث وستحدث مستقبلاً وأنا أناظرها مبتسمة ساخرة من كلا الطرفين فقد كذب المنجمون ولو صدقوا.

والأغنية الملعونة تدور بكلماتها ولحنها في مخيلة تعشق عبد الحليم. قالت للصديقة عن عودة الزوج المهاجر وطلاقه من الثانية وإحضار الأبناء لتقوم هي بالتربية.كانت قد تبسمت فرحاً للجزء الأول من الخبر وعبست من جزئه الآخر.

إنها تلج في بئر عميقة. تستنزف فيها كل مشاعرنا كنساء كسيرات أو تبكي فينا الأنثى الجريحة والمغدورة.

حين اقتربت من صديقة أخرى لنا مطلقة أخبرتها بما نعرفه جميعنا عنها تربية الابن الوحيد والاعتكاف إليه والعزوف عن الارتباط بآخر وعشق الرجال لها كإمرأة غاية في الجمال ومع الانتهاء من حديثها للثانية كانت نظراتنا قد أخذت منحنى آخر مختلفاً عن الضحك والمزاح وبدأ الخوف يعلق في العيون.

وحين دنت من الثالثة ذكرت لها أسباب عنوستها وكيف يغادر الرجال محطاتها الكثروعزوفهم عنها بسبب السحر الذي دفن قديماً تحت عتبة الباب حقداً للأسرة وكرها لها.

دخلت هذه المرأة بطبق الشاي الذي تحمله ويدور علينا في خصوصيات نعرف بعضها عن بعضنا ونجهل الآخر.لكن ما طل من أعيننا أيقن الأخريات أن هناك شيئاً قابعاً في تاريخ كل واحدة منا. فخفقت القلوب كما لو كنا في سباق.

اقتربت مني القلب داخلي يقفز وكلمات أغنية عبد الحليم تقفز في ذاكرتي وتتراقص أمام ناظري..الخوف مما ستقول والخوف من هؤلاء النسوة اللاتي يجهلن أموراً عديدة ولا يعرفن إلا أنني الزوجة المحبة للزوج والمعشوقة منه. هؤلاء النسوة اللاتي تحسد كل واحدة منهن حياتي ولطالما قلنها جاهلات العديد من المآسي التي عشتها ومررت بها وما زلت.

طاولتني الطبق.. ضحكت بصوت عال..رددت بصوت عال..

محال..محال

قالت صديقتي المطلقة بمكر..مما تخافين؟

تبسمت وأدرت وجهي عنها خشية إدراك ما هو مخفي.

حين هزتني العانس..لمياء لم التردد؟

الضحكة الساخرة صدرت للمرة الثانية مني.

قلت..أخشى على صلاتي..فمن أتى عرافة لن تقبل صلاته أربعين ليلة

علقت المطلقة قائلة..ولكنك لم تأتيها..أنت تواجدت بالصدفة في المكان الذي ضمك وإياها

مبرر غير مقنع..حديث النفس داخلي.

مرت لحظات صمت..الكل ينتظر مبادرتي . لكن الصمت طال حتى شعرت بملل الأخريات . ثم وجدت الطبق يغادرني حيث الصديقة الأكبر سناً فينا جميعاً.

أمسكت الطبق الممدود لها بيديها الاثنتين وتمتمت كما طلب منها لتعيده لصاحبته.

طالعتها المرأة وأخذت تحدثها عن مرض الزوج مستقبلاً وعن زواج الابنة الأخيرة في أسرتها وعن خلاف سيحدث في البيت مع زوجة الابن ليس معها بل مع إحدى بناتها ومغادرة الابن الساكن عندها مع زوجته بيت الأسرة بعد ذاك الخلاف وعن سفر ستسعد به. الصديقة تلك شعرت بنوع من الراحة حين قالت لها أن ابنك سيعود للبيت مرة أخرى ولكن بمفرده فزوجته قوية وصاحبة مشاكل.

انتهت دائرة النساء اللاتي مر عليهن طبق الشاي فتوجهت النظرات حيث أنا..والخوف قد سرى مني سريان الدم في العروق. هل أفضح نفسي في هذه القعدة؟

الفضول تملكني. هناك تساؤلات عديدة تتصارع داخلي عنه والرغبة في الوصول للإجابات بدأت تنتصر عندي.

قالت إحداهن.. لمياء هل ما زلت على إصرارك بالرفض؟

دون وعي مني صدرت ” ها “

ردت الأخرى..لا..أظن أنها بدأت تلين.

لترد الأولى مخاطبة تلك المرأة..ناوليها الطبق بسرعة قبل أن تعود لرفضها الأول.

قلت..ولكن عندي شرط؟

طالعتني الرفيقات..خير ما هو شرطك؟

…أن أكون بمفردي معها.

احتجت إحداهن قائلة ..ولكننا استمعنا لحديثها معاً.

قالت الأخرى ..هذا ظلم لا عدالة فيه

الأكبر سناً..أنت استمعت لأسرار كانت مخفية لكل واحدة فينا ومن حقنا أن نعرف ما سيقال لك.

قلت وقد حسمت أمري..هذا شرطي.

ردت العانس منهن..وأين المتعة في ذلك؟ خاصة حين تختبئين بعيداً عنا..؟

قلت بصوت حزين..لي أسبابي.

فقالت المطلقة..دعوها وكما ترغب.

حملت المرأة طبق الشاي حيث الغرفة الجانبية لاحقة بصاحبة الشقة دخلت خلفهما وأغلق الباب عليّ وعليها فقط.

جلست في مقابلتها طلبت مني حمل الطبق وذكر نيتي في كل ما أرغب في معرفته عن زوج وابن وابنه وعمل.

كان صوت الخوف داخلي يرتفع وله مساران الأول الخوف من الله في جلسة الشرك تلك والآخر مما سيظهر لي من وقائع لكن الفضول انتصر خاصة بعد كل ما مررت به من فتور في علاقة زوجية بنيت على حب وتحدي.

نظرت في وجهي..جامدة هي واثقة بكل ما تقول وتفعل

قالت..هناك آخر غير الزوج.

لم تصدر عني أي ردة فعل

أكملت..أنت امرأة نظيفة وصادقة وغير خبيثة..

قلت لذاتي..لو كنت أعلم أن الصدق سيضر لتعلمت الكذب ولو كنت أقدر أن أكون غير خبيثة لفعلت ولكن الطبع يغلب التطبع.

قالت..زوجك يحبك كثيراً ويحب الأولاد

تنهدت بعمق..لتكمل..ولكنه آذاك كثيراً..

طالعتها وداخلي يتساءل ما هذا الذي أسمع؟ كيف تعرف تلك بكل هذه الأمور من طبق وشاي وماء!!

..لقد لعب كثيراً في شبابك مع العديد من النساء.

لا أدري كيف منعت نفسي من البكاء

..وخسر الكثير الكثير من ماله عليهن

حقيقة أدركتها منذ سنوات ثلاث

لا أسألها ولا أتحاور معها أعطيتها حرية الكلام والصمت لفني تحت عباءته . حين قالت..أنت مكسورة. داخلك مكسور..لدرجة أنك ابتعدت عنه كثيراً.

صمتت لحظات وعيناها عالقة في طبقها وحركة الإصبع تبحث عن شيء ما بين أوراق الشاي السوداء..ثم رفعت رأسها طالعتني بنظرات حادة شعرت برهبة الموقف فاهتز البدن عندي وقالت بعد السكوت المفروض منها عليّ.. ” ما كو فراش ؟ ”

سؤال أسقطني في بئر الألم الحاد..قبل ثلاث سنوات كنت أتباهى به وبرغبته المستمرة لي..لم أقدر على الإجابة لكنها أدركت الإجابة فسألت: هل تنامين في غرفة ثانية؟

صمتي يشوبه الخجل والخوف والحسرة ووجدت نفسي عاجزة عن الرد أو الإجابة..بل وجدت نفسي مخنوقة ولا أقدر على التنفس الموقف أصعب من تحتمله نفس ضعيفة ونظيفة.

احترمت صمتي بل شعرت بتعاطف قوي منها إليّ..قالت لديك ابنه ستتزوج هذا العام.

شعرت أن هذا الخبر الجيد نوع من التعاطف معي أو حتى تخرجني من حالات القهر التي حبست داخلها.

طالعتها..تقاطيع وجهها تتراقص أمامي بفعل الدموع.داخلي يخبرني ربما زواج ابنتي رحمة لي ونهاية لأحزان طالت وامتدت.

حين سمعتها تقول..ما شاء الله حظها ممتاز.

قلت لنفسي..أتمنى أن يكون حظها أحسن من حظي وإن الله سيعوضني شيئاً مما فقدته في حياتي.

..زوجك حالياً أدرك حقيقة هي في صالحك.

مجرد النظر إليها دون طرح سؤال هو السؤال بذاته.

…أدرك أنه آلمك كثيراً فتاب..

دون وعي مني صدرت ابتسامة سخرية..والمثل المصري يسيطر على فكري ” ذيل الكلب عمره ما يتعدل “

..لقد شبع واكتفى

مجرد كلمة ” شبع ” أثارت عندي أنواعاً مختلفة من الاشمئزاز . هو شبع وساخة وأنا شبعت من الصبر.

..الآخر..

لا أدري كيف رفعت رأسي ناحيتها بصورة تكاد تفضح أمري..

…زين..أكملت ..وايد زين

لم أدخل معها في حوار عن ” الزين ” ولم أرد أن أفتح باباً أخجل مما هو خلفه..جاءني الآخر في وقت حاجتي وكسري..عوّض فيني كبرياء المرأة وأنوثة المغدورة..أشعرني بأني مرغوبة وجميلة بعد أن جرحني الزوج مع الأخريات والبعد العاطفي والجسدي عني..

أكملت تقول..ولكنك نظيفة..لم تخطئي ..لم تقابلي ما فعله بك بمثله..

تنهدت بقوة..

لتقول هي..الأمور ستغدو لصالحك.

وداخلي يقول..حتى تغدو الأمور لصالحي سيخسر هو كل شيء وسأخسر أنا نفسي.



0

 

كلمات …هيا علي الفهد

” هل من أمل؟!”

عندما تعصف بنا ريح الألم ويطوقنا اليأس نتيجة ما آلت إليه ظروف البعض منا ويزمجر داخلنا اعتراضا على واقع هش وعالم ميئوس منه ننظر للأعلى، حيث النجم الأوحد في سماء الرب الأوحد ونتساءل هل من أمل؟ هل من منطق نفسر به ومن خلاله هذه التجارب المؤلمة التي نمر بها لنردد من منطلق إيماني قائلين «اللهم لا اعتراض»، فكل ما يحدث ما هو إلا من إرادة الله واختبار منه عز وجل.

وما في أنفسنا من شعور بحزن كريه وجروح مؤلمة قد تكون لأيدينا دخل فيها وقد يكون بعضها بفعل تفكير أرعن وخطوات عرجاء، وان الإنسان لا يمكن ان تكون حياته كلها على مدى عمره ان طال وإن قصر عبارة عن ابتسامة من فم طفولي، فتقلبات الحياة تحدث شئنا أم أبينا معنا ومع الآخرين أمس أو اليوم أو في الغد، تقلبات أشبه بجو بلادنا الحبيبة، التي لا تعرف سماؤنا فيها أيام المطر أو سويعات الغبار. أشهر الصفاء أو أسابيع الرطوبة التي تتغلغل داخل الصدر فتسد لدينا مسامات التنفس.

وكما للنهار فترات تغدو لليالي فتراتها، وكما للصباح بزوغ يبقى المساء عالقا في الفضاء ينتظر السيطرة وإعلان الوجود.

انما الإنسان الذي يتصف بالأنانية والطمع لتظل الرغبة الأولى هي إطلالة الصباح فقط وهي شروق الشمس دون غياب وهي صحو السماء دون غبار أو مطر وهي لحظات الهدوء دون ان تتخللها شقاوة أطفال أو صياح آخرين، رغبتنا ان تظل حياتنا تسير في طريق ذي أسفلت ناعم وعلى أرض منبسطة لا تطل علينا مطبات أو تدنو من أقدامنا حصاة.

نريد ان تكون فصولنا كلها ربيعا وجميع أيامنا نهارا وجميع ما يدور في رؤوسنا حلما جميلا لا كوابيس، لنصحو على واقع ان لم يكن مرا أقول انه مختلف في خطوطه العريضة وتفاصيله الدقيقة. واقع ان يقرص أطراف أيدينا، فيصيب حركتنا بعطب وأعصابنا بتنميل يشل حركتنا بعض الأحيان لكن لا يوقفها للأبد.

فنتساءل من أين تأتي تلك الكلمات كأننا في حجرة مظلمة ندرك ان في زواياها عدوا يقذفك بحجارة من حيث لا تدري ويلكمك بقبضة قوية من حيث لا تراه فتضطرب وتتبعثر وتتعثر وتسقط وينزف الدم منك من فم وأنف وجبهة، تقف متأرجحا تشتم رائحة الدماء والعرق فتتقلب أمعاؤك وتستفرغ من دائرة معتمة لتزداد الرائحة عفنا وتصاب بنوع من الدوار المحموم قد تفيق بعد فترة. تنتظر.. تتساءل ماذا حدث ولماذا حدث معك ومعك أنت بالذات؟

أيها المجنون المغفل الذي يشدك للدرك الأسفل من فقدان العقل وان كان فقدان العقل فيه راحة لك من آلام تسيطر على نفس مهزومة وقلب مكسور وجرح لا يعرف كيف يندمل، ليظل السؤال الأهبل العالق أمام ناظريك. هل من أمل؟!

kalematnet@hotmail.com



0

 

قصة قصيرة …. بقلم هيا علي الفهد

” العمر الافتراضي “

جلست معها في إحدى المقاهي المطلة على البحر لأول مرة أراها واجمه يرفض الشرود أن يغادر نظراتها ولأول مره أجدها قليلة الكلام معي فنحن مقربتان لبعضنا بشكل حاد رغم صداقات كل منا منفردة الكثيرة لكن تظل هي الأقرب لي وأنا الأحب لديها كانت الوحيدة التي أخاطبها بكل آلامي وتطلعاتي وخساراتي  وكنت الملاذ الأوحد لها من غدر زوج وجحود أقارب..وكانت جلساتنا تتكرر في الشهر بضع مرات نضحك معا كما لم نضحك خلال الشهر كله.

فما بالها هذه المرة..حتى قطع خبز الصاج التي تعشقها نفرت عنها وعافتها..حاولت أن أجرها لعالم الضحك المجنون الذي نعيشه معا ومعا فقط لكني فشلت..تبتسم بود لي وتتلفظ بكلمة أو كلمتين وبعدها تشرد بعيدا جدا عني..احترمت الصمت دقائق قاربت على الساعة لكني لم أحتمله..

فقلت..عواطف..أنا لا أضحك إلا معك ولا أفضفض عن آلامي إلا بحضورك . ولا أستمتع بالطعام إلا معك .

طالعتني بنظرات مبتسمة وقالت..وأنا أيضا

قلت ..إذا ما بالك هذه المرة؟

ردت ..تعرفين يا فاطمة إني امرأة جديدة منذ بداية 2010 أنا امرأة عام 2010

..وهل هذه حالة ايجابية أم سلبية ؟

..نعم..نعم هي ايجابية . أردت أن أغيّر حياتي كلها..للأحسن طبعاً.

 

ضحكت قائلة ..جيد..لكن ما سبب هذا العبوس؟

تلفتت حولها ثم قالت..أنا حين يحزنني أمر ما أهرب للبحر

أتحرر من خلال أمواجه..أبثه همي وحزني

سادت فترة صمت جبرت عليها..

 فأكملت هي..أردت أن أحب ذاتي أكثر وأن أهتم بنفسي أكثر ..يكفيني تنازلت لزوج وأهل وأبناء..

الصمت يفرض ذاته علي..فقالت ..لن يشعر بنا أي كان فالزوج حين يتقاعد لا يفكر إلا بنفسه..والأبناء تأخذهم الحياة في دورتها المعتادة فينسونا..والأهل اتضح أن الطيّب يضيع معهم..

سؤال واحد أخذ يلف عقلي..ما هي دواعي كل ما أراه وأسمعه ..

لكني لم أرد طرحه عليها..أعطيتها حرية الحديث دون مقاطعة من جانبي..حين رفعت عينها ناحيتي وقالت..أنت أيضا يا فاطمة قدمت الكثير لمن حولك لزوج غدر بك ..لابن جعلته زوجته يغادر بيتك لأخوة تخلوا عنك وقت الحاجة.

أنت طيبة لدرجة أن جميع حقوقك اغتصبت وانتزعت منك.

كلامها كان قاسيا ودموعي تيبست في العين خجلة وخائفة من إعلان حزني..

حين أكملت..نحن متشابهتان في كل شيء..حسدونا على الضحك تصوري حتى على ضحكنا حسدونا..تذكرين ..هي قالت لنا ذلك امرأة من أسرتك؟

هززت رأسي بالموافقة..

اليوم أنا امرأة 2010

ضحكت من عبارة ترددت ..قلت مازحة ما حكاية 2010 معك ؟

قالت..قررت أن أغيّر أشياء كثيرة في ذاتي..

..مثل ماذا؟ مازحة ..هل الزوج إحداها ؟

لم تشاركني مزاحي..لأول مره أراها جادة فمللت هذا الوجوم وقلت..كفاك عواطف..عودي لمرحك..

 لم تعرني أي نوع من الاهتمام..طالعت البحر مرات عدة ثم قالت..حجزت سيارة جديدة؟

انتظرت المزيد منها..

حين قالت. انتسبت لنادي صحي..

لم تعرني الاهتمام المطلوب فاسترسلت ..انضمت لحلقات دينية..

أتساءل داخلي ما هذه التناقضات..رفيقتي تتخبط.

أخذت تقلب في الطبق الموضوع أمامها..أرادت أن تكمل حين قاطعتها..كفاك..لم كل هذا؟

..العمر يمضي يا صاحبتي الغالية..

طالعتها..أردت بنظراتي لها أن تفسر..أن تعلل..

لكن الصمت طوقنا معا.

أمسكت بكوب العصير..قربته من فمي لكني لم أرتشف شيئا .

رنين كلماتها ..” العمر يمضي ” جعلتني أدخل دائرة التأزيم..

وهو أمر مقيت..

حالة اليأس التي كانت عليها صديقتي المقربة..انعكست دون استئذان علي..كنا ننتظر هذه اللقاءات..كنا نعشقها لأنها المتنفس الأوحد لكل ما نمر به..لأول مره ينقلب الفرح لحزن والمرح لغصة .

لم أكن يوما من عاشقات البحر أو السير على الشاطئ . لكني وجدت نفسي أهرب منها إليه ..دقائق حين وجدتها تقترب مني لتقول..هل تعلمين يا فاطمة أن هناك ألما في ظهري جعل حركتي بطيئة؟

هززت رأسي بالإيجاب ..كانت قد أخبرتني عنه من قبل لكني ظننت أنه أمر عارض وسيزول..

حين فاجأتني بسؤال أكثر عنفا وهل تعرفين كم بلغنا من العمر؟

                                                                                   أجبت العمر كله إن شاء الله

..نحن تعدينا الأربعين يا فاطمة

..وماذا في ذلك؟ مازلنا في شبابنا و…

قاطعتني قائلة..وكم تظنين أننا سنعيش بعد؟

أجبتها بحده..هناك من يموت بأقل من الأربعين كثيرا ..وهناك من يصل لأرذل العمر..وكله بعلم الغيب وبأمره سبحانه .

حين قالت ..ولكن العمر الافتراضي يدل أننا قوما لا يعيش أكثر من ستين أو سبعين عاماً.

أتعبتني حالتها فلم أرد أن أناقش أمرا مأساويا لكنها لم تتعب وقالت..

أمامنا مالا يزيد عن العشرين عاما..

          هززت رأسي قائلة ..ربما وربما أكثر وربما أقل..ما بالك اليوم يا عواطف..

نظرت ناحيتي وقالت..مملة اليوم أنا؟

..اف..كثيرا.. نحن خرجنا لنستمتع كالعادة ولنفرغ ما في داخلنا لبعضنا كي نرتاح فأنت تعلمين أنك الوحيدة التي أضحك معها حقيقة والوحيدة التي أبكي أمامها بصدق والوحيدة التي أناقشها دون خوف فما بالك اليوم يا صاحبتي؟

..أنا أيضا..لا أسعد بأي نزهة إلا معك ولا أضحك من قلبي إلا معك وأرفض أن يشاركننا كائن من كان لأن وجودي معك راحتي. ولكنها ليلة البارحة.

..ما بها ليلة البارحة؟

..لم أنم..انصب تفكيري بالعمر الذي انتهى على غفلة منعى أيامنا الباقية منه..على الأشياء التي عملناها والأشياء التي لم نعملها..

..آه من تفكيرك..لك اليوم نظرة تشاؤمية لم أعهدها فيك.

وضعت يدها على يدي وقالت..هل أزعجتك؟

رددت بسرعة..على الاطلاق ..أنا أعلم أنها حالة طارئة ..

قالت..ربما ..فآلام ظهري أشعرتني أني كبرت سريعا..وانقطاع الطمث معناه الدخول في سن اليأس ..

ضحكت بصوت عال وقلت..ألا تعرفين أنهم غيروا مسماه..لقد اسموه سن الأمل يا عبيطة..

لم تبادلني مزاحا بمزاح كعهدي بها..فأكملت تقول..الرجل يا عزيزتي لا يحب المرأة حين تصل لسن اليأس..

..الرجل يا عزيزتي سيرتاح من أيام مقاطعة رغبته..سيجد الدرب سالكاً كل أيام الشهر..

تحركت بصعوبة عائدة حيث طاولتنا المشتركة ..أخافتني حركتها لكني لم أعلن حالة الخوف تلك..

حين جلست على مقاعد المقهى قلت..ألا تعلمين أن للرجل أيضا سن يأس..

قالت..الرجل لا يعيبه شيئا.

قلت..لا تخافي يا عواطف..لن تموتي باكرا.

..والله أشعر يا فاطمة إني لن أعيش طويلا..انظري ليدي..

..ما بها يداك؟

..انظري للإصبع الأوسط كيف انحنى.

شعرت بسيطرة الخوف عليها..ما هذه الأمراض التي تجمعت فجأة

فسألت..ألم تذهبي للطبيب؟

..لم يعرف أحدهم علتي ..أشعات عادية وبالرنين ولا فائدة.

..سافري يا صاحبتي للخارج..اعرضي نفسك على أطباء في دول أخرى..

.. أين مثلا؟

..اذهبي للمستشفى الأمريكي في بانكوك ..سيعملون لك جميع أنواع الفحوصات.

..جارتي ذهبت العام الماضي ولم تستفد شيئا..

..حاولي يا صاحبتي ..لكن لا تستسلمي..

رن هاتفها كانت رنته أغنية لعبد الكريم عبد القادر

ضحكت على الرنة وقلت..تطور خطير..منذ قليل تقولين ” حلقات قرآن كريم ودروس دينية “.

لأول مرة تضحك لتقول..ماذا أفعل ؟ كلها سنوات قليلة أريد أن أفعل فيها مالم أفعله في الأربعين سنة الماضية.



0