البكاء ندماً

قصة قصيرة …. بقلم هيا علي الفهد

” البكاء ندماً “

كان الزعل بيننا امتد لأكثر من سنة. لم أستطع أن أتحمل ذلك الاتصال من زوجها ليخبرني بوفاتها..هكذا فجأة ماتت دون مقدمات دون الرجوع لبعضنا البعض دون التسامح المفروض من أخ لأخته.

دموعي تنهمر وأنا واقف في المقبرة ..ذلك الحشد الكبير من الرجال بعضهم من أفراد العائلة والبعض الآخر أعرفه بالشكل جيراناً كانوا أو أصدقاء لكن الكم الكبير أجهل الصورة والاسم.

ألقيت على وجهها النظرة الأخيرة حين نزلت للقبر. ودعتها ولكن بعد فوات الآوان . انهمرت دموعي كما لم أعهد نفسي بالبكاء وعلا صوت النحيب حتى حاول ابني إسكاتي بحنان رأفة بحالي وبأني الإنسان المؤمن بقضاء الله..كنت أبكي ندماً على إغضابي لها ومقاطعتي إياها كل تلك الأشهر الطويلة . تمنيت لو عادت الأيام للوراء قليلاً وصالحتها وحدّثتها ورافقتها.

حين اصطفينا لتلقى العزاء في المقبرة كان أغلبية الرجال يبكون. لأول مرة أشهد بكاء رجال بهذا الشكل والذي هزّني أكثر بكاء هؤلاء الذين أجهلهم أسماً وشكلاً. يقترب الواحد منهم مني يضمني بحنان بالغ وتصدر عنه كلمة وحيدة ” طيبة ” .

عرفت فيما بعد غالبيتهم هم رفقاء عمل لها. وحّز في نفسي أن يعرفها الغريب أكثر مني.

كنت أعي طيبتها واختلافها عن بقية الأخوات فلم تكن تطلب منا شيئاً كما لم يصدر عنها يوماً أذى لأحد بل كانت سريعة الاستجابة لطلباتنا حتى وإن لم تقدر وكانت من النوع الذي يؤثرنا على نفسها.

رفعت رأسي أدرته ناحية قبرها . صوت البكاء داخلي يعلو ليسمعه كل من حولي لم أقدر على السيطرة على نفسي أو أحكام الضمير الذي اقترب من الجنون حتى خاطبني أحدهم ” استغفر الله وادع لها بالثبات والمغفرة “.

ثم أكمل الثاني ” تصبّر يا أخي عسى أن تكون خاتمة الأحزان ” .

أطرقت برأسي للأرض..طالعت أقدام من هم بجانبي حاولت أن أشغل الفكر بحذاء ونعال ..حركت ذرات الرمال تحتي. حفرت بحذائي الأرض..دحرجت الحصاة القريبة. وطابور المعزين لا يتوقف وكلمة ” طيبة ” يرددها الأغلبية.

عرفها الغريب وتعامل معها وفق هذا المبدأ وأنا أخوها من أمها وأبيها تناسيت هذه الطيبة وعاملتها بقسوة واضحة  لدرجة أن قسوتي فرضتها علي زوجة وابن.

حاولت أن استرجع أسباب الزعل..تاريخه..لم أعد أذكر أي شيء عنه.

حين حدثتني زوجتي عن دعوة الأخت لها للعشاء في بيتها. رفضت وعاندت وأمرت بالمقاطعة وكانت الزوجة أقسى مني تعمدت أن تجرحها وتخبر الأسرة برفضي الدعوة حتى وصلها الخبر..لم تعاتبني ولكن وصلتني رسالة يتيمة منها على هاتفي النقال تحتوي على ” حسبي الله ونعم الوكيل ” لم أستوعب تلك العبارة من جانب الدين بل أثرت مشكلة أكبر لدى الأسرة وقلت أنها تدعو عليّ وعلى أسرتي . وثرت لأيام شاركتني الزوجة العنف والتجريح بها حتى وصلني كيف بكت وكيف تألمت وكيف خرجت من البيت دون حجاب ومع هذا لم يصحو الضمير الغافي.

ما باله اليوم يؤنبني ؟ هل لأنها رحلت دون عودة؟ هل لأني أدركت مدى طيبها ورقيها؟ هل لأني عرفت مكانتها لدى الآخرين؟ هل لأن الآخرين عرفوها أكثر مني ؟

صدرت الآه مني بعنف وقوة. خاطبني أحدهم ” تعوّذ من الشيطان ”

أنت مَنْ مِنَ الأخوة ؟

رفعت رأسي نحوه وقلت..حمد..

قال بعد تنهيدة حارة ..كنت الأعز..وأكمل مسيرته..

النار أشتعلت أكثر في جوفي..ذاك الغريب يعرف مشاعرها أكثر مني..تتحدث معه عن حبها لي. تخبره عن مكانتي في نفسها تقول له إني الأعز..الأعز

الآه تزداد عنفاً وحدّه فأفترش التراب وياليتني قبلّت التراب الذي طواها..يحاول رفعي الأخ الذي على يميني ..يصرخ بي..حمد..حمد الرجال في بقية الصفوف يهللون والآخرون يرددون لا حول ولا قوة إلا بالله ..يظن رجال المقبرة إني أبكيها من الفراق أو أبكي حزناً عليها..ولكني أبكي ندماً على ما فعلته بها..على خصام لأسباب تافهه..على إني حرمتها منّا . على إني منعت دخولها بيت العائلة . على إني حاربتها بقوة ومنعت الزوجة والأبن زيارتها..لم أكن أظن أنها ستموت صغيرة ظننت أن العمر سيمتد وسيكون اللقاء والعودة.

افتراشي للأرض طال وضعت يديّ الاثنتين على رأسي قال كبير الأخوة ( دعوه ) . يعلم ما في داخلي وبأن الندم ينهش فيني الضمير والعقل والفؤاد..

يمر المعزون وحالما يصلون عندي يكبّر البعض منهم ويدعو البعض لي بالصبر ولها بالرحمة وأنا الأخ ” الأعّز ” لم أرحمها. حين انفضّ العزاء وغادر الجميع المقبرة آثرت البقاء لحظات عند قبرها الرطب..بكيت بالرغم من نصيحة الناس لنا بأن البكاء يعذّب الميت..حدثتها بجنون طلبت منها أن تسامحني وأن تغفر لي تمنيت من كل قلبي لو ردت عليّ من تحت التراب  لتقول سامحتك..حلمت لو أنها كانت بجانبي تبتسم كعادتها ولكنه الحلم الذي لن يتحقق..ازداد بكائي بندم على ما فعلته معها كنت أظن أن العمر ممتداً بي وبها ولم أدرك أن سنة العذاب والفراق كانت هي السنة الأخيرة عندها.