طبق من شاي
ي 25
2010
قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد
” طبق من شاي “
” جلست. والخوف بعينيها. تتأمل فنجاني المقلوب . قالت يا ولدي لا تحزن..قالت يا ولدي لا تحزن “
لا أدري من أين قدمت هذه الأغنية القديمة وأخذت تدور في ذاكرتي عندما جلست هذه المرأة أمامنا نحن مجموعة النساء في شقة إحدانا. لم أكن أعرف عنها شيئاً ولم أعرف بقدومها كل ما أعرفه أنني دعيت لشرب الشاي عند إحداهن وكانت موجودة قبلي تمسك بطبق فيه شاي بورقة ونفله تطلب من إحداهن النية بتقريب الطبق من فمها لتحدثها عن أشياء حدثت وتحدث وستحدث مستقبلاً وأنا أناظرها مبتسمة ساخرة من كلا الطرفين فقد كذب المنجمون ولو صدقوا.
والأغنية الملعونة تدور بكلماتها ولحنها في مخيلة تعشق عبد الحليم. قالت للصديقة عن عودة الزوج المهاجر وطلاقه من الثانية وإحضار الأبناء لتقوم هي بالتربية.كانت قد تبسمت فرحاً للجزء الأول من الخبر وعبست من جزئه الآخر.
إنها تلج في بئر عميقة. تستنزف فيها كل مشاعرنا كنساء كسيرات أو تبكي فينا الأنثى الجريحة والمغدورة.
حين اقتربت من صديقة أخرى لنا مطلقة أخبرتها بما نعرفه جميعنا عنها تربية الابن الوحيد والاعتكاف إليه والعزوف عن الارتباط بآخر وعشق الرجال لها كإمرأة غاية في الجمال ومع الانتهاء من حديثها للثانية كانت نظراتنا قد أخذت منحنى آخر مختلفاً عن الضحك والمزاح وبدأ الخوف يعلق في العيون.
وحين دنت من الثالثة ذكرت لها أسباب عنوستها وكيف يغادر الرجال محطاتها الكثروعزوفهم عنها بسبب السحر الذي دفن قديماً تحت عتبة الباب حقداً للأسرة وكرها لها.
دخلت هذه المرأة بطبق الشاي الذي تحمله ويدور علينا في خصوصيات نعرف بعضها عن بعضنا ونجهل الآخر.لكن ما طل من أعيننا أيقن الأخريات أن هناك شيئاً قابعاً في تاريخ كل واحدة منا. فخفقت القلوب كما لو كنا في سباق.
اقتربت مني القلب داخلي يقفز وكلمات أغنية عبد الحليم تقفز في ذاكرتي وتتراقص أمام ناظري..الخوف مما ستقول والخوف من هؤلاء النسوة اللاتي يجهلن أموراً عديدة ولا يعرفن إلا أنني الزوجة المحبة للزوج والمعشوقة منه. هؤلاء النسوة اللاتي تحسد كل واحدة منهن حياتي ولطالما قلنها جاهلات العديد من المآسي التي عشتها ومررت بها وما زلت.
طاولتني الطبق.. ضحكت بصوت عال..رددت بصوت عال..
محال..محال
قالت صديقتي المطلقة بمكر..مما تخافين؟
تبسمت وأدرت وجهي عنها خشية إدراك ما هو مخفي.
حين هزتني العانس..لمياء لم التردد؟
الضحكة الساخرة صدرت للمرة الثانية مني.
قلت..أخشى على صلاتي..فمن أتى عرافة لن تقبل صلاته أربعين ليلة
علقت المطلقة قائلة..ولكنك لم تأتيها..أنت تواجدت بالصدفة في المكان الذي ضمك وإياها
مبرر غير مقنع..حديث النفس داخلي.
مرت لحظات صمت..الكل ينتظر مبادرتي . لكن الصمت طال حتى شعرت بملل الأخريات . ثم وجدت الطبق يغادرني حيث الصديقة الأكبر سناً فينا جميعاً.
أمسكت الطبق الممدود لها بيديها الاثنتين وتمتمت كما طلب منها لتعيده لصاحبته.
طالعتها المرأة وأخذت تحدثها عن مرض الزوج مستقبلاً وعن زواج الابنة الأخيرة في أسرتها وعن خلاف سيحدث في البيت مع زوجة الابن ليس معها بل مع إحدى بناتها ومغادرة الابن الساكن عندها مع زوجته بيت الأسرة بعد ذاك الخلاف وعن سفر ستسعد به. الصديقة تلك شعرت بنوع من الراحة حين قالت لها أن ابنك سيعود للبيت مرة أخرى ولكن بمفرده فزوجته قوية وصاحبة مشاكل.
انتهت دائرة النساء اللاتي مر عليهن طبق الشاي فتوجهت النظرات حيث أنا..والخوف قد سرى مني سريان الدم في العروق. هل أفضح نفسي في هذه القعدة؟
الفضول تملكني. هناك تساؤلات عديدة تتصارع داخلي عنه والرغبة في الوصول للإجابات بدأت تنتصر عندي.
قالت إحداهن.. لمياء هل ما زلت على إصرارك بالرفض؟
دون وعي مني صدرت ” ها “
ردت الأخرى..لا..أظن أنها بدأت تلين.
لترد الأولى مخاطبة تلك المرأة..ناوليها الطبق بسرعة قبل أن تعود لرفضها الأول.
قلت..ولكن عندي شرط؟
طالعتني الرفيقات..خير ما هو شرطك؟
…أن أكون بمفردي معها.
احتجت إحداهن قائلة ..ولكننا استمعنا لحديثها معاً.
قالت الأخرى ..هذا ظلم لا عدالة فيه
الأكبر سناً..أنت استمعت لأسرار كانت مخفية لكل واحدة فينا ومن حقنا أن نعرف ما سيقال لك.
قلت وقد حسمت أمري..هذا شرطي.
ردت العانس منهن..وأين المتعة في ذلك؟ خاصة حين تختبئين بعيداً عنا..؟
قلت بصوت حزين..لي أسبابي.
فقالت المطلقة..دعوها وكما ترغب.
حملت المرأة طبق الشاي حيث الغرفة الجانبية لاحقة بصاحبة الشقة دخلت خلفهما وأغلق الباب عليّ وعليها فقط.
جلست في مقابلتها طلبت مني حمل الطبق وذكر نيتي في كل ما أرغب في معرفته عن زوج وابن وابنه وعمل.
كان صوت الخوف داخلي يرتفع وله مساران الأول الخوف من الله في جلسة الشرك تلك والآخر مما سيظهر لي من وقائع لكن الفضول انتصر خاصة بعد كل ما مررت به من فتور في علاقة زوجية بنيت على حب وتحدي.
نظرت في وجهي..جامدة هي واثقة بكل ما تقول وتفعل
قالت..هناك آخر غير الزوج.
لم تصدر عني أي ردة فعل
أكملت..أنت امرأة نظيفة وصادقة وغير خبيثة..
قلت لذاتي..لو كنت أعلم أن الصدق سيضر لتعلمت الكذب ولو كنت أقدر أن أكون غير خبيثة لفعلت ولكن الطبع يغلب التطبع.
قالت..زوجك يحبك كثيراً ويحب الأولاد
تنهدت بعمق..لتكمل..ولكنه آذاك كثيراً..
طالعتها وداخلي يتساءل ما هذا الذي أسمع؟ كيف تعرف تلك بكل هذه الأمور من طبق وشاي وماء!!
..لقد لعب كثيراً في شبابك مع العديد من النساء.
لا أدري كيف منعت نفسي من البكاء
..وخسر الكثير الكثير من ماله عليهن
حقيقة أدركتها منذ سنوات ثلاث
لا أسألها ولا أتحاور معها أعطيتها حرية الكلام والصمت لفني تحت عباءته . حين قالت..أنت مكسورة. داخلك مكسور..لدرجة أنك ابتعدت عنه كثيراً.
صمتت لحظات وعيناها عالقة في طبقها وحركة الإصبع تبحث عن شيء ما بين أوراق الشاي السوداء..ثم رفعت رأسها طالعتني بنظرات حادة شعرت برهبة الموقف فاهتز البدن عندي وقالت بعد السكوت المفروض منها عليّ.. ” ما كو فراش ؟ ”
سؤال أسقطني في بئر الألم الحاد..قبل ثلاث سنوات كنت أتباهى به وبرغبته المستمرة لي..لم أقدر على الإجابة لكنها أدركت الإجابة فسألت: هل تنامين في غرفة ثانية؟
صمتي يشوبه الخجل والخوف والحسرة ووجدت نفسي عاجزة عن الرد أو الإجابة..بل وجدت نفسي مخنوقة ولا أقدر على التنفس الموقف أصعب من تحتمله نفس ضعيفة ونظيفة.
احترمت صمتي بل شعرت بتعاطف قوي منها إليّ..قالت لديك ابنه ستتزوج هذا العام.
شعرت أن هذا الخبر الجيد نوع من التعاطف معي أو حتى تخرجني من حالات القهر التي حبست داخلها.
طالعتها..تقاطيع وجهها تتراقص أمامي بفعل الدموع.داخلي يخبرني ربما زواج ابنتي رحمة لي ونهاية لأحزان طالت وامتدت.
حين سمعتها تقول..ما شاء الله حظها ممتاز.
قلت لنفسي..أتمنى أن يكون حظها أحسن من حظي وإن الله سيعوضني شيئاً مما فقدته في حياتي.
..زوجك حالياً أدرك حقيقة هي في صالحك.
مجرد النظر إليها دون طرح سؤال هو السؤال بذاته.
…أدرك أنه آلمك كثيراً فتاب..
دون وعي مني صدرت ابتسامة سخرية..والمثل المصري يسيطر على فكري ” ذيل الكلب عمره ما يتعدل “
..لقد شبع واكتفى
مجرد كلمة ” شبع ” أثارت عندي أنواعاً مختلفة من الاشمئزاز . هو شبع وساخة وأنا شبعت من الصبر.
..الآخر..
لا أدري كيف رفعت رأسي ناحيتها بصورة تكاد تفضح أمري..
…زين..أكملت ..وايد زين
لم أدخل معها في حوار عن ” الزين ” ولم أرد أن أفتح باباً أخجل مما هو خلفه..جاءني الآخر في وقت حاجتي وكسري..عوّض فيني كبرياء المرأة وأنوثة المغدورة..أشعرني بأني مرغوبة وجميلة بعد أن جرحني الزوج مع الأخريات والبعد العاطفي والجسدي عني..
أكملت تقول..ولكنك نظيفة..لم تخطئي ..لم تقابلي ما فعله بك بمثله..
تنهدت بقوة..
لتقول هي..الأمور ستغدو لصالحك.
وداخلي يقول..حتى تغدو الأمور لصالحي سيخسر هو كل شيء وسأخسر أنا نفسي.
0