الحبل الذي انقطع
ي 20
2010
قصة قصيرة ….بقلم هيا علي الفهد
” الحبل الذي انقطع “
وضعت قدميها الحافيتين في البحر أرادت أن تطفئ النار المتقدة في الجسد المنهك كان الصوت القادم من الذكرى قوياً..قاسياً يردد معه موج البحر صداه ” أنت طالق ” أي ظلم يلحق بامرأة مخلصة متفانية أكبر من الطلاق بلا مبرر..
تحرك الماء بقدميها..تحفر الأرض بكعب القدم..تنتبه للساق التي طلت من تحت ثوب طويل ..كشفت عن عورة في عرف مجتمع محافظ..
تلفتت يميناً ويساراً..الشاطئ شبه خالي من البشر..لكن ضجيج الحدث يفرض وجوده في عقل مدمر..
الذكرى تلحق بها أنواع مختلفة من الأذى..نفسي..جسدي..كل الآلام النفسية لابد أن تعبر الجسد فتلحق به أمراضاً عدة..تقرحات مزعجة وداء مختلف.
التنفس بعمق والنظرة للبعيد..لبحر يحتضن السماء..يتلاصقان..يتعانقان كما كانت هي وهو على مدى سنين الزواج وعقد الورقة.
لكن الكلمة الأخيرة لابد أن تنتهي من حلقه كما بدأت منه..كل شيء بيد الرجل ووفق أهواءه وكأن الطرف الآخر لا وجود له ولا قرار له..
تشعر بنوع من الظلم اللاحق بكيانها..ظلم لا تجده في الديانة المسيحية مثلاً لابد من الاتفاق وموافقة الطرفين..
تردد..استغفر الله بصوت عال.. لا تملك أن تعترض على شريعة الدين تحدّث نفسها بصوت مسموع..ما بالي أعترض بصورة غبية..لاراد لقضاء الله..
تأخذ في السير داخل الماء..لعل الماء تنهي حالة الغليان لديها..
تستمر في السير..الحصاة اللامعة تغري في لمسها..في رفعها..
يتبلل الثوب أكثر تلتصق به حبات الرمل الشيطانية ..الحصى في يدها.وتدحرجها داخل الكف الأيمن تشتم البحر والملح والماء..تتساقط القطرات خجلى من أصابع نحيفة تلقي بها بقوة داخل البحر . الدوائر تظهر عن بعد..تتلاشى..تختفي. أشبه باختفاء السنوات التي كانت بينهما. تلاشت بكلمة..بقرار لا تدري علته.
حالة اللاوعي التي سيطرت عليها بعنف تجعلها تسير دون إدراك تقف برهه تلتفت خلفها سيارتها تكاد تختفي عن بصرها..تتلاشى كسراب في صحراء مجنونة. تسيطر على حالة السير الغير متوازنة تحاول العودة. ترفض العودة..تستمر دون وعي أو إدراك.
تصرخ فجأة .ترفع قدمها اليمنى ترى الجرح ينزف..قطعة الحجر الحادة جرحتها. الجرح في القدم كما الجرح في القلب. كلاهما مؤلم وحاد. كلاهما زاوية تسحبها حيث التألم والوجع, كلاهما جاءا على غفلة منها..بما يشبه الغدر والزمن قاسي حين يغدر..ظالم حين يطعن.
هاتفها النقال يرن..أمها على الطرف الآخر..تتساءل حين سمعت الصوت يأتيها مرتجعاً..ما بك؟
تخنقها العبره..تلجم اللسان عن الانطلاق ..ترفض الكلمات مغادرة الفم تسأل الأم بإصرار ..مابك؟
تردد هي من جانب المخدوع..لا شيء ..لا شيء يا أمي
تعاود الأم الشكوك فيما تقول..لا شيء؟ وصوتك المتقطع يثير ألفاً من التساؤلات فيك شيء..احساس الأم لا يشوبه شك أو ريبة.
الأم الطاعنة في السن تدرك بإحساسها ما يختفي خلف الأبواب الموصدة تشعر من خلال الصوت أن هناك ظلام قادم بقوة لحياة ابنة.
بكاؤها يصل وإن حاولت إخفاءه
الأم ترتجف ربما غضباً وربما خوفاً..والسؤال المردد لا جواب له..
ما بك.. ماذا حصل؟
تقرر الإجابة لإراحتها..معلومة ستصل ولابد أن تقوم هي بإعلانها.
..يمه فهد طلقني..
صمت الأم من الجانب الثاني يعطيها إشارة بالغضب والحزن..تشعر بتأنيب الضمير لحظات لأنها أزعجت امرأة طافت السبعين بسنوات لكن الأم هي الملجأ لأي ابنه..
لا حول ولا قوة إلا بالله..كلمات تصلها مرات عدة انتقلت حالة الصدمة منها إليها..سواد غطى مسافات الخطوات أمامها لم تعد تبصر طريقها..تلف الأرض بها..تشعر بالدوار يجذبها حيث الوقوع ..تجلس في مكانها ..الماء يغمر الحضن..يسقط الهاتف فيه ينقطع الإرسال..يموت التواصل..يدنو أحدهم منها..صوته يقدم إليها من القاع..مخفياً..متخفياً ذو صدى ..ما بك..هل هناك شيء..
الشيء يلف في عقلها..شيء..شيء هناك جمع له الشيء يغدو أشياء..هناك البيت والأبناء..هناك الزوج الظالم..والتاريخ المغتصب هناك العرش الذي أسقط وهناك هي المرأة المغدورة والزوجة المظلومة..هناك القرار الأوحد له دونها وكأنها لم تكن موجودة يوماً..وكأن الأبناء لم يقدموا بعمل مشترك في لحظات حب وود.
جلستها طالت وهذا الغريب ابتعد مسافة قليلة عنها..ينظر إليها ويراقبها خوفاً واطمئناناً.
ترفع الهاتف..الصورة اختفت فيه وكذلك الصوت..صمت كصمت المشاعر داخلها.
الماء يغمرها أكثر..يرتفع أكثر وفكره مجنونة مسيطرة. ماذا لو استسلمت للموج ليأخذها في عرضه وينهي الألم والحياة..الاستغفار يعاود الظهور والخوف من الله.
الرجل الغريب يدنو للمرة الثانية..ينظر إليها ..دون كلام..يحاول لمسها هل هي ميته أم على ظهر الحياة.. ترفع رأسها نحوه..يلمس البكاء والألم. يغادر مكانها داعياً لها بأن يفرّج الله ما هي فيه من كربة.
حالة المد ترفع كمية الماء تصل للأعلى تقترب من تغطية الرأس والفكرة المجنونة تعاود وجودها.
تحاول الوقوف للسيطرة على النفس الأمارة بالسوء. تقع داخل الماء في وضع الجلوس. تظل دقائق محاولة السيطرة على دوار محموم.
تنظر للشمس التي تغادر على استحياء ..النظر للشفق يزيد المجال سواداً.
المحاولة تتكرر تسقط للمرة الثانية على وجهها..الماء ينفذ للأنف تحرقها ملوحة الماء..تتصارع معه..تعاود محاولة الوقوف . تعجز يشدها الموج للداخل. تنظر للشاطئ يخلو من المارة ..الرجل الغريب يختفي..الظلام يسيطر..الموج يجرها بعنف..جسدها المنهك والجهل في السباحة..تحاول الوقوف..تعجز..الموج الظالم يسحبها أكثر للمنتصف.
الشاطئ غدا خيالات لم تعد المظاهر محددة أو معلومة. مقاومتها تقل الماء يشدها بعنف للأسفل..للقاع..الظلام يسيطر..تختفي الأنوار ويختفي النور وتستسلم.
في الصباح يعلن العثور على جثة لامرأة غريقة في الأربعين من العمر.
0