رجال في حياتها
ي 16
2010
قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد
” رجال في حياتها “
كانت تسكن بالقرب من بيت العائلة الكبير وتعمل في إحدى مرافق المنطقة جميلة قصيرة القامة بيضاء اللون وكانت محترمة الكل يشيد بالسمعة الطيبة والأصل الطيب والكل يمتدح خلقاً راقياً ويمدح تربية سليمة للأبناء.
صفة الهدوء لصيقة بها تسير بخيلاء بطة بيضاء ناعمة الريش ملساء الجسم تطالعك بنظرة وكأنها لا تراك عيناها معلقتان ببيت وزوج وأولاد.
كنت أراها أحياناً حين أزور والدتي المريضة كانت تتفادى النظر إليّ وتتحاش الكلام معي حتى حين تجرأت ذات يوم وألقيت بالتحية عليها سمعت صوتاً هامساً ناعماً يرتّد إليّ ومختصراً بشكل واضح وخطى سريعة حيث بوابة البيت حتى خيّل إليّ أنني سمعت دقات قلبها وشممت رائحة النفس المضطرب.
وذات يوم حدثتني والدتي قائلة..هل تعرف يا جاسم جارتنا أحلام أم يوسف؟
هززت رأسي ايجاباً وأكملت ..أصادفها أحياناً عند دخولي أو خروجي من البيت.
أمي تعمدت أن يسود الصمت بيننا بعض الوقت ربما لمست مني تجاهلاً ولكنه كان مقصوداً انتظرت بفارغ الصبر أن تلقي لي بالخبر لكنها تلاعبت بأعصابي أكثر..حتى سألت..أمي ما بها الجارة؟
قالت بحسرة واضحة ..لقد تزوج عليها أبو يوسف الشهر الفائت.
الخبر أزعجني أنا الرجل فلا ألوم في أمي فكر الأنثى أو عاطفتها..
لتكمل..لا أدري والله ما يريده الرجل؟ امرأة مثلها أصل وجمال وأخلاق وعناية بالبيت والولد..فماذا يريد الزوج أكثر؟!!
قلت دون اقتناع مني..البيوت أسرار والبيت داخله أمور قد لا يراها غير أصحابه..
لوت الوالدة بوزها دليل عدم اقتناع بما قلت وكيف أقنعها بشيء أنا أولاً لا أقتنع فيه.
عرفت فيما بعد أن الزوج أحب زميلة في العمل فاختار وأثنى ولم يعدل..
مرت أشهر قليلة حتى عادت سيرتها على لسان أمي لكنها سيرة مختلفة
..تدري جاسم؟
طالعتها وأمسكت بإحدى يديها كما تحب دائماً أن أفعل وقالت وقد غالبتها دموعها..المرأة ظُلمت
تساءلت..أي امرأة يا أمي تقصدين؟
تنهدت بحسرة واضحة وقالت..أحلام..الجارة أم يوسف
انزعجت من خبر أدركت السوء الذي وراءه وقلت..كيف؟
آثرت أمي أن تصمت وأن لا تكمل فأعدت السؤال ما بها؟
طالعتني بنظرات اعتراض قائلة..ظلمها زوجها حين تزوج بمن هي أقل شأناً منها..
عاد الصمت يفرض وجوده وغدوت كريشة تتقاذفها ريح مجنونة فلهذه المخلوقة مكانة عندي وقلت ..أكملي أمي.
فقالت وظلمت هي نفسها..عاودت السكوت والسكوت جمر يحرق الفؤاد والعقل معاً..
حتى لفتني عصبية لا أدري من أين قدمت..لمَ هذا الصمت؟ أنت تتلاعبين بي.
طالعتني بنظرة استغراب حاولت أن اتحاش نظراتها إليّ وقلت بسرعة ..أقصد تعطيني معلومات بالقطارة والصمت أكثر من الكلام في تحاورك معي.
قالت..بدأت سمعتها تسوء في المنطقة والحديث زاد هذه الأوقات عليها.
نظراتي اتسعت لم تعد تطيق لحظات الصمت التي تصدر عن أمي فتدير رأسي..حتى قلت..ماذا بعد؟
يقال..تفوهت بهذه الكلمة ثم صمتت..
وجدت نفسي مدافعاً دون قصد ودون انتباه مني..ما كل ما يقال صحيحاً.
..بدأت تتأخر ليلاً
..طبيعة عملها يا الغالية
..ويحضرها رجال غرباء
..أحلام يا أمي جارة قديمة..مرت أكثر من عشر سنوات على سكنها هنا.
..أعلم يا ابني لكن لا يوجد دخان دون نار
النار في جوفي لا أعلم لماذا حاوطني حزن لا أدري من أين قدم ولا أعرف تفسيراً لعصبية مرفوضة.
خرجت وقفت لحظات قرب الباب الخارجي..طالعت بيتها..أردت أن أتنفس هواء نظيفاً شعرت أن أرصفة الشوارع اختلفت ونوافذ المنازل أسودت وأشجار الطرقات تيبست..حقيقة أن ما في داخلنا ينعكس على ما نراه..
طالعت ساعتي مرت عشر دقائق وصلت لسيارتي فتحت بابها ولم أدخل عاودت النظر لبيت الجارة لا أدري ماذا أنتظر وما هو الأمل المرتقب حتى رأيتها..المكياج اختلف والمشية ما عادت لتلك البطة البيضاء التي تمشي على استيحاء وثقة رفعت وجهها ناحيتي لأول مره ترفعه طالعتني بتفحص مقصود ألقت هي بالتحية الصوت الهادئ الموزون اختفى ليحل صوتاً غجرياً عالياً..لم أرد التحية إن كان عن تعمد أو عن صدمة أو مفاجأة ولم تعر رد الفعل عندي أدنى اهتمام أدركت بعدها أن الصورة تشوهت. وأن ما يقال كحجر يهز سطح البركة ليستقر في أعماقها يلوث المياه ويعيق التدفق.
صعدت سيارتي وهناك ما أطبق على صدري أسفاً ومرارة.
حين قابلت الجار الملاصق لنا تحدث معي عن أشياء عدة حتى جنح به الكلام عنها قال أن صدمتها بالزوج جعلها تقيم علاقة مع أخيه وأنه هو الآخر يفكر أن يستغل الفرصة فلا أضعف من أنثى جريحة ولا أسهل من زوجة مغدورة..صعقت مما سمعت وأخذت أردد لا حول ولا قوة إلا بالله اتقي الله فيها يا رجل ..تركني وأدار ظهره وهو يقول ليتق الله زوجها بها أو لتتق هي الله فيما تفعل.
أمي في اليوم التالي عاودت الحديث عنها..
يا جاسم..أحلام ما عادت تحمل من الاسم معنى غدت كابوساً.
حاولت أن ألتمس لها عذراً..ربما صدمتها بالزوج .
أمي لا تقتنع فيما أقول..تردد..هي ليست أول ولا آخر من يتزوج الزوج عليها. عيب ما تفعله.
هززت رأسي وصورتها القديمة تخترق مخيلتي.. تلك البريئة التي حدثتني نفسي الذهاب إليها أقدم نصيحة لرجل محترم لامرأة نالت الاحترام يوماً. تخوفت من الفكرة عالجتها مراراً داخل عقلي قلت هي يد تمتد لها ربما تعينها وربما تنتشلها من حالة الضياع.
مرت أسابيع عدة والحديث عن أحلام يعود بقوة على لسان الأم أو لسان رجال ونساء الشارع وهي في ضياعها حتى قررت ترقب نزولها من السيارة أو خروجها من البيت حتى كان ذات يوم..ألقيت تحيتي بآليتي القديمة..ضحكت أحلام للتحية اقتربت منها أشرت لها بالتروي قليلاً وقفت قبالتها طالعتني بكل وقاحة المرأة المبتذلة هزتني نظرات لم أعتادها منها وأحسست بغصة تخترق داخلي أسفاً على ما آلت إليه حالها.
قلت..أريد التحدث معك برهة.
ضحكت باستهزاء فقالت لم أتعود حديث الرجال..
لم أفهم ما تقصد حتى استمرت قائلة..تعودت أفعال الرجال
الصدمة منها تعيق القدرة على الحديث وتقيدني في مكاني مبهوراً مصدوماً حزيناً.
قلت لها وهل تريد ثمناً لنصيحتك كما يطلبه الآخرون
ضحكت وقالت : هي نصيحة من أخ يحترمك ولك مكانة في روحه.
تمالكت نفسي قبل أن أهّم بصفعها لعلها تفيق مما هي فيه.
..سمعة المرأة يا أم يوسف ورضا الله وأبناؤك
مرت برهة كأنها الدهر لمحت دموعاً تغرقني بها أدركت أن المعدن الطيب أبداً لا يصدأ وأن علق به بعض الغبار الآني.
حتى قالت..فات وقت النصيحة..
امتلكت شجاعة لا أدري من أين استمدت ..وقلت..لا فرص تضيع بإمكانك تصحيح الوضع.
قالت من وراء صوت البكاء المخفي ..رفضني زوجي..أبو عيالي لم يعد يلمسني..لم يعد يرغب بي.
صوت داخلي يقول..أحمق ذاك الرجل..
تعاود حديثها..بينما كل الرجال الذين عاشرتهم..مدحوا جسداً غضاً وأنفاساً مثيره وشعراً جميلاً..طالعتها لعلها تخجل وتندم..لكنها أكملت..
كل الرجال يرغبون بي لكنها مره ولا تعود..انتقام أنثى وتلبية حاجة واحتقار فكر لرجل مارس الرذيلة معي.
أحسست أن لا فائدة من الاستمرار في حديث مقطوع ونقاش مبتور..تركتني قبل أن تعي رغبتي بمغادرة المكان.
استمرت أمي في الحديث عنها فترة طويلة..ثم صمتت فترة أطول حتى سألتها ذات يوم.. ما أخبار أحلام يا أمي..
ردت باختصار ..تركت المنطقة ..أحسن.
0