كلمات 58- نشرت بجريدة الأنباء

كلمات … هيا علي الفهد

 

“معاناة

ندور فيما يشبه الرحاية داخل نفق مظلم، قد نقف أحيانا لنشعر بنوع من الندم على ما فات من عمر انقضى دون الإحساس به، أو على عالم مجنون شدنا لقاعه ففقدنا في لحظة القدرة على التفكير بعقلانية.

الجو الذي اغبر وتلوث في سماء حياتنا نقلنا فجأة من قمة لقاع. وأصبحنا نتساءل ماذا حدث وكيف حدث؟ ولا نجد لما نسأل عنه سوى صدى السؤال يعيق لدينا السمع، وأصبح السؤال شيئا معلقا في الهواء كنظرة مجنون لا يدرك المكان أو يعي الزمان. فما نحن إلا بقايا لكائنات مجنونة، ضائعة تعبث بها أخرى أقوى وأبشع تتحكم بنا كما الأراجوز يحركنا كيف شاء ومتى شاء حتى نجد أنفسنا نترنح بين قدم وساق فنشعر بالدوار المحموم الذي يجعل العين تفقد قدرتها على التركيز.

البكاء الصامت داخلنا والآه الحارة فينا تحرقنا أكثر.. تبكينا أكثر، تزيد من الشعور بالحسرة على عمر ضاع.. عمر وجدنا أنفسنا نقف عند عتبة الشيخوخة وفجأة ودون مقدمات، عمر تسرب من بين أيدينا كالماء كما ذرات الرمال كضوء خافت طل علينا من خلف السحاب وغاب.

البكاء داخلنا دون صوت يخرج أحيانا كحفيف الحية مزعجا.. مخيفا.. كريها يمزق فينا السكينة، يزعج فينا الروح المتعبة والمثقلة بالهموم.

نحس أحيانا بحاجتنا ليد حنون تنتشل فينا الإنسان المعذب داخلنا تحتوينا من آلام العمر المغدور ترفعنا عاليا من الوقوع أكثر لأسفل. تمسح الدمع المتسرب بغفلة ترسم البسمة وتزرع الضحكة وتعيد لنا أيام الفرح المرتبطة بطفولة وهناء.

من يملك القدرة على اغتيال الشعور بالألم في وجودنا؟ من يقدر على إزالة هذا الإحساس بالندم والألم؟ من يمد لنا يد الأمان حتى لا نغرق أكثر في دهاليز القهر والكآبة من يشعر بما نحسه من ضيق يخنق فينا النفس ويقف حائلا بيننا وبين الحياة؟ من يملك العصا السحرية لإزالة الضباب عن أيامنا المتبقية في هذا العمر الفاني؟ أسئلة كثيرة تدور في عقل محموم، في فكر مثقل بالهموم.

هل هذا هو التشاؤم الذي يقال عنه أم هذا اكتئاب بقايا العمر؟ أم هي خطوات تقترب من الجنون؟ أم هي بقايا عقل كان يشار له بالبنان؟ أم هي آثار ضربات الصدمات العديدة، أم هي قلة إيمان وزعزعة ثقة بالنفس وبالآخرين أم هي مجرد معاناة؟ أسئلة مازالت تدور وتدور وستظل تدور ما شاء للنفس المعذبة أن تبقى.

 

kalematnet@hotmail.com