الصوت الذي اختفى

 

قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد

” الصوت الذي اختفى “

حين اقتربت الساعة من العاشرة مساء كان الأب غاضباً لعدم تواجد خالد في البيت ..حاولت أن أهدأ من نفسه وان امتص غضبه وأسليه بعيداً عن صوت الجوع الذي يطالبه بالأكل والاستعداد للعشاء..

لأول مره يتأخر خالد عن موعد العشاء فنحن كأسرة تعودنا أن نكون معاً على المائدة في الساعة الثامنة والنصف..

حين استأذنني ابني الأصغر للذهاب للمجمع التجاري انزعجت أن لا أسمح له وهو السعيد بقيادة السيارة واستلام القيادة منذ أسبوع ..سعادته بالوصول لسن الشباب والمسئولية ..سعادته بسيارته الأولى واختياره..سعادته بالقيادة بمفرده دون وجودي أو وجود الأب أو الأخت الكبرى.

الأب يتململ على مقعده..يقلب في القنوات الفضائية دون رغبة أو راحة..وأنا أقترب من النافذة مراراً وصوت الخادمة خلفي..مدام أضع الطعام على الطاولة؟

انظر إليها مرة معاتبة حتى لا يفطن الأب للتأخير أكثر ومرات أطالعه هو..أنا أعلم جيداً أنه لن يتلذذ بالطعام دون وجودنا كلنا حوله..وبالرغم من هذا أسأل..

..عبد المحسن..هل أضع الطعام؟

يطالعني بنظرات استشف خلفها الرفض المؤدب..

يدير وجهه بعيداً عني..

تقترب البنت الكبرى..تمسح على شعيرات رفضت مغادرة الرأس..أبي..ما عاد في الرأس شعراً..

يسحب رأسها من تحت يدها ..مبتسماً..يعلم جيداً أنها محاولة لتهدئة الجو..

تنظر ابنتي ناحيتي..اتصل به؟

أرد مسرعة..لا..التحدث في الهاتف قد يشغله عن القيادة ..

الأب..وربما يوقفه رجل مرور..هم يحبون استيقاف الشباب لطيشهم..

أدنو أكثر من النافذة ..ألتحف الستارة خشية العورة يناديني عبد المحسن ..تعالي يا أم خالد ..اجلسي..دورانك هذا سيزيدك جوعاً.

أجلس بجانبه..كان الموضوع شيقاً على إحدى القنوات شد الأسرة حوله بضعاً من الدقائق..تسأل ابنتي..هل تعجبكما هذه القناة؟

يرد الأب..والله أحياناً تطرح موضوعات غاية في الأهمية ..

أعلق أنا..ولكنها مملة في بعض الأحيان..

يضحك عبد المحسن..ويعقب..أنتن لا تعجبكن البرامج الحوارية..

أرد..أي والله..صدقت ..

تعاود ابنتي المزح مع أبيها..فترفع الشعيرات القليلة عالياً..لماذا لا تقص هذه الشعيرات الطويلة..

يمازحها الأب ضاحكاً..دعيها حتى لا تسقط وأخسرها.

تصدر عني نظرة للساعة ..ينتبه الأب لناحية نظراتي .

تأخره أصابني بقلق مغلف بخوف..أقف..أظل واقفة مكاني برهة..أشعر بقلقه هو الآخر..أخاطب نفسي بصوت عال..لابد من الاتصال به..يعترض الأب..قد تشغله المكالمة عن الانتباه للطريق والسيارات..

تتفق الابنة معي..اتصلي أمي..تكمل متذمرة ..هو يعرف موعد العشاء فلماذا هذا التأخير.

اسأل الابنة أن تطاولني ” الموبايل ” أدير رقمه تمر ثوان..اسمعه على الطرف الأخر..نعم أمي..

..تأخرت يا حبيبي الكل ينتظرك على العشاء..

صوت الأب محتجاً بصوت حاد مرتفع..هذا استهتار بالوقت..

ارفع يدي ناحيته رافضة تعليقه..أكمل ..أين أنت يا خالد ..؟

..خرجت من المجمع وأنا في الدائري الخامس..

..انتبه للشارع..نحن في انتظارك على العشاء..

..آسف يا أمي ..كان معي صديقاً أشغلني بعض الوقت..

..لا يهم حبيبي..كم من الوقت أمامك؟

..من عشرين دقيقة إلى نصف الساعة..فالشوارع مزدحمة و…..

انقطعت المكالمة..أطالع شاشة هاتفي..الخلل ليس منه..

الأب مستفسراً..ماذا؟

..ربما ضعف في الشبكة ..أو خلل ما في هاتفه.

أعاود الاتصال..” الجهاز مغلق أو خارج منطقة التغطية”

أعاود للمرة الثانية..مازال الصوت الآلي يردد أن الجهاز مغلق..

شيء في الجو أرعبني ..واعتصر الفؤاد..أحس للأب بقشعريرة بدني..اقترب مني..يهمس بحنان..ما بك؟

التفت ناحيته..لا أدري..انقطع هاتفه فجأة..

..تحصل يا بنت الحلال..شركات لا تدل على جودة..

يسحبني حيث المقعد..والقناة الحوارية ..تمر دقائق صمت كأن الكل شده تفكيره لأبعد من اللحظة..

يرن هاتفي..أطالعه بسرعة ..ابتسم الأب..هذا خالد يتصل..

يرد الابتسامة لي ويقول..ألم أقل لك أنها الشبكة.

اضغط على الزر الأخضر..ها يا خالد لماذا انقطع الخط؟

الصوت القادم ليس صوت خالد..الصوت القادم يقول حدث حادث لصاحب الهاتف وقد توفي في الحال..