بقلم هيا علي الفهد


بقلم هيا علي الفهد
XML Feed

نشر بجريدة القبس_2

20/11/2010

 
 
 

المجموعة الأولى لهيا الفهد

«مسألة وقت».. قصص واقعية للحزن النبيل

 

 

 هيا الفهد

هيا الفهد

مأمون المغازي
{مسألة وقت} هي المجموعة القصصية الأولى للأديبة الكويتية هيا الفهد. وقد رأيتها قصصا واقعية يحسبها القارئ بسيطة سهلة، إلا أن بنائيتها ذكية قائمة على ما أسميه «الحزن النبيل» الذي يعيشه الراوي ـ أو السارد ـ الذي أراه ملبسا بهذا الحزن كل الحكايات التي توقفنا أمام أنفسنا بذكاء وحرفية القصة الناقدة؛ تلك القصة التي لا تقوم على نقد ظاهرة، وإنما هي كيان متكامل يملك القدرة على النقد، وهذا يتأتى إذا امتلكت القصة القدرة على أن تتحول إلى عين يرى بها القارئ نفسه أو الآخر أو الظاهرة، والظواهر في هذه المجموعة إما مفردة (قائمة بذاتها) وإما مترادفة أو مترادة، وقد أتت طاقة هذه القصص من تلك العفوية التي بنيت بها وهي عفوية مقصودة قامت عليها اللغة والنسق والأسلوب، فنحن أمام عرض مشوق مستفز ابتداء من عنوان المجموعة الذي هو عنوان إحدى القصص (مسألة وقت) إلى العناونين المتوالية التي تقسم في القصة إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: قصص مفردة: «أنا ودراجتي الحمراء، لقاء، نهاية، حيرة، مسألة وقت، لقاء غريب،استسلام، انحراف، هو ونون النسوة، أفكار مشوشة، عطل، اختناق، دمار، نوايا شريرة، المثل هو أبي».
القسم الثاني: «هواجس رجالية» ويتكون من خمس قصص بلا عناوين خاصة تمثل كل قصة نموذجًا لرجل في موقف مستقل.
القسم الثالث: «هواجس نسائية» ويتكون من خمس قصص بلا عناوين مستقلة، وإنما تمثل كل قصة نموذجا مستقلاً. فيمثل كل رجل وكل امرأة خلف العنوان الجامع حالة منفردة في موقف منفرد.
انزياح الكتلة الدلالية
إننا نلاحظ في هذه الأعمال ما أطلق عليه «انزياح الكتلة الدلالية»، هذا إذا اعتبرنا أن كل قصة تمثل حالة متقاطعة مع عنوانها تؤدي دلالة متنامية تؤدي غرضا آخر، فالعطل في موضعه ومتن قصته معا يعنيان المتوقع من الإغلاق مرة ومن العلاقات البيتية مرة ومن العلاقات الأسرية مرة أخرى… إلخ، كل ذلك «المثل هو أبي» هذا التركيب التام لغة ومعنى يقف على رأس متن قصي لنسمع صوتا لم يرد في القصة رغم وجود ابنة البطلين التي هي هنا حفيدة لذلك الأب الذي هو المثل لأمها، لكن نتاج التجربة يجعلنا نسمعها تقول: المثل ليس أبي. هنا الكتلة الدلالية للعمل بالكامل انزاحت لتنسحب على تطوير آخر لعلاقات تبنى في مواقف مغايرة. أي أننا ننطلق من الانزياح الدلالي للفظة إلى التركيب كما في العنوانات المركبة ثم إلى الكتلة الدلالية للنص الذي يأتي في إجماله حاملاً حالة نعتبرها في مجملها دالاً وفق الحدث المتنامي إلى الإغلاق بمفارقة مدهشة أو بنهاية مفتوحة على فضاءات التوقع ونسج الفروض ليكون في ظاهره الدلالي دالاً على ما أوقعه في خبرتنا ليتطور ـ وفقًا لمحمولاته ـ ليعبر عن مدلول أو ربما مدلولات كتلية تخرق مألوف النص.
فإذا عدنا إلى متن قصة «عطل»، ابتداء من تعطل السيارة إلى توابع هذا التعطل في الطريق المتسع من المعاكسات، التلميحات المبتذلة من شباب غير مسؤولين، العروض المبتذلة، الانشغال بالذكريات السيئة معرضة البطلة لإمكان وقوعها ضحية حادث سيارة يقودها متهور، كل هذا بين فكين حادين: الأول الطقس السيئ، الثاني الحالة النفسية التي اكتنفتها. أما الإغلاق فيتم في مجمع تجاري حيث الأجواء المختلفة والسخرية من اتصال الزوج المهمل، ثم التنازل بالاتصال بالأخ رغم معرفتها بأنه سيسخر منها. الكتلة الحدثية بهذا تكون قد تمت بما يناسب الحبكة، والحدث المتناسب مع ظاهر القصة.
فساد العلاقة
تنزاح الكتلة الدلالية لكامل النص الجامع مفرداته لتعبر عن حالة غير مألوفة، فالتعطل هو فساد العلاقة الزوجية في جو مشحون بالخلافات والاختلافات على عدة مستويات أخلاقية، ومجتمعية، وفكرية، كل هذا يلقي بظلاله على بقعة مركزية تشكل المستوى المالي ومعدل الدخل لهذه الأسرة. هذا العطل في العلاقة يجعل البطلة عرضة لنفس ما تعرضت له نتيجة تعطل السيارة لتظهر المؤثرات نفسها والدوافع نفسها في الطقس الساخن نفسه المعبأ بالغبار والعرق، هذا الانزياح الكتلي أدى إلى توقع كل ما يمكن تصوره من انحراف دلالي للموقف الكلي من كونه عطل سيارة إلى عطل في السيطرة على النفس المجروحة المهملة في محيط لا يساعد بلا مقابل وفي الأغلب المقابل أكبر بكثير من المساعدة.
مفارقة نظرية
ان مجموعة مسألة وقت قصة ناقدة وفق مفهومي للقصة الناقدة، وانا عندما أقول ذلك ابدو مخالفا كثيرا من الأسس النظرية لمفهوم القصة الناقدة الذي رأيته عند غيري قائما على كون القاص يملك القدرة على النقد، كما أكون قد طبقت على نماذج من المجموعة مفهومي لانزياح الكتلة الدلالية الذي يحقق تحول العمل كونه كتلة إلى دال ينزاح بكليته، بل ويستجيب إلى انحرافه دلاليا ليخرج عن مقتضى حاله إلى أحوال أخرى مخلفا رؤى جديدة يمكنها أن تتوالد وفق علاقات تكمن في البناء الشكلي للعمل، وفي البناء الفكري (الذي يتحرر من فكر القاص إلى فكر القصة)، ومثله البناء الترميزي لنصل إلى سيميولوجية كتلة النص كونه تحول إلى علامة.

 

 غلاف المجموعة

غلاف المجموعة